حكمةُ الجَدّ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حكمةُ الجَدّ

لا تستصعب الأمور وإن كانت جلل، ولا تندب ما صار تَلَل.. هذه حكمة الجَد للولد.

  نشر في 21 أكتوبر 2019 .

تجبرنا الحياة على مسارات متعرِّجة، لتختبر قدرتنا على المسير، وحكمة التدبير، وفرصة التصويب، حين تذل الأقدام، وتتبدل الأقدار، نخرج من مسارٍ إلى مسار، من منعرج مخيف إلى مستقيم منير، تنبثق من آخره مَدَاقّ عديدة، هكذا تبدو صفحات الحياة، كأوراق التوت المتساقطة فوق رأس المستظل.

نهرب من الخوف بالتحاف الأحلام، ظنًا بأن الافتراس سيبتعد بمسافات تضاهي تلك التي قطعناها بخيالنا تجاه المستقبل، نعم هي خيالات، لكنّها تعضد مسببات البقاء لفترة أطول بين الأنام.

هكذا يتحدث شاب، مُتوكِّئً على أريكته، يُخبِّئ رجله اليمنى أسفل مقعده، ويتعكزًا بيده اليمنى على المسند الخشبي، ويشمس يده اليسرى على ركبته اليسرى التي اقتربت من محازة كتفه، وهو يدقق النظر في الغيط، تحط طيور وتطير أخرى، يهبط فجأة طائر "أَبو قِرْدَان" من مسافة عالية بسرعة فائقة يلتقط دودة، قد غطاها التراب، ثم يصعد إلى علٍ مرة أخرى.

مشاهد تطاير المخلوقات، كانت طقوسًا تقليدية أمام هذا الشاب الذي يبدو أن تفكيره في أمر جلل يحول دون متابعة دقيقة لمسارات الطيور، قبل أن يخطف "أَبو قِرْدَان"، كامل تركيزه.

من أين جاء بهذه الدقة؟، يسأل الشاب عقله عن القدرات الإلهية التي تجعل طائرًا بهذا الحجم يرقب فريسته من مسافات عالية، ثم يهبط فجأة ليلتقمها وقد غطاها الزرع والتراب معًا؟

طار في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى المجهول، هذا المجهول كان بالنسبة له آخر الآمال الباقية.. كان يجاهد نفسه على نفسه، بدا الشاب يربط بين هبوط الطائر، ورحلته التي قطعها إلى عوالم غريبة، يشتركان في الهبوط، الذي يعتبره البعض سقوطًا لكنه يمكن أن يكون لجني الثمار، ما يجعل الحياة أشبه بزَهْر النّرْد، لا علم لنا بأيٍّ وجه ستبدو، سواء بأقلِّه عددًا أو أكبرها حظًا.

يدير الشاب وجهه وهو يقطع خيوط ذهنه الفلسفية، ليعيد التذكير بمادية الوجود وماهية الأشياء المحيطة، والواقع الافتراضي الذي يتنقل بين أرجائه، محدثًا نفسه: "دعك من السفسطائية، ولا تمتطي ظهر المستحيل، لا تجالس نفسك مع نفسك، تحدث لغيرك، اسحب همومك خلف ظهرك واذهب إلى شاطئ الوادي البعيد، القِ حمولتك في أغواره، وعدْ إلى رشدك".

ألست من قرر؟، أقبلت وأدبرت بمحض إرادتك، فعلما النُّواح على ما قُدّر للمسير؟.. الاقتناع بمآلات الأمور يزيد المناعة على استيعاب ما لا تستطع عليه صبرا.. حديث الشاب لنفسه بدا كحبل مشنقة، كلما حاول التخلص منه ضغط أكثر على عنقه حتى يكاد يحبس أنفاسه.

صوت خطوات متعثرة تقترب من الأريكة، عرف الشاب من قبضة اليد التي ربتت على كتفه من الخلف أن جَده انتبه لحديثه الخلوي فأراد مشاركته رحلة البحث عن الذات.

ألم أقل لك إنك الوَحِلُ بلا سببٍ، والمعزول بلا دراية، لتصير أصغر كهل في شعبة العجائز، وأكبر عجوز بين الشباب، لا تكتثر بحديث العقل الغامض، وتعالى نفكر بصوت عالٍ، من أنت؟ ولماذا جئت؟ وأين ذاهب؟.

"يا أم محمد فنجانين قهوة مظبوطين وحياة الغاليين.. إلهي تزوري النبي بعد الحسين".. هكذا قطع الجد سيل أسئلته ليزيح عن الشاب توتره.

"مش فاكر زمان يوم ما روحنا مع بعض المدرسة، والأستاذ محمد الناظر - الله يرحمه- قالي حفيدك دا ولد ماجبتوش ولّادة".. نسيت يا ولدي كنت ايه، دا انت كنت ولا أجدعها عيل في الحارة، تجري ورا الساقية ولا كأنك الساقي، فين يا ابني عزيمتك، ضيعتها عند المصاروة!.. وجاي دلوقتي قاعد عالكنبة قدام الغيط تندب حالك.. قوم ياض قول لأمك تشهل في القهوة وتعالى.

مستغرب إن جدك لساه فاكر وقفتك بين صحابك، لمتهم عليك وانت بتشرح لهم المسألة، ياكش فاكرني هنسى إنك كنت عامل ولا كأنك الأستاذ رمضان بتاع الرياضيات.. بس تعرف كنت لما أبص في عينك وانت مبسوط إنك فاهم وبتفهَّم الولاد، كنت بشوف أبوك، ما هو كان زيك كدا، ماكنش بيقرا ولا يكتب، بس كانت مشورته توزن بلد، ماكنتش أعمل حاجة إلا لما أقوله رأيك ايه؟ أجيب منين وأودي فين، تعرف وصاني بإيه، قالي "العقل مش بالعلام، خد بالك من المدام، والواد محمد حاسه عيل هُمَام، وعيّه بالأفعال مش بالكلام".

تأخذنا الدنيا إلى دروب واعرة يا جدي، ما بين الطموح والبوح، تُحبس الأنفاس، ولا ترحمنا الناس، ليت الأحداث ما كانت "أحداث"، والأحلام لم نرها في المنام، توجعني التوهة بين ما ذهب وما هو آتٍ.

أتعرف يا ولدي لماذا تملأ رأسك بالتفكير فيما لا تملك إليه مصير، لأنك ترى السعادة في النجوم، ومسارات الغيوم، فتزيد الهموم، أليس مصباح الإنارة في هذا العمود يقوم مقام النجوم في الليلة الظلماء، هكذا السعادة حمّالة الأوجه والمسارات، اختر لنفسك مسار التحرر من الحديث العقلي والفلسفة الذهنية، قم تناول القهوة من أمك.

كنت أشرب القهوة مع أبيك على هذه الأريكة قبل عشرين عامًا، كان غيرك يا ولدي، يجيد فن اختيار مسارات السعادة، ينتشي فرحًا بزيارة خاله الذي يسكن في القرية المجاورة، يتحول إلى عصفور مغرد عندما يحين موعد المباراة، كان يجد سعادته في بساطة أحلامه، لا تستصعب الأمور وإن كانت جلل، ولا تندب ما صار تَلَل.. هذه حكمة الجَد للولد.


  • 2

   نشر في 21 أكتوبر 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا