صدقة في فم الضياع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صدقة في فم الضياع

  نشر في 18 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 يناير 2017 .

كل منا أصبح يعي معنى الألم ما دام يعيش على هذا الكوكب في هذه المرحلة الدنيوية ، كلنا تعثرنا و ثقبنا في منطقة ما في صدورنا و أن لم يشعر بنا أحد ، و الحديث عن الألم البشري يطول جداً ولست أقف اليوم بصدده ، ولكن اعلموا بطريقة أو بأخرى يستطيع عقلي أن يستوعب الألم -ولو بدرجة ضئيلة- الذي يتعرض له الرجال والنساء حد الصلب و الحرق و حتى أقصى درجات الألم حسبما يراه العلم وحسبما يراه الشعور ، ولكني أحمل عقلاً عاجزاً عن الحركة عندما نتحدث عن ألم الطفل ، فتراني اشيح بوجهي عن الحياة وأترك روحي تنزلق في أعماق الا شيء وتغرق في أودية النسيان لكي لا أتصور و لا أشعر و لا أعي ولو دون سابق رغبة ، فالطفل أصبح قضية وميدان حرب وعلة هجوم يسيطرون علي كيفما و أينما حييت ، لذلك سيتكرر وقوفي على منبر الضمير ، قضية الألم ، تصنيف الطفل ، معاناة رقم (....) ، اليوم فقط سأذكره هو بعينه الذي يشارك المطر الموت على الطرقات ، الذي يشارك الشمس لعنة الضيق ، الذي يشيخ كل يوم ألف مرة فهو أبو نفسه وأمه و هو العائل و المربي ، قبل كل هذا سأذكر لن يكون الحديث عن الفقر ومسبباته وأضراره وضحاياه ولا أصب لومي على الاباء و الأمهات متناسية ظروف البيئة المحيطة ومتاعبهم والآمهم و معاناتهم ، أنا فقط أتحدث عن الرضيع الذي صقعت مستقبلاته الحسية الرقيقة بأبواق السيارات وكأنها أول صرخة من الحياة توقظه على واقعها المرير ، عن الطفل الذي أعتاد مقابلة الإيماءات المختلفة الملل .. الاستياء .. الكره . التقزز ، التي تقابله كل يوم دون أن يعي مغزاها وإنما فقط شعور داخلي بالضيق يهدد روحه البريئة ، جل الذي يعيه أنه ولد مطيع يتبع وصايا من هم قدوته في الحياة ،  فطرته تهديه إلى أن الكفاح و الجد سيجعله الرابح في النهاية وأنه سينتصر يوماً على اقرانه من الصغار المدللين ، تمر الأيام ويكبر و يفاجئ بنفسه وإذا هو عالق في دهليز طويل و مظلم منذ صغره ، وأنه أصبح يأكل فتات الكعكة الذي يتساقط من اولئك الصغار المرفّهين ، الذين كبروا بأسماء مزينة بالألقاب وهو أصبح يكاد يتلاشى في هذا العالم الضخم ، وإن كان هو في حقيقة الأمر يفوقهم فطنة و ذكاء وجدية و عمل ، فتراه يعيش ناغم على هذه الحياه مقضوم القلب أنهكت روحه المقارنات ، هذا الطفل هو الضحية المباشرة لوالديه وإن كانوا هم أنفسهم ضحايا أيضاً ، أشير بأصبع الاتهام إلى أولئك الذي يضيفون للمجتمع عشرات الأفواه في حين لا يملكون إلا ما يعيل واحد منها تقسم على أولئك جميعهم ، مستنيرين بقوله تعالى (نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم) ، ليس هناك ضرر إذا كنت تنجب العشرات و تبذل مجهود يكفيهم جميعاً حتى وأن أستلزم الأمر حفر الصخور ، أما أنك تنجب ما تشتهي وتعمل بقدر ما تشتهي فهذا ظلم ضحيته صغارك الذين تودعهم الطرقات ، لا ضير أن تنجبوا أطفال فقراء فالفقر لا يعيب لكن اضمنوا لهم على الأقل حق المأكل والملبس و التعليم و وقت الطفولة ، ليعيشوا تحت مسمى " أطفال " و ليس " حطام " ، لكن همي اليوم ليس هو هؤلاء الاباء ولا استطيع أن أجزم كيف سيكون رد فعلهم عندما يصل إليهم خطابي بطريقة أو بأخرى ، ربما سيتألم بعضهم ويشعر بوخز في الضمير ، وربما آخرون سينعتونني بالمترفة التي تغرق في عالم الوهم والكلمات ولم تذق بدورها يوماً مرارة الفقر ، وربما آخرون جعلتهم الظروف القاسية قطعة كبيرة من الا مبالاة فقط سيستمرون كأن شيء لم يكن ، إنني أعتصر ألم عليهم وسأذكرهم يوماً ما كضحايا عندما أستضيف قاتلهم الأكبر " الفقر " ، لكن اليوم الطفل قضيتي ولن أرحم كائن كان يسرق أعمارهم و براءتهم ويصنع منهم بؤساء اكتسبوا صبغة الأرصفة والأزقة ، وهذا ما يحدث تحت الظروف القاهرة فماذا تقول عزيزي القارئ عندما يتبادر في ذهنك بعض الاباء الذين اودعوا أطفالهم في الشوارع وجردوهم طفولتهم عن عبث ، فلا فقر و لا عوز إلا من الإنسانية و الضمير ، بأيديهم صنعوا لصوص اليوم على الطرقات و خلف الطاولات العريضة في الغد ، خطابي اليوم ليس لهم بل هو للعامة ، فلو تعلمون أننا نقدم لهذه النار الظروف الملائمة لكي تدوم وتتصاعد ، نعم إننا نساعد هؤلاء في تحويل طفولة صغارهم إلا ضياع ، نعطيهم ما تجود به جيوبنا ونظن بذلك أننا نرفق بهم ونحسن إليهم ، وفي نهاية النهار يقف طفل شائخ يسيل لعاب كافليه أمام ما جنته يدان صغيرتان في طريقها للتجعد ، ومن ثم قد يتحول فعلهم هذا إلى عادة متناسين السبب الحقيقي الذي دفعهم للإتجار بطفولة صغارهم ! ، وفي الختام أقول رسالتي هذه أشبه بملصق التحذير من التدخين على علبة السجائر وإن كنت أتمنى أن لا تواجه مثل مصيره بالتجاهل .


  • 2

   نشر في 18 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 يناير 2017 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم












عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا