الله كريم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الله كريم

حلقة بسيطة .. بعض الأجزاء تتخللها اللغة العامية .. عفواً لغتنا .. لكن للضرورة أحكام

  نشر في 13 يونيو 2018 .

كان يجلس على باب الدكان يدخن عقباً من السجائر، وهو يراقب الشارع بحسرة. السيارات الفخمة التي كانت تمضي من أمامه مسرعة لا تلمح حتى وجوده أو وجود دكانه الشاحب مثله. انقضى وقت طويل منذ أن شعر بالشفقة على نفسه، هو في العادة يجلس هنا لساعات لكن قل ما فكر بنفسه، أو بكيف يشعر اتجاه نفسه. لكن اليوم قدم له أحد الجيران من الحي قطعة من السكاكر بعد أن أكلها شعر بألم فظيع في أحد أضراسه، وعندما ما مد لسانه إليه اكتشف أنه مكسور. هنا فكر بزيارة طبيب الأسنان لكنه تذكر بأنه لا يملك المال للقيام بهذا. أدمعت عينه حتى كادت الدمعة تفر منها غصباً عنه. حاول أن يفتعل السعال كي يبدو الدمع الذي بعينه مرضياً، لكن لم يكن من أحد ينظر إليه فلماذا سيمثل على أي حال.

شعر بأن النعاس يباغته، لقد اعتاد أن ينام مبكراً ويستيقظ مبكراً، كان في ما مضى أكثر نشاطاً، إنني لم أتجاوز الثالثة والخمسين من عمري بعد وأشعر للتو بالهرم والعجز، إنني أشفق على نفسي أكثر مما مضى، في الماضي كان الدكان يعود علينا برزق لا بأس به، على الأقل كنت أستطيع من غلة أسبوع أن أجمع بعض المال لأصلح به وضع أسناني .. أما اليوم فأنا اتقاسم رغيف الخبز مع أم العيال .. رغيف لا يشبع منا جوعاً. كان يحدث نفسه وهو يسير محدقاً بالأفق، واضعاً يديه في جيب بنطاله المهترئ، وحذائه الذي كان في الماضي أبيضاً واليوم هو أقرب لأن يكون رمادياً داكناً، مع ذلك المعطف الأخضر الذي أكل الدهر عليه وشرب. 


يفتح باب المنزل متثاقلاً، لأول مرة يشعر بأنه يدخل إلى قبره وليس إلى منزله، على أي حال من يعتبر هذا سواه وأهل البيت منزل. تطل أم العيال من أمامه في حلتها الفقيرة، رداء طويل أحمر كاحت، ولفة من القماش الأبيض المصفر على رأسها، وبقايا من شعرها الذي تاه خارجاً، ووجها الشاحب مع ابتسامة خفيفة يبرز من خلفها السن الذهبي الذي ركبته قبل أن تتزوج أبو العيال بسنة أو سنتين .. أي عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها.

هذه المرة لم يبدو لها أبو العيال ككل المرات، هذه المرة كان شاحباً منطفئاً، عجوزاً جداً، قاتماً .. اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه ..

- شو مالك يا زلمة، فيك شي ؟.. مرضان؟.. ليش جاي بكير اليوم ما الك بالعادة؟ ..

تنهار أسئلة أم العيال على رأسه كوابل من الرصاص، لكنه يتجاهل تماماً أسئلتها ويتابع سيره البطيء، يدخل إلى غرفته ويتمدد على فراشه الأرضي، ثم يقوم بفرد الغطاء على جسده وهو يحدق من خلال النافذة إلى شجرة البرتقال التي كانت تهتز بأثر  من الرياح في الخارج وأصوات الأولاد الذين يلعبون خلف الجدار تتناهى إلى سمعه .. 

أم العيال تلحق به على الفور وهي تحمل بيدها وعاء فيه بعض العدس وتدخل وهي تتأرجح ثم تجلس بجانبه على الأرض وتبدأ بتنقية العدس من الأوساخ ..

تلتفت إلى أبو العيال الذي كان صامتاً جداً، هذه المرة لم يأتها بقصص من الحي، لم يخبرها عمن دخل إليه ومن خرج، لكن تلك الدمعة التي كان يحاول إخفائها طوال الوقت لم تكن لتخفى عن أم العيال، وضعت الوعاء من يدها واقتربت أكثر منه ووضعت يدها على جبهته تحاول تفحص حرارته ..

- شكلي يا أم العيال مو مطول ..

- ايش هالحكي يا زلمة .. فيك شي، مرضان، ابعت حدا من الولاد يندهلك على الحكيم؟

- شو بدو يعمل الحكيم ؟

- شو بيعمل الحكيم بالعادة يعني، بيشوف شو وجعك وبيطيبك!

- وجعي هون يا أم العيال .. هون - يقول لها وهو يشير إلى قلبه - 

هنا تشعر أم العيال رغم جهلها بأنه يقصد بأنه ألم معنوي وليس مادي.

- صاير معك شي جديد؟ 

- جديد؟ .. لك ايش بدو يصير معي جديد، ليش أنا بحياتي صار معي شي جديد، لك أنا لشو عيشتي يا أم العيال .. إذا مو قادر شبعكم اللقمة. زعلان .. أي زعلان ع حالي ومقهور .. لك يلعن ر ..

- لاا يا أبو العيال أوعك تكفر، ما بيجوز ..

- استغفر الله العظيم .. 

- ريح شوي لبين ما كون جهزت الغدا، القصة بدها طولة بال، بعدين اشمعنا اليوم حتى اتفتقت عليك جروحاتك، طول عمرنا عايشين نفس العيشة وما تغير علينا شي، خمس وعشرين سنة ونحن احنا ما تغير شي، ليش اليوم بدك تقهر بحالك وتفتح عليك بواب توجعك وتوجعنا .. 

- لأني من خمس وعشرين سنة وأنا بالع هالبحصة، غاصص فيا بنص قلبي، كل يوم وقت بفتح باب هالدكان وبشوف صورة شهادتي المعلقة ع الحيط، بسأل حالي مين الغلطان .. أنا ابن الكلب الغلطان أني لحقت حكي أهلي وأهلك .. وأهل الضيعة افتح دكان واتعلم الصنعة .. كب هالشهادة ورا ضهرك مارح تنفعك بشي .. اي صح احنا من خمس وعشرين سنة ما صار علينا شي جديد بس كنا نشبع ع الأقل اللقمة، كنا بس نحس حالنا مخنوقين نفتح باب الدار ونروح نفتل .. اجت الحرب ون ..ت اخت الي نفضنا. أنا تعبان .. تعبان يا أم العيال .. تعبان ..

- طول بالك يا زلمة .. حالنا متل حال كل هالعالم .. والله كريم!

- حالنا متل حال خالد الحشاش الي سرق ونهب وطلع ع أوروبا وعايش أحلى عيشة، حالنا متل حال أبو شاكر المهرب الي خرب البلد وليكو عايش بأحلى منطقة ومو صاير عليه شي، حالنا متل حال حسين وأخو فزاع الي باعوا أخون وقبضوا حقو وصرفوا ع بسطون .. حالنا متل حال ضرار الي كان يبيع فول ع العرباية واليوم صار تاجر سيارات .. كان بدك ياني اسرق حتى يوجعني ضرسي ويكون معي مصاري عالجو، كان بدك ياني تاجر بالبشر والحجر حتى أشتهي اللحمة وآكلا، كان بدك ياني خبر واقتل حتى بس يديق خلاقي اطلع اعمل فتلة بالكيا .. كان بدك ياني كون ابن حرام لشبعك وشبع ولادك من الحرام .. 

- بيكفي يا أبو العيال الله يوفقك، شو صرلك اليوم ماني عارفة 

- الي صرلي أني بعد خمس وعشرين سنة اكتشفت أنو الفقر بيوجع، أنو لقمة اليوم ما بتكفي، أنو القناعة كذبة مشان ترخصي بحالك، مشان ما يكون عندك حلم تفكري تكبريه. 

- روق واهدا .. ارتاح شوي لبين ما جهز الغدا .. سمعت قال جاي صناديق تبرعات جديدة هاليومين، يارب .. والله ملينا من العدس والبرغل، بركي بيجينا شي كم ربطة معكرونة وشوية مونة .. يلا سيدي الله كريم.

قالت له ثم خرجت وهي تحمل الوعاء وتتمايل وهي تغني أحد الأغاني القروية، بينما تابع هو تحديقه بشجرة البرتقال والدموع التي لم تعد خجلة بعد الآن من أن تنزل. صاح لأم العيال بصوت مرتفع وقال لها وهو ينزوي تحت الفراش "إذا متت .. ادفنوني تحت شجرة البرتقال". لكن أم العيال كانت مشغولة بعملها فلم تسمع ما قاله بالضبط واعتقدت أنه قال أن موسم البرتقال هذه السنة وفير فرددت بصوت مرتفع :" يارب .. الله كريم". 


  • 5

   نشر في 13 يونيو 2018 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 1 شهر
الحقيقة موجعة جدا ، نخفيها و نتحملها و نداري عليها كي لا توجع من نحب ، البطل تعايش مع الحقيقة حتى انتهت قدرته على تحمل الواقع و خاف الموت في لحظة يأس ، خاتمة المقال مميزة تجمع بين الطرافة والألم ، قصة رائعة وحزينة ،دام قلمك ريم.
2
Rim atassi
إننا نحاول أن نتعايش دوماً مع الواقع والألم .. لكن نصل إلى مرحلة نفقد فيها القدرة على التمييز بين الصبر والقناعة وهناك فرق كبير بينهما فيمكنك أن تصبر على ألمك لكن ليس عليك أن تعتاده لأننا لم نخلق لنتألم .. شكراً لمرورك وكلماتك العميقة
مقال واقعي جدا ... ومؤثر ... دام إبداعك
1
Rim atassi
كل الشكر لمرورك
Alaa Bobaly منذ 1 شهر
كتير حلوة و واقعية للأسف ، الله كريم ❤

مبدعة بالتوفيق .
2
Rim atassi
الله كريم دوماً وأبداً .. كل الشكر لك
جميل حكيك يا ريم..وهناك جملة شدتني جدا:أنو القناعة كذبة مشان ترخصي بحالك، مشان ما يكون عندك حلم تفكري تكبريه. والله نعم خدعونا فقالوا القناعة كنز لا يفنى..ولم لا يكون الطموح؟
3
Rim atassi
ثم تكتشفين أن كل ما حولك هو سجن من ورق بنوه حتى لا نستطيع أن نحلق خارجه
الاجمل تعليقك عزيزتي
ابراهيم محروس
اتفق مع رأي استاذتي الفاضلة فوزية...(..ولم لا يكون الطموح ) الطموح يجب الا يكون له حدود ... والقناعة كنز لا يفنى حقا في جوانب محددة وليس على مطلق اللفظ .. الشكر موصول لكما ريم ... و المبدعة دائما عقلا و فكرا ومنطقا ... فوزية لهلال

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا