علم اجتماع المخاطر :علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم اجتماع المخاطر :علم الاجتماع الجديد

العالم بين المخاطرة و الخطر

  نشر في 11 مارس 2017 .


علم اجتماع المخاطر هو ذلك العلم الذي يهتم بفهم و تفسير ظاهرة المخاطرة باسبابها و نتائجها في السياق التاريخي و المجتمعي ككل ، تفسيرا سوسيولوجيا ، كما أنه معنى تحديدا بدراسة المخاطر الأخطار المنبعثة من عصر الحداثة و ما بعدها ، أي أنه يتناول بالدراسة المخاطر التي يعرفها عالمنا اليوم و أثرها على المجتمع الإنساني ، و هو يرتبط بشكل كبير بإسهامات عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك الذي يعزى له الفضل في صياغة مفهوم " مجتمع المخاطرة " . كما يبرز في هذا المجال ايضا علماء اجتماع مثل الانجليزي أنتوني جيدنز ، و الألماني نيكلاس لومان ، و الفرنسي دافيد لوبروتون ..

و رغم أن المخاطرة و الخطر وجدا منذ وجود الانسان على هذه البسيطة مع أن ذلك يختلف حتما من حيث الدرجة و النوع و الإدراك و التحكّم .. إلا أن أولريش بيك و أنتوني جيدنز يتفقان في كون أن ( فكرة المخاطرة ) بالمعنى الذي ارتبط بمجتمعات الحداثة قد ظهرت فجر النهضة الأوروبية في القرنين السادس عشر و السابع عشر ، اذ ارتبطت بظهور الاحتمالية في الحساب ، حيث سجل تاريخ العلم ان القرن السابع عشر مولد حساب الاحتمالية 1651 .. اي مولد أول محاولة في التحكم فيما هو غير متوقع و ذلك بحساب إمكانية النجاح و الخسارة مقابل المكان و الزمان ، حيث يقول جيدنز أن المخاطرة ارتبطت أولا بالمكان ( الإبحار ) ثم بالزمان ( الاستثمارات ) .

و إنه من الأهمية بمكان ، أن نوضح أن البحث في موضوع المخاطر في الفترة المعاصرة كان وليد ظروف مجتمعية و مشكلات جمة طفت على السطح على مختلف الاصعدة أهمها الصعيد البيئي ، و كذا الصعيد الأمني و السياسي ، و الاقتصادي ، و الثقافي ، و الاجتماعي .. و كل ذلك كان من مخلفات الحداثة التي وجهت المؤسسة العلمية- التكنولوجية و الاقتصادية نحو خدمة و تحقيق انتصاراتها في الوقت الذي كان المجتمع يدفع ثمن تلك الانتصارات (العلمية خاصة ) فبدأت تظهر في الجهة المقابلة إخفاقات مُقَابِل تلك الانتصارات ، تمثلت اكثر ما تمثلت في الدمار البيئي ( إنسان - حيوان - أرض - هواء - مياه ..) في صورة دراماتيكية رسمت ملامحها سياسة التصنيع و التجارب النووية و الحروب الكيماوية و غيرها ، و هو الأمر الذي أثر بدوره على البعد الاجتماعي و الثقافي من جهة أخرى ، و ذلك من حيث انقطاع الرباط الاجتماعي ، فباتت العلاقات الاجتماعية كما أصفها "علاقات طيارة " فمن جهة هي تتشكل و تنتهي بسرعة بصورة تنذر بالخطر ، و من جهة أخرى هي غير محدودة و ثابتة و إنما تتمدد و تتطاير متحدية المكان و الزمان بفضل تكنولوجيا الاتصالات الرقمية خاصة تلك العلاقات "الافتراضية " و التي شكلت أخطارا على العلاقات الاجتماعية "الحقيقية " إظافة الى أن توسع شبكة العلاقات الاجتماعية عبر الفضاءات الالكترونية قد يحمل في طياته مخاطر توسع شبكة العلاقات " الإجرامية " .. و كذا تغذية صراعات و نزاعات إثنية و عرقية ذات بعد ثقافي - ديني مما قد يترتب عنه أيضا مخاطر و أخطار أخرى عالمية على صعيد آخر ، و هكذا ..

و يرى أولريش بيك أن "مجتمع المخاطرة " قد ظهر مع منتصف القرن العشرين ، و هو مجتمع ساخط على تبعات الحداثة السلبية ، يبحث في كيفية إدارة المخاطر (Risk management) و الأخطار بالوقاية و العلاج معا . و هو ما أوضحه في كتابه ( مجتمع المخاطرة ) الذي كتبه عام 1986 ، مشيرا إلى أن مجتمعات النصف الثاني من القرن العشرين باتت مرغمة على مواجهة سلبيات الحداثة و إيجاد الحلول و البدائل المناسبة لمجابهة تحدياتها و إدارتها، و هو ما أسماه ب " عقد المخاطرة " اي مدى القدرة على التحكم في التهديدات و الأخطار الناجمة عن الصناعة و القدرة على تعويضها .. غير أنه في كتابه الآخر الذي كتبه بعد عشرون سنة من ذلك ، و هو كتاب ( مجتمع المخاطر العالمي : بحثا عن الأمان المفقود ) عام 2006 ، قد فرق فيه بين مجتمع المخاطرة و مجتمع المخاطر العالمي ، حيث هنا يظهر جليا أنه يتحدث عن "مجتمع عالمي " تنتشر فيه المخاطر و الأخطار في مختلف الأقطار أو كما أصفها ( المخاطر الطيارة ، اي التي تطير من مكان الى مكان آخر دون أن نقدر على مسكها و إخضاعها أو التحكم فيها ! ) لعبت فيها العولمة و انسيابية التدفق و تخطي الحدود القومية دورا بالغا في : عولمة المخاطر و الأخطار ، و منه توسيع نطاق عدم الأمان المصطنع .

إذن ، مجتمع المخاطر العالمي هو المجتمع العالمي الذي اشترك في احتضان المخاطر و الاخطار ، بعدما كانت المخاطر و الاخطار لا تتعدى حدود الدولة القومية ها هي اليوم في عصر العولمة قد تخطت الحدود القومية لتتدفق في مختلف الاتجاهات و مثال ذلك الجماعات الإرهابية "المصنعة " . و هنا يستوقفني عالم الاجتماع البولندي سيجموند بومان أثناء حديثه عن عصرنا الحالي فيصف حالة "ما بعد الحداثة " بوصف مميز و يسميها ب " الحداثة السائلة " بعدما كانت "حداثة صلبة "، ففي سلسلة كتبه عن الحداثة السائلة عَنْوَن واحدا منهم ب ( الخوف السائل ) إشارة منه أن المخاطر و الاخطار التي كانت تدور في حدود الدولة القومية قد سالت اليوم في عصر العولمة ليتعدى سيلانها حدوده فيسيل الى مدى أبعد من ذلك فيصل إلى مناطق و أمكنة أخرى ، و سيلان الاٍرهاب و الأضرار البيئية و غيرهما سيترتب عنه لا محالة سيلان الخوف ! .

و يعرف أولريش بيك مجتمع المخاطر بأنه "حالة من توافق الظروف أصبحت فيها فكرة إمكانية التحكم في الآثار الجانبية و الأخطار التي يفرضها اتخاذ القرارات محل شك " . و هنا نلاحظ أن المخاطرة مرتبطة باتخاذ القرار بشأن سلوك ما قد يحقق لنا : إما فرصة و إما خطرا . و مع تفاقم المخاطر و الأخطار مقابل الفرص فإن مجتمع المخاطرة بات يعيش حالة من عدم الأمان و أيضا الشك و فقدان اليقين بخصوص إمكانيته و مقدرته على مواجهة تلك المخاطر (risks ) و الأخطار ( dangers) و التحكم فيها مكانيا و زمنيا . و لهذا يتفق علماء المخاطرة على أن عالمنا اليوم يعيش حالة من فقدان اليقين العالمي .

و هو أي بيك يفرق بين المخاطرة و الكارثة ، فالمخاطرة حسبه تعني التنبؤ بالكارثة أي هي إمكانية أن تطرأ احداث و تطورات مستقبلية و اذا ما تحققت تصبح إذن كارثة . فالمخاطرة حدث متنبأ بحدوثه أما الكارثة فهي حدث فعلي .

أما نيكلاس لومان فإنه يفرق بين المخاطرة و الخطر في كتابه ( المخاطرة : نظرية سوسيولوجية ) ، إذ يعرف المخاطرة risk على أنها : أَذًى محتمل يخيف الفرد و يرتكز على قرار اتخذه بنفسه ، إنها عملية حسابية تأخذ بالاعتبار الخسارة و الفائدة المُحتملة بالاستناد الى الزمن . أما الخطر danger فهو : الأَذى المحتمل الذي يتعرض له الفرد بفعل مؤثرات خارجية ، اي دون أن يتخذ الفرد نفسه قرارا بفعل كذا .

كما يعرف أنتوني جيدنز في كتابه ( عالم منفلت : كيف تعيد العولمة صياغة حياتنا ) المخاطرة على أنها : تلك المجازفات التي يتم تقويمها فعليا في علاقتها بالاحتمالات المستقبلية . كما يقول أنها هي القوة الدافعة للمجتمع الذي يصر على التغير و الذي يريد ان يحدد مستقبله ولا يتركه للدين او التقاليد أو لقوى الطبيعة .

و هو أي جيدنز يرى أن المخاطر نوعان :

-مخاطر خارجية ، و هي ما ارتبط بالتقاليد و الطّبيعة ( الأوبئة و الفياضانات و المجاعة و الجفاف و البيئة وو) ، و التي تحدث خارج إرادة الانسان

- مخاطر مصنعة ( مخلقة ) ، هي التي يتدخل فيها الانسان بارادته ، و التي تنجم عن قصور و قلة خبرة الانسان .

كما و يرى جيدنز أن عصرنا ليس اكثر خطورة من العصور السابقة و لكنه شهد تحولا في توازن المخاطر و الاخطار ما جعل المخاطر المخلقة التي نخلقها بايدينا أشد خطرا و اثرا من المخاطر الخارجية ، هذه المخاطر المخلقة ( المصنعة ) جعلت النظرة للعلم تتغير حيث تراجعت النظرة العلمية و العقلانية .. و هو يسمي مجتمعنا اليوم ب " عصر ما بَعْد نهاية الطبيعة " و " مجتمع ما بعد نهاية التقاليد " ، و هو لا يعني أن الطبيعة قد انتهت تماما و انما هو يقصد أن ما بقي من الطبيعة و البيئة من الشيء القليل جدا جعل العالم يبدو و كأنه يعيش حالة من مابعد الطبيعة ، و نفس الامر بالنسبة للتقاليد .

أما أولريش بيك فينطلق في نظريته من ثلاث منظورات و هي :

- العولمة : حيث عملت على عولمة المخاطر و الأخطار و تجسيد اللحظة الكوزموبوليتانية ( اللاقومية ) مع تراجع الدولة القومية ، فبات ضروريا أن يتم فهم المخاطر في سياق عالمي و هو ما يسميه ب " الكوزموبوليتانية المنهجية " ، بعدما كانت تفهم في سياق قومي داخلي " القومية المنهجية " .

- التصوير و الإخراج : و هو يعني أن المخاطرة و التي هي أمر كارثي متوقع و متنبأ به يتم إخراجه و تصويره بوصفه " توقعا ذَا مصداقية " ما يكسبه الصفة " الحقيقية " فيشكل صورة نمطية ذهنية في عقول الناس بأن الكارثة حاضرة بينهم ، اي أن مستقبل الكارثة حاضرا ، الأمر الذي يهدف غالبا إلى منعها و تفاديها . و التصوير السينمائي للمخاطرة لا يعني تزوير الحقيقة من خلال تزوير مخاطر غير حقيقية و انما هو عرض سياسي -إعلامي للجمهور و للعالم حتى يدركوا مستقبل المخاطرة و منه يتم تفادي الوقوع في الكارثة من خلال التأثير على القرارات الحالية ، و حسن إدارة الوضع و التحكم فيه .

- المقارنة بين المخاطر البيئية و الاقتصادية و الإرهابية : بحيث أن بيك انطلق في تحليله من ثلاث منطقيات للمخاطر الكونية و هي : مخاطر بيئية - مخاطر اقتصادية مالية - مخاطر الإرهاب . فاعتبر أن المخاطر البيئية و الاقتصادية تأتي (صدفة ) اي عن حسن نية ، أما مخاطر الاٍرهاب فهي ( مقصودة ) أي عن سوء نية .

و يربط بيك كل هذه المخاطر بثقافة المجتمع الناشئة فيه وفق ما أسماه ب " الإدراك الثقافي للمخاطرة " و هو أن كل مجتمع له تقييمه الخاص لمستوى المخاطرة و درجتها ، و كلما قلت إمكانية تقدير الخطر إكتسب الإدراك الثقافي المتنوع للمخاطرة ثقلا أكبر .

و تتنوع المخاطر و الأخطار التي يعكف علم اجتماع المخاطر على دراستها لتشمل مخاطر الدمار البيئي مثل تلوث الهواء و البحار ، الغازات الدفيئة و الاحتباس الحراري و ثقب الأوزون ، و الأمطار الحمضية و الزراعة الوراثية ، و تناقص الثروات الباطنية و المياه الجوفية ، تقلص المساحات الغابية و الثروة السمكية ...الخ ، اظافة الى مخاطر التجارب النووية و تخصيب اليورانيوم و أسلحة الدمار الشامل و الحروب الكيماوية ، و الأوبئة الفتاكة مثل انفلونزا الخنازير و الطيور و جنون البقر و الإيدز و غيرها ، الاستنساخ و الانتقاء الجيني مختلف التكنولوجيا الحيوية ، كما هناك مخاطر متعلقة بالأمن القومي و العالمي مثل التطرّف الايديولوجي و الاٍرهاب الدولي ، النزاعات الاثنية بين الطوائف و الاقليات ،والصراع العرقي و الجندري . اظافة الى تهجين الهويات ، النزعة الفردانية و انقطاع الرباط الاجتماعي ، و المشكلات الاقتصادية مثل الأزمات المالية العالمية ، أزمات البترول ....و غيرها من المخاطر التي شهدها العالم مؤخرا والتي أثرت لا محالة على المجتمع الإنساني أفرادا و جماعات ، حيث تراكمت و اتسعت إلى أن طفت على السطح منذرة بمستقبل كارثي يهدد أمن العالم دون استثناء ، أغنياء العالم و فقراءه .

د/ لبنى لطيف 


  • 1

  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 11 مارس 2017 .

التعليقات

sami yamine منذ 7 شهر
سلام يا استاذة ماذا يقصد بمجتمع المخاطرة عند بيك وماهي النتيجة التي يريد الوصول اليها ارجو الرد وشكرا

1
د/ لبنى لطيف
و عليك السلام
الإجابة موجودة في المقال اقرأ النص و ستنالها
بالتوفيق
مهدي جعفر منذ 8 شهر
لو سمحتي دكتورة ممكن أن تقترحي علي اسم مراجع حول " سوسيولوجيا المخاطر " غير كتاب أورليش بيك !
1
د/ لبنى لطيف
السلام عليكم
اظافة الى ما كتب اولريش بيك هناك كتاب لأنتوني جيدنز بعنوان ( عالم منفلت ) ، و له كتاب ايضا بعنوان ( علم الاجتماع ) و هو يتحدث فيه عن المخاطرة ، وكتاب نيكلاس لومان ( المخاطرة : نظرية سوسيولوجية ) و له كتاب اخر بعنوان ( علم اجتماع المخاطر ) ، و كتاب دافيد لوبروتون ( sociologie du risk ) و له كتاب آخر ( passions du risk )، و كتاب باتريك بيريتي واتل بعنوان (sociologie du risk) ، اظافة الى ما كتب سيجموند بومان حول (الحداثة السائلة ) و( الخوف السائل ) .. و لنقل أن معظم الكتب التي تنتقد الحداثة هي تسلط الضوء على مخاطرها و أخطارها فليس بالضرورة ان يكون عنوان الكتاب يحمل لفظة المخاطرة و انما ما يعكسه محتواه من موضوعات تلامس قضايا المخاطرة مثل كتاب هارالد مولر بعنوان ( تعايش الثقافات مشروع مضاد لهنتنجتون ) و كتاب ألان توران ( براديغم جديد لفهم عالم اليوم ) و أنتوني جيدنز ( les conséquences de la modernité ) .. بالتوفيق
مهدي جعفر
شكرا جزيرا لك أستاذة (y) .
sami yamine
هل في الحداثة الاولى كان هناك دولة قومية فان الاخطار التي نعياشها اصبحنا عاجزين عن مواجهتها ويكمن حلها في الانتقال الى الحداثة الثانية في ظل عولمة المخاطر التي ستحل بالكوسموبوليتانية فهل انا صاىب ام خاطئ كذلك هل التحديث الانعكاسي هو بمثابة حداثة ثانية وشكرا ارجو الرد في اسرع وقت

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا