جَـدَّتـي وَالْتَّـمْـرُ* - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جَـدَّتـي وَالْتَّـمْـرُ*

يا جَدَّتي الحزنُ والحسنُ أنتِ

  نشر في 17 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2018 .

تحت نخلتنا الشاهقة تبدأ قصةٌ جديدةٌ من اختبار الحياة، أتوسَّدُ ساق جَدَّتي التي عايشت مراحل صعود النخلة، حين بزغ عودها من بين حبات الرمال إلى أن علّتْ فوق رؤوس الجميع.. أُحدّقُ بعيناي في غصونها التي تقاوم الريح، رغم امتدادها لأمتار لكنّها لا تصمد أمام التيار، كأنّها تريد أن تخبرنا -معاشر القوم- بأنّ تقادم العمر يزيد هشاشة الجسم القابل للمراوحة مع التيار، حين يميله يمنى ويسرى، وأكثرها ثباتًا أصغرها عمرًا. 

أتعرفين السبب في راحتي على قدميك يا جَدَّتي؟.. حقًّا أشعر أنني أتوسد التاريخ، أضع رأسي على كَوْمة من الخبرات المتراكمة، هزيز صوتك الذي يخالطه الشجن إنما هو رواسب الزمن، يا جَدَّتي الحزنُ والحسنُ أنتِ.

أتعرف يا ولدي عندما كنتُ في عمرك، حين أبهرتني انتعاشة بدني، ولم تزاحمني الهموم كاليوم، حينًا من الدهر كان أشهى من الكِبر.. كنت أفرح بحفنة من التمر الملقاة على الأرض أسفل هذه النخلة.

أتعرف أن سعادتي وقتها كانت مزدوجة، فوق عشقي لها، ولحلاوة طعمها، كنت أشعر يا ولدي أنني احتويت ضعفها وانكسار شحمها، كنت أقرأ في عينيها إحساس المطرود المنكسر، حين طرَدَتها تلك النخلة الشاهقة من علٍ، طرحتها أرضًا، أخرجتها من بين أخواتها إلى حرارة الأرض، كنتُ أعرف أنها بحاجة لمَن يلتقطها، أشعر بمدى لوعة الشوق في عينيها إلى الصعود مرة أخرى إلى علٍ.

لكن أنا أيضًا خذلتُها، نعم التقطتها من حرارة سطح الأرض، شعرتُ وقتها بانتعاشة الأمل في عينها، كانت ترقص بين يدي فرحًا بعودتها، لم تكن تعرف يا ولدي أني أيضًا سأكون قاسيةً عليها هذه المرة.

صارعتُ خَلَجات نفسي، بين عشقي لهضمها ورغبتي في إنقاذها، كنت أريد إسعادها، وأيضًا إسعاد نفسي، كيف أفك هذا الصراع المثير، المؤلم، لم أتخيل يومًا أن أكون سببًا في دغدغة أحد، شعرتُ وقتها أن الحياة تعطينا اختيارات قاسية ومآلات مؤلمة.

صراعُ الاختيار بين النفس الأمَّارة بالأشهى والروح المؤنِّبة على ما أسعى يطرحني أرضًا يا ولدي، أتعرفُ لو كنتَ مكاني لفضَّلت اختيارًا ثالثًا، كنتَ ستختار تركها طريحة الأرض، وتنهر شهوة بطنك الأمَّارة بالتمر.

لم أكنْ سلبيةً، ولم أكن إيجابية، كنتُ خائفة ومقبلة عليها في آن، ترددت كثيرًا، نعم، لكن كنت أمتلك الشجاعة التي لم تجعل الخيار الثالث يمر من أمام ذهني.

تحيلُ نظرتها بشكل عمودي من أعلى غصون النخلة إلى وجه متوسِّدِ ساقها، في تنهيدة تُخرج من بين زفراتها صوتَ التاريخ، قبل أن تُكمل: هل خطفك النوم عن قصة جدتك يا ولدي؟

يُعيد فتح عينيه وهو يبتسمُ: «انتقلت إلى مسرح النخيل أشاهد قصتك يا جدتي، أتصور نفسي في موقعكِ، هل التقاط التمرِ مرهقٌ إلى هذا الحدِّ؟، أم أنَّ جدتي العجوز رقق قلبُها عثرات الزمن.

ألم أخبركَ أن شيبتي رمزية وروحي تصغرُك سنًّا، لا تُجاملني يا فتى، دعني أكمل: بعد نظراتٍ طويلة إلى شكلها الفتان وقلبها الذي يبدو جامدًا رغم رخوته، اخترتُ أن ألتقطها، قلتُ حينها إن ذلك الخيار الأفضل، فقد رويتُ نهم شهوتي، وضمِنت أن تبيتَ في داخلي، نعم يا ولدي أنقذتُها من قسوة هذه النخلة الطاردة لكل مَن وصل إلى مرحلة الكمال، كحال كل البشر تُبهرهم مراحل عدم الاستواء الكامل، وعندما يطيب الثمر يطرحونه أرضًا.

أنا راضيةٌ عن موقفي تجاهها، ومرضية لنفسي التي لم يُخالطها الشر قط.. نمتَ مجددًا، استرح، أكمل غدًا حديثي معك.. يطيب نومك يا ولدي.


  • 4

   نشر في 17 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 5 يوم
"جدتي الحزن والحسن أنت " جملة رائعة ،وكذلك كانت جدتي رحمها الله ، قصة جميلة جدا ،حاولت أن أستخلص العبرة ، أن تبحث دائما عن خيار ثالث ،غير اللذان يشغلان تفكيرنا في البداية. حل آخر ربما أصعب ولكنه أنسب ، دام ابداع قلمك ، تحياتي.
0
محمود غريب
رحم الله جدتك.. الله يكرمك على إحساسك الراقي دمتِ موفقة
نورا محمد منذ 5 يوم
رائع , مقالك هذا يذكرني بجدتي , وبحكاياتها وقصصها وسردها وإسلوبها , فعلاً هم كومة من الخبرات ولهم فلسفة عميقة قلما من يفهمها , أبدعت استاذ محمود في مقالك وفي إنتظار الجديد من إبداعاتك دائماً بإذن الله تحياتي لك ولفكرك النير :)
1
محمود غريب
أشكرك أستاذة نورا.. أسعدني مرورك الكريم وإعجابك بالكلام

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا