فنجان قهوة مع شيرين..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فنجان قهوة مع شيرين..!

قالت بتواضع: أنا لا أستحق كل هذا، ربما أكون آداة ساقها المولى عز وجل لكم لتكملوا المسيرة، وأتمنى لكم ولأبناء وطني العزة والسلامة والنصر العادل عن قريب..!

  نشر في 14 ماي 2022 .

فنجان قهوة مع شيرين..!

بقلم/ محمد أحمد فؤاد

كعادتي لا أقنع بأن الموت يغيب السيرة أو الروح، هو فقط يأخذ الجسد إلى حيث يوارى الثرى فيصير رماداً هائماً، وبعد حين تذروه الرياح فيختلط بالأرض ويبعث من جديد في جسد أخر وشخوص أخرى.. تركت الحزن جانباً حتى لا أُفسد لحظات الفخر والنشوة وأنا أشاهد جموع من خرجوا لتشييع شيرين أبو عاقلة إلى مآلها الأخير حيث سيستلقي جسدها المنهك في سلام ومأمن من غدر من أطلقوا رصاص الخيانة تجاهها، وأحسب أنهم لم يتصوروا للحظة أن أصابع الإتهام التي ستوجه لهم، سيكون وخذها أشد وطأة وأكثر إيلاماً من أفعالهم وحماقتهم.. أين هي الآن وأين هم أمام كل المحافل.. من السيد بشموخه وعظمته، ومن المجرم المرتعد بخسته وسيئات أعماله..؟

غافلت الجميع في المساء بعد أن هدأت تحركات الجموع الغفيرة، وصارت همسات الدعاء والصلوات تتسامى في خشوع وتؤدة لتصاحب شيرين في رحلتها إلى العالم الأفضل، حيث لن تشعر بالخوف مجدداً، ولن تحزن أبداً في صحبة القديسين والشهداء.. تسللت لقبرها أسفل جبل صهيون.. "أزعجني أسم هذا الجبل" وبالرغم من قِدم التسمية، فأنا لا أعترف بأي أحقية لعصابات الصهاينة حتى في المسميات، فلا حق للمغتصبين في أي شئ وعلى أي أرض.. ذهلت من سعة ورحابة القبر الضيق تحت أرض القدس العربية، وجاء الضوء الداكن من كل حدب وصوب ليلف المكان في غمامة رقيقة هادئة، وصوت ملايين الألحان تعزف أنشودة الترحيب بصاحبة العُرس شيرين.. تقدمت منها وكانت جالسة في تباسط وتعلو وجهها إبتسامة عريضة، بادلتني التحية بأدبها المعهود، ودعتني للجلوس وهي تضحك ملئ شدقيها.. قالت: أنا لا أعرفك، ولكن مرحباً بك.. فأنا في حاجة للصحبة ولست في حاجة للبكاء أو النواح.. هل رأيت هؤلاء البؤساء وهم يطاردون نعشي البسيط..؟ لا أدري لماذا حل بهم الجنون وأرادوا إسقاطي للمرة الثانية..؟ قلت: سيدتي، لقد أسقطيهم عشرات المرات وكشفتي سؤاتهم أمام أعين الملايين، لذا فهم من فرط حماقتهم وعصبيتهم ينتقمون.. وأضفت، لقد كان زي عُرسك هو نعش ملفوف في علم فلسطين الذي تصيبهم مجرد مشاهدته بالجنون.. ربما منعتهم أجساد محبيك وأياديهم من إختطافه، فجن جنونهم لأنهم لا يريدون أن ينبشوا يوماً في تراب الأرض المحتلة فيجدونه ينطق بحق فلسطين ويذكرهم هذا بجريمتهم الكبرى..!

قالت: لماذا جئت وتحملت عناء المغامرة.. ألم تخش مغبة جنونهم وغضباتهم.. قلت: ربما سأخجل إن لم أفعل مثلما فعلت أنت وآلاف من سبقوك إلى ساحة الخلود والمجد.. فالخوف قد يستر فقط من هم بلا بصيرة أو نخوة.. جئت لأشكرك على ما فعلت من أجلي، ومن أجل إيقاظ أمة إرتضى حكامها بالهوان أمام عدو غادر وجبان، وربما لأحتسي فنجان من القهوة معك بعد أن رأيتك جالسة في شموخ على درج منطقة باب العامود لتشجعي وتعضدي أبناء القدس شركائك في المقاومة من أجل الدفاع عن الأرض وعن مقدسات أجيال ستظل تتلاحق إلى أن ترى ملامح النصر تتبدى في فجر يوم أحسبه إقترب..! إبتسمت في خجل، وقالت بتواضع: أنا لا أستحق كل هذا، ربما أكون آداة ساقها المولى عز وجل لكم لتكملوا المسيرة، وأتمنى لكم ولأبناء وطني العزة والسلامة والنصر العادل عن قريب.. فجأة دخل القبر مئات من عصابات الإحتلال الصهيوني في ملابس سوداء مدججين بالسلاح وبنادقهم مشرعة.. لم يجدوا شيئاً سوى شيرين جالسة ترتشف القهوة في هدوء وبجانبها علم فلسطين.. فإنتزعه قائدهم من مكانه فإذا به ينبت من جديد.. إنتزعه مرة أخرى وعشرات المرات ليجده ينبت من جديد..! إرتعب الرجل وتحدث في جهاز اللاسلكي لقادته وأخبرهم أن مهمته تكاد تكون مستحيلة.. فأخبروه.. لا عليك، فقد حققنا إنجازاً كبيراً وإعترف سادة العالم بالإنزعاج الشديد أمام ما حققناه خلال السنوات والأشهر والأيام والساعات الماضية... قمت من مكاني وعند خروجي من مقام الشرف بجوار شيرين أبو عاقلة.. ترامى إلى مسامعي صوتاً أعرفه جيداً يردد:  "لا تُصالح"..!


  • 3

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 14 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا