سيدة القمر .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سيدة القمر ..

العرافة ..القمر

  نشر في 20 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

عرافة أم إمرأة عادية ..من يدري ذاك الغموض الذي تعيش به أين و بما سينتهي ؟!

تمر بصمت كل يوم أمام سكان المدينة الذين إغتالهم الفضول وركبوا زورق النميمة منذ أن صادف الموت إبنها ذو ثماني سنوات ، لم تكن معروفة أو لدى الناس رغبة في معرفتها فهي كانت عادية ككل النساء ..شعر أسود و عيون سوداء تسرق بنظرات خائفة ملامح من تشاهدهم و اﻵن هي تستمتع باﻵشئ الذي خلفه موت إبنها و الذي لا تحب ذكر إسمه فهي تملك قناعة من إسطورة قديمة أن اﻷموات يعذبون في عالمهم إذا تداولت ألسن الجميع أسمائهم ..مجنونة هي و ستبقى (هكذا يرونها الناس أما هي فلم تعد تملك رغبة في البقاء أكثر !)

رحلت في صمت وتركت كل شئ ملقى بعفوية كأنها تعده بالرجوع و تكذب علنا عليه وهي التي تنهاه عن الكذب ..حقيقة أن عمرها زاد عن عمر المعمرين حزنا وألما على ذهابه الذي لم يكن بالحسبان !

لا تعرف أين ستذهب فالذي يقلقها كلما إبتعدت عن مدينتها هو هل ما تفعله عين الصواب أم هو الجنون نفسه !

أسئلة عديدة تتراقص في ذهنها وهي تنظر من نافذة الباص على منزلها الصغير الذي كلما إبتعدت عنه أحست أنها تخرج من قمقم ماض عاشت داخله ثلاث سنوات ..إبتعد الباص ولم تعد ترى شيئا سوى أشجار خضراء طويلة تملأ الشارع طولا و مرت ساعات حتى وصلت إلى وجهتها مدينة "جافا تريزا " ...لم يكن إختارا متعمدا بل قدرا يجردها من كل شئ حتى نفسها ..أمضت هناك أسبوعين في صمتها المعتاد كأنها لا تحتاج لأحد سوى جثة إبنها أو لاشئ !!

بعدما كانت تتناول فقط اﻷرز و البيض نفد البيض و إضطرت إلى الخروج إلى الشارع فحاجتها للأكل أجبرتها على إقصاء خوفها من الناس ..بعد بحث طويل لم تجد ما أرادت فالوقت كان متأخرا وأثناء عودتها مرت بجانب نهر كان يعكس ضوء القمر فجلست تتأمله في الظلام الحالك مستمتعة بالخوف و الوحدة و اﻵلم أيضا ..فلم تكن الوحيدة هناك بل كان يقابلها رجل كث الشعر طويل القامة و قليل الكلام ، لفتت إنتباهه حين إنهارت بالبكاء ظنا منها أنها في خلوة ولن يقلقها أي شخص ..ظل يتأملها من بعيد وهي تبكي وتحادث نفسها فراقبها حتى ظهرت شمس اليوم التالي وهي لا تحرك ساكنا و لم تنم قط  ! بينما هو كان قد نام منذ زمن .. ذهبت إلى منزلها كأن ليلها نهار ونهارها ليل !

بعد يومين وجدت نفسها أمام سكان المدينة يسألونها عن إسمها و ما الذي جاء بها إلى هنا فلم تستطع أن تتحمل أسئلتهم فقالت لهم أنها هنا لطرد اﻷرواح الشريرة و هي عرافة ..أكيد أنها أصبحت في عزلة تامة فمن يريد مصادقة إمرأة اﻷرواح تلك ، هي أرادت حريتها وهم أرادوا درسا ..

بينما الناس تتداول قصتها أمام بعضهم البعض سمعهم نفس الرجل الذي كان يراقبها فخطرت بباله وربما إبتهج فلا يهمه إن كانت سيدة القمر نفسها المهم أنه أعجب بها فالغموض هنا أثاره أكثر من إمرأة برداء أحمر !

ظل يتابع خطواتها من بعيد و سأل عنها كل شخص تشتري أو تبيع له ومثلها يبيع الوهم بالذهب فهي عرافة اﻵن ..

كان هذا مصدر رزقها فهي توهم الناس بقراءة المستقبل و هم يحبون تصديقها فهي تتقن قراءة الخوف و اﻷمل في أعينهم !

لم يتردد في أن يصبح من زوارها أو زبائنها المخلصين فكانت المرة اﻷولى له شاعرية رغم أنها تفتقر لذلك فمنزلها كمنزل الساحرات و شكلها كذلك فهي تعمدت إخفاء كل شئ جميل وراء كحل "الباباي" و رداء أسود مع أظافر طويلة متسخة ..كان حوارا عاديا بالنسبة لها تجريه كل يوم أما هو فكان يشع من إحساس فقدته مع إبنها فدخل بعد ذهاب الجميع إلى حجرتها و إنتظر حتى سمعها تكلمه من وراء ستار أحمر ..قالت :

أنت لم تأتي إلي للمساعدة فماذا تريد؟!

نظر إليها متوجسا : أريد أن اعرف قدر إمرأة معجب بها وربما أحبها !

ضحكت مستهزئة منه ثم خرجت إليه مبتسمة وقالت : القدر لا يمكنني معرفته لكنني أشم ريح الكذب في كلامك ؟!

نظر إليها وكأنه يقول : هل فعلا عرافة !!

نظر للأسفل ثم قال : حسنا إقنعني أنك عرافة أنا هنا اﻵن  ..إكتشفي ما بداخلي ؟!

نظرت إليه ثم أخذت ترتب في أوراق التارو : و لما أفعل ؟

قال : لأنك عرافة !

هي : وهذا ما تريد أن أعرفه ؟!

هو : نعم !

هي : حسنا ..أنت تملك وميضا على شكل قلب و جناح لك مكسور و أرى دما قد تلطخت به يداك ..إنك ستعاني !

نظر إليها بلهفة كأنه ينتظر المزيد فمدت يداها وطلبت المال ..لم يملك مالا فطلب منها تأجيل اﻷمر إلى المرة المقبلة فلم تستلطف الفكرة و ظلت تصيح في وجهه بملابسها السوداء و عيونها الغاضبة فهرع سريعا إلى الباب و لم يستطع النجاة فقدمه إنكسرت و سالت الدماء فقد أصيب بجرح بالغ و كسور فقد إنكسر السلم بفعل وزنه فمنزلها أقدم منازل المدينة ..لم يستطع الخروج و إقتربت منه شيئا فشيئا ثم قالت مستغربة : توقعاتي حصلت جناحك مكسور و يدك ملطخة في دمك لكن هل ستعاني !

نظر إليها وقال : يستحيل أن تكوني تلك المرأة التي رأيت تلك الليلة ..هل أنت فعلا عرافة ؟!

ذهبت إلى مطبخها تحضر ما يلزم لإسعافه و نقلته إلى سريرها وبينما هي تنظف جرحه أعاد السؤال مرتين ..ثم قالت : ألا تصمت حتى وأنت جريح !

قال هامسا : هل ستقتلينني ؟!

قالت وهي غير مبالية : وهل تريد ؟

قال : لا ..لكن هل أنت من كنت بجانب النهر تلك الليلة ؟!

قالت: أي نهر ؟

قال : هنا يوجد نهر واحد و أنت كنت هناك رأيتك تبكين !؟

نظرت إليه مطولا و قالت كأنها تقفل بإحكام كل شئ يوصلها إلى ماضيها : بإمكانك اﻹنصراف !

ثم وقفت أمام باب المنزل ..قاوم هو جرحه و قام من مكانه ينظر إليها و لا يدرك شيئا عنها و عندما هم بالخروج همست بأذنه وقالت : اﻵن سوف تعاني كما توقعت !

نظر إليها مطولا ثم قال : بل منذ تلك الليلة سوف آتي إليك حين تعتزلين هذه الحياة..أظن أنك لم تكملي قراءة كفي اﻷيسر فهناك خطان يلتقيان عند الخنصر وهما حياة شخصان..أنا و انت !

تبسمت وقالت أنت أعسر فيمينك يساري و لن نلتقي ..غادر إلى جانب الوادي فهناك تجد بقايا مني على خشب الصندل مرآة و قلم كحل و تزين لأجل أن نلتقي و تصبح معي تقرأ لي و أقرأ لك حتى إكتمال القمر ..

هو : ولما إكتمال القمر ؟

هي : أنا سيدة القمر ..

هو : تجدين التمثيل يا سيدة القمر و أين قربانك الذي إفتديت به ؟!

هي : قربان !!

هو : الا تعلمين أنه يجب عليك التضحية من دمك ..هل لديك عائلة ؟

هي : كان لدي إبن ؟

هو : لا أحتاج لكحل و مرآة لأنضم لك لقد قلت كل شئ أنت هي !

هي : أعلم فلا أحد يصدق ..!

هو : لما كنت تبكين تلك الليلة ؟!

هي : لقد إشتقت له ..إبني و انا دفعنا تكلفة بقاء سلالة " ب" سايزر منذ  ألف سنة وهذا أصعب من ضربة سيف في معركة ..مؤلم أن تموت مرتين !

هو : حسنا هل سنلتقي ؟!

هي : لا أظن ..سوف أنشق و أختفي عما قريب يكفي أنني فقدت نصفي اﻵخر فلا رغبة لي في العودة مجددا ..

إختفت من تلك المدينة و ظل هو يزور نفس المكان يحدث القمر و يعاني في كل شئ و لا يستطيع البوح لأحد ..



  • 2

   نشر في 20 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا