تمجيد الكسل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تمجيد الكسل

داء يستعاذ بالله منه فكيف لبعضهم أن يمجده

  نشر في 20 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2019 .

لا يختلف العقلاء في كون الكسل صفة سيئة تهبط بصاحبها للأرض و تحول بينه و بين تحقيق أية إنجازات في دينه أو دنياه. و قد استعاذ منه النبي الكريم صلى الله عليه و سلم، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال" فهل يمكن بعد ذلك لبعض الناس أن يمجد الكسل و الكسالى و يذم الاجتهاد و المجتهدين ؟

التعليم الابتدائي

عندما كنت أدرس بالتعليم الابتدائي كان المعلمون يقسمون التلاميذ إلى مجتهدين و كسالى. فإذا أرادوا أن يثنوا على تلميذ فأقصى ما يصفونه به الاجتهاد. و إذا أرادوا أن يوبخوا تلميذا فغاية ما يصفونه به الكسل. و هو أمر قد يبدو لبعض الناس اليوم غير مقبول و فيه ازدراء للتلميذ الموبخ و قد يقال إن هناك طرقا أخرى للعقاب و الحث على التعلم غير التعيير بالكسل. و لكن المتأمل في هذا التمييز بين الفريقين قد يرى أن أولائك المعلمين قد أحسنوا في صنيعهم. ذلك أنهم عندما أثنوا على الأول لم يصفوه بالذكاء أو النجابة أو النبوغ أو العبقرية، و لكن ردوا إنجازه إلى اجتهاده لكي يقولوا للكسالى إنهم لو اجتهدوا كما اجتهد لحصدوا من حسن النتائج مثل ما حصد. و كذلك فإنهم لما عاتبوا الثاني لم ينعتوه بالغباء أو البلادة أو الحماقة أو الرعونة و إنما عزوا سوء صنيعه لكسله و كأنهم يقولون للمجتهدين إنهم لو تكاسلوا كما فعل لفشلوا كما فشل.

و الفرق كما نرى بين بين الاجتهاد و الكسل من جهة، و بين العبقرية و البلادة من جهة أخرى أن الأوليين إراديان، فكل منا إن شاء اجتهد و إن شاء تكاسل، بينما العبقرية و البلادة و إن كان فيهما جانب يكتسب بالاجتهاد أو التقاعس، فأساسهما الموهبة الربانية و القسمة الإلهية التي لا نملك إلا أن نرضى بها كما نرضى بجميع الأرزاق فنقول في العبقرية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، و نقول في الثانية قدر الله و ما شاء فعل.

الأقسام التحضيرية

و لكنني عندما انتقلت بعد المرحلة الثانوية للدراسة بأقسام الرياضيات العليا و الرياضيات المختصة المهيئة لمدارس المهندسين، فقد وجدت سيادة نظرة مختلفة عما كنت آلفه في المراحل الابتدائية و الإعدادية و الثانوية. لقد كان التلاميذ، و ياللعجب، يمجدون الكسل و يزدرون الاجتهاد.

و لكي تُفهم هذه النظرة التي قد تبدو بادئ الرأي غريبة فإن علينا أولا أن نعلم أن تلاميذ هذه الأقسام المسماة تحضيرية متميزون عن غيرهم في باقي الدراسات فقد تم انتقاؤهم بناء على عتبات معدلات عالية و منهم من يعتبر نفسه زبدة القشدة في ما يخص نخب التعليم العالي. وأنت على أية حال لن تجد بينهم إلا ذوي النتائج الدائرة بين الحسن و الامتياز فكيف لهم إذن بتمجيد الكسل و احتقار الاجتهاد ؟

إن حقيقة الأمر أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء التلاميذ مجتهدون، أو مجتهدون جدا أو مجتهدون لحد الجنون، و لكن الكثير منهم ينكر ذلك و يحاول قدر إمكانه أن يخفي اجتهاده و أن يظهر بمظهر الكسول النوام الذي قلما يراجع درسا. و السر في ذلك أنهم يحبون أن ينسبوا لتلك النسبة القليلة المتبقية من التلاميذ الذين يحصدون أحسن النتائج و يتبوؤون أعلى المراتب دون أي مجهود يذكر. و أولائك هم المصطلح عليهم بالعباقرة. هم قوم يخرجون من قاعة الدرس و قد استوعبوا الدرس تمام الاستيعاب فلا حاجة لهم بمراجعة، أو ربما تكفيهم مراجعة بسيطة. و منهم  من قد علم الدروس قبل إلقائها، فحضوره في القسم أصلا ضرب من ضروب المراجعة.

و بما أن هؤلاء قلة قليلة قد تعد على أصابع اليد الواحدة فإن الكثرة الكاثرة ممن هم دونهم ما هم إلا مجتهدون مستترون. و كانوا يكرهون أن ينعتوا بالاجتهاد أو مجرد الحفظ أشد ما يكون الكره، فإن مدحت شخصا أمامهم بأنه حصل على نتائج جيدة فمنهم من يقول لك تلك القولة التي لطالما سمعتها: "هاداك غا كراد"، أي ذلك مجرد مجتهد. و لولا كده و تعبه و سهره الليالي ما حصل تلك النتائج، فلا وجه إذن للثناء عليه في رأيهم. و إنما الثناء عندهم لمن حصل النتائج دونما كد أو تعب.

المنافسة الشريرة

و كانت المنافسة في تلك الأقسام شديدة لحد الشر و الحسد عند بعضهم. فكان كثير من المجتهدين المستترين يخفون اجتهادهم لكي يوهموا ما استطاعوا من التلاميذ الآخرين بأنهم لم يراجعوا شيئا و أنهم ينامون مبكرا و يأخذون الأمور على غير محمل الجد لعل هؤلاء يصدقونهم فيقللوا من اجتهادهم و يتكاسلوا فتتدنى علاماتهم فترتفع احتمالات تفوق المغرِّرين بهم عليهم في الامتحانات و المباريات.

و منهم من كان يتناول الأدوية المنشطة و المقوية ليستطيع إبقاء عينيه مفتوحتين عند تلقي الدروس نهارا بعد أن أمضى جل ليله في الكد و المراجعة ثم يحاول بعد ذلك كله أن يتظاهر بكونه من الكسالى و أنه غير مهتم بالدراسة فهي مملة و أنه لا يمضي جل وقته إلا في النوم و اللعب.

خاتمة

و خلاصة الموضوع أن تمجيد الكسل هذا في الحقيقة تمجيد للعبقرية التي يعرفها الكثيرون على أنها الموهبة التي تمكن من تحصيل أعلى النتائج بأقل المجهودات. و حتى في الرياضة تجد مثل هذا، فكثيرون يقولون إن اللاعب الفلاني أفضل من اللاعب العلاني لأن الأول لاعب عبقري موهوب بالفطرة، أما الثاني فمجرد مجتهد مبالغ في الاجتهاد فلا حلاوة لنجاحه و لعل الكثيرين منكم قد عرفوا من أعني دون أن أذكر أسماء. و حتى رمز الشطرنج الأستاذ الروسي الكبير غاري كاسباروڤ الذي يبدو أنه ما لعب مباراة قط إلا و حفظها و يستطيع أن يعيد تمثيلها أمامك كان يكره أن يتحدث عن قدرته الهائلة على حفظ الوضعيات، و السبب في ذلك أن فوزه بالمباريات و البطولات و احتفاظه بلقب بطل العالم السنين الطويلة بغير منازع سيكون سببه مجرد الذاكرة و الحفظ، لا العبقرية و الذكاء. 



  • 7

   نشر في 20 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2019 .

التعليقات

الكسل صفة للمنافقين وليست للمؤمنين بالله ، لان الله يصف المنافقين بالكسالى وإذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله كثيرا .
0
ياسين اشبان
الكسل صفة المنافقين إذا أرادوا أن يقوموا إلى الصلاة، و إلا فقد تجد أكبر المنافقين من أشد المجتهدين في هدم دعوة النبي صلى الله عليه و سلم. فالكسل عند القيام إلى الصلاة هو صفة المنافقين المذكورة في القرآن. أما الكسل في أمور الدنيا، كالكسل في الدراسة و الكسل في ترتيب السرير و نحو ذلك فهو و إن كان صفة مذمومة فلا يخرج صاحبه عن الإيمان و لا الإسلام، و لا يجعل منه ذلك منافقا.
*M*B*Dallash منذ 3 شهر
مقال اكثر من رائع..دام مدادك
2
ياسين اشبان
هذا فقط من لطفك. مسرور أن المقال أعجبك.
*M*B*Dallash
تحياتي اخي ياسين...بالفعل مقال يستحق الامتياز
Salwa منذ 3 شهر
جميل جدا
2
ياسين اشبان
الحمد لله على أن أعجبك المقال.
مقال رائع بارك الله فيك يا ليت الرسالة تصل لاصحاب القرار
2
ياسين اشبان
مسرور بأن المقال أعجبك.
لمى منذ 3 شهر
جميل، أعجبتني ملاحظتك لموضوع المجتهد المُدّعي للعبقرية...
وصدق من قال: لولا المشقة ساد الناس كلهم...الجود يُفقر والإقدام قتّال!
ذكرني المقال بأيام الامتحانات حينما كنا نرجو من الله أن يطرح البركة بالوقت فيها، كانت صعبة نوعًا ما، يتخللها قل نوم، وتعب جسمي، لكن الحمد لله ها هي اليوم من الماضي
دائمًا ثمار المجتهد المُخلص طيّبة في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن نكون كذلك، بوركت.
4
ياسين اشبان
قد سرني أن أعجبك المقال. و هناك نقطة نسيت أن أشير إليها فيه و هي أن أولئك التلاميذ كانوا أيضا يخافون خوفا شديدا من أن يصابوا بالعين. فإن مدحت أحدهم و لو ذكرت الله سبحانه و تعالى بدأ بالتكبير و التهليل و اتهمك بمحاولة إصابته بالعين.
لمى
أعتقد أن هؤلاء صنف آخر فمن قد تكلمت عنهم على النقيض تمامًا؛ فهم يجتهدون ويخبرونك بأنهم لم يبذلوا جهدًا يستحق الدرجات العالية التي نالوها، وإن كانت الأخرى لفتة جميلة كذلك.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا