كنت من المغرمين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كنت من المغرمين

  نشر في 30 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 غشت 2018 .

يا للغرام وما يفعله بأهله! إنه يسوي بين الأعمى والبصير والأبله والعاقل، إذا تملكك لا يفلتك ويحرمك من عقلك، يقولون: إن مشكلة المغرم أنه لا يرى عيوب المغرم به، لكني أرى المعضلة الكبرى أن الغرام أحيانا يُحول هذه العيوب مميزات في عين المغرم، يريه المذمة أو النقيصة فضيلة إذا أتى بها المغرم به، كالسكير المغرم بالخمر إذ يقول: يا لعظمة الخمر إنها تذهب عقلي!

وإني أعتذر لمعظم القراء، إذ سيخيب ظنهم حينما يدركون أنني لن أتكلم عن الغرام الذي حضر في عقولهم وأذهانهم حينما قرؤوا العنوان والبداية، مع أن هذا نوعا من أنواع الغرام، -الغرام المتعارف عليه بين المحبين والعاشقين- ، لكن قد يغرم الشخص بكتاب قرأه أو فكرة تبناها أو عادة اعتادها أو بلد أحبه أو نادٍ يشجعه إلى آخر تلكم الأمور، وهاهنا تقع المشكلة المشار إليها من غض الطرف عن العيوب ويضاف إليها التعصب وعدم قبول الرأي الآخر و وجهات النظر.

ولقد وقع بعض من أهل الشرق في غرام أهل الغرب فهؤلاء من العرب، ينفرون من هويتهم ولغتهم بل يتجاوز الأمر أحيانا إلى دينهم، قد ولوا وجههم شطر أوروبا ومثيلاتها من دول القارات المجاورة، ينظرون إليهم كحالة مثالية لا ريب فيها يحنقون على دينهم وعروبتهم ولغتهم.

وقد كنت واحدا ممن يرى هذه المثالية لكن استيقظت فجأة على عنصرية وتطرف من الداعين إلى نبذ ذلك، ورأيت إرهابا من المحاربين له، وانتهاكا للحريات ممن تصدروا لحمايتها.

ومع ذلك فأنا لا أكتب لعرض جرائرهم ولا أخطائهم، فحينما أقول: انظر لهؤلاء أترى تقدمهم؟ أترى مستوى المعيشة والتعليم والرعاية الصحية؟ أترى حقوق المواطن المكفولة بالقانون؟ إنهم سيئون!، فما هذا إلا ضرب من الجنون وقلة العقل، لن يصيبهم هذا القول ولن يصل إليهم، إذ يصاغ من بيننا ويوجه إلينا، فترى مثل هذه الأقاويل مقومة للكسل والتراخي، ومن ثم نتخذها عذرا للإخفاق.

لكن هذه الجمل كتبت لتكون تنبيها للمغرمين الذين فتنوا بهؤلاء، منهم من يرى الحل الوحيد في الامتثال والتقليد، ومنهم من يتحامل على دينه أو لغته فيحملهما عجزه ونقصه، ومنهم من يدعو إلى نقل ثقافة أو سلوك قد يكون مخالفا لدينه وثقافته أو حتى للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

ومثل هؤلاء: المغرم بالحريات في مجتمعهم، -وحقا نأمل أن ننال شيء منها في مجتمعاتنا-وهذه ليست المسألة،

إن كل حرية مقيدة بقوانين، حتى أبسط تعريف للحرية (أنت حر ما لم تضر) مقيد بعدم الحاق الضرر بالآخرين،

المشكلة في اتخاذ غيرك مرجعا لك فتكون حريتك مقيدة بقيوده هو، أو تسيء الفهم فتظنها بلا قيود.

فمثلا في كثير من هذه البلاد الأوربية لا يستطيع المسلم أن يحصل علي حق من أبسط الحقوق في طعامه كاللحم مثلا إذ كما نعرف في شريعتنا لكي تستطيع أن تأكل من لحوم الأنعام لابد أن يذكر اسم الله عليها ثم تذبح على الطريقة الاسلامية.

هذه الدول سنت قوانين بمنع الذبح وفقا لهذه الشرائع، يقولون ذلك لمراعاة حقوق الحيوان ويجب صعق الحيوان قبل ذبحه حتى لا يشعر بالألم!1

وبناء على ما سبق لن يستطيع المسلم هناك تأدية شعيرة عظيمة من شعائر دينه، ذبح الأضاحي يوم عيد الأضحى!

اختفت حرية ممارسة الشعائر الدينية حينما تعارضت مع القانون.

وعلى الجانب الآخر في الهند هناك قوانين تحظر أكل لحوم الأبقار لقدسيتها دون مراعاة أن هذه القوانين تشكل تمييزا ضد المسلمين والمسيحيين والطبقة الفقيرة ،التي تعتمد على اللحم الرخيص كمصدر للبروتين.2

وآمل ألا يظن القاريء أننا هنا لطرح قضية الحرية أو للحديث عن الصعق أو الذبح فما هذا إلا تمهيد لعرض الفكرة التي نوضحها.

إننا نعيب على هذا الَّذي يرفض دينه وطبيعة مجتمعه وثقافته مرجعا للحريات، ويتخذ مرجعه من هذه البلاد لتقدمها دون مراعاة لاختلاف الثقافات والطباع، فحتى في حريته يكون مقيدا وتابعا على غير هدى أو بينة.

وذاك الذي يضع الإسلام سببا لما نحن فيه وينادي بفصله عن الحياة أو التحرر منه، يقول: إنهم وصلوا للفضاء وما زلتم تتحدثون عن الوضوء والطهارة، وأنت لا تعرف ما العلاقة، ولما يربط بين تأخره العلمي والدين، لكنه يقف صامتا عاجزا يسود وجهه وهو كظيم حينما يعلم أن رواد فضاء من محطة الفضاء الدولية، قد أهدوا البابا فرنسيس بابا الفاتيكان بذلة فضاء زرقاء صنعت خصيصا له، تحمل اسمه ولها وشاح بابوي أبيض لتمييزه عن غيره ممن يزورون العالم الخارجي.

كما أنه أجرى مكالمة معهم في الفضاء من قلب الفتيكان يحدثهم عبر شاشة كبيرة نصبت أمامه.

وهنا سقط في يديه فلا يستطيع أن يعيب على سادته ما فعلوه من تقديس لمكانة دينهم أمام العالم فلن يتكلم عن الفصل بين الدين والعلم ولكنه يعود تارة أخرى للإسلام ليقدح فيه مرة أخرى قائلا: انظر بابا الفتيكان يتحدث مع رواد الفضاء والشيوخ يتحدثون عن اللحية والحجاب!

والحقيقة أن ذلك الحانق يتخذ من الهجوم على الدين والمجتمع ما يستر به جهله، فيظل كذلك باليل والنهار يبكي ويتباكي ويلمز المتمسكين بدينهم وأخلاقهم، فلا هو قدم ما ينفعه أو ينفع غيره، ولم يصل لمنزلة الملتزم المستمسك بمبادئه.

ما كان الدين ولا اللغة ولا الهوية عائقا أمام أحد في طريق التقدم، إن المغرمين عادة ما ينفروا من هويتهم ودينهم ولغتهم محاولين نسب أنفسهم لهوية أو مجتمع آخر، لكنهم في آخر الأمر غير مقبولين عند هؤلاء ولا هؤلاء، فلو لجأ إلى الغرب فهو عندهم من أهل الشرق الأقل تقدما وإن استقر في الشرق فهو متمرد لم يضف شيئا غير البكاء والعويل.

إن المجتمعات لا تبنى على التقليد واتباع الآخرين، وحينما تسلك الطريق الصحيح لن تحول الهوية أو الدين أو اللغة بينك وبينه، فلا حرج أن نستفيد من تجربة الغير ونعمل بها، بل عين الصواب أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا، لكن لا تكن من المغرمين.

............................................................................

مصادر

1/ https://bit.ly/2Ao9e4N

2/ https://bit.ly/2LMGIhD


  • 7

   نشر في 30 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 غشت 2018 .

التعليقات

زينب بروحو منذ 2 أسبوع
مقالة جميله ,,, فكرة الانطلاق من الغرام كانت ذكية و وجه التشبيه أيضا. تحياتي. بارك الله في قلمك
2
محمد أشرف درويش
جزاكم الله خيرا
آيــة سمير منذ 1 سنة
"المشكلة في اتخاذ غيرك مرجعا لك فتكون حريتك مقيدة بقيوده هو، أو تسيء الفهم فتظنها بلا قيود."
"بل عين الصواب أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا، لكن لا تكن من المغرمين."
مقالة رائعة تستحق القراءة و الوقت ، شكراً لك على هذا الفكر و الرقي
2
محمد أشرف درويش
شكرا لحضرتك
جميل ما كتبت يا محمد
و انا أقرأ مقالك كنت افكر ان ما كان ممكنا وضع كلمة أخرى مكان مغرم ..ربما لارتباط الكلمة بحب زائد عن حده لدى البشر في علاقاتهم ، و لكن ان تصف هذ الحب و التعلق ببلد لا أعرف ان ما كان ممكنا ان نختار كلمة أخرى.,ربما كلمة انبهار او هيام..
اعذرني على فرضيتي و لكن اللغة العربية بحر شاسع من الكلمات و المواضع.
0
محمد أشرف درويش
تشرفت بتعليقك حضرتك يا دكتور ومقدر رأي حضرتك جدا بس للأسف الحال وصل بالبعض للغرام فعلا ولغويا العرب استعملت كلمة غرام في غير موضوع حب البشر لبعضهم ففي كتاب مجمع الحكم والأمثال وردت هذا البيت من الشعر (إِذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً ... وأنتَ بإِنجازِها مغرمُ)
د.سميرة بيطام
صدقت و الله
و ها هي الشاعرة العراقية تتغني بعشقها للغة الضاد :
أنا لا أكتبُ حتى أشتهر. لا ولا أكتبُ كي أرقى القمر

أنا لا أكتب إلا لغة.. في فؤادي سكنت منذ الصغر

لغة الضاد وما أجملها.. سأغنيها إلى أن أندثر

سوف أسري في رباها عاشقا.. أنحتُ الصخر وحرفي يزدهر

لا أُبالي بالَذي يجرحني.. بل أرى في خدشهِ فكرا نضر

أنا جنديٌ و سيفي قلمي.. وحروف الضاد فيها تستقر

سيخوض الحرب حبرا قلمي.. لا يهاب الموت لايخشى الخطر

قلبيَ المفتون فيكم أمتي.. ثملٌ في ودكم حد الخدر

أنا كالطير أغني ألمي.. وقصيدي عازفٌ لحن الوتر

شكرا جزيلا لك مع التقدير
محمد أشرف درويش
الشكر لحضرتك والله شرف لي
د.سميرة بيطام
العفو يا محمد..استمر بقلمك
عمرو يسري منذ 1 سنة
مقال رائع وشامل ومدعّم بالمصادر.
أحسنت وفي انتظار كتاباتك القادمة.
0
محمد أشرف درويش
شكرا لحضرتك شرف لي ويشرفني أكتر لو حضرتك قرأت مقالاتي السابقة
لمى منذ 1 سنة
الغرام كما عرّفه ابن القيم هو: "لزوم الحب للقلب لزومًا لا ينفك عنه، ومنه سمي الغريم غريمًا لملازمته صاحبه، ومنه قوله تعالى (إن عذابها كان غرامًا) ." وهو -للأسف- يُطابق ما ذكرته من حال كثير من المسلمين .
فاستعمالك لهذه اللفظة كان بمحله، وكان مثيرًا للإنتباه بشكل غير مبتذل، ولهذا كان بحق يورث في القلب حسرة .
سعيدة لقراءتي المقال، وأضم رأيي إلى (Gloomy)، بالتوفيق .
0
محمد أشرف درويش
شكرا لحضرتك ده شرف لي
Abdulrahman Osama منذ 1 سنة
كويس جدا إن حضرتك حاطط المصادر جميل ماشاء الله بالتوفيق
1
محمد أشرف درويش
حطيت المصادر ورعيت انها تكون موثقة علشان تجنب الافتراء وعلشان المصداقية شكرا لحضرتك وأتمني أشوف رأيك ديما في المقالات الجاية

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا