مهاجِرٌ .. بلا حقائب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مهاجِرٌ .. بلا حقائب

نحو هجرةٍ صحيحة ..

  نشر في 12 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

* حينَ يُقصفُ بيتُك و تبورُ تِجارتُك و تُهدّدُ حياتُك و تَطلبُ الأمنَ في دارِكَ فلا تجِدُه , حينَ تُحرَمُ من أبسطِ حُقوقك و تصيرُ الخدماتُ من ماءٍ و كهرباءٍ و سواهُما أكبرَ توجُّساتِك , فلا تأمَنْ نفسَكَ و أهلَكَ ظُلماً قد يقع و عِرضاً قد يُنتَهَك , يضيقُ الوطنُ بِك و يحينُ أوانُ الرحيل .

شعورٌ قاسٍ أن يترُكَ الإنسانُ أرضهُ التي وُلِدَ فيها و السماءَ التي عاشَ تحتَ ظِلالها لكنَّ الأقسى أن ترى تِلكَ الأرضَ و أنهارُ الدماءِ فيها لا تنضُب و براميلُ المُتفجِّراتِ من سماءِها لا تنقطع , فلا يبقى بُدٌّ من المُغادرةِ مُجبراً لا مُخيّراً , مُضطّراً لا راغباً , و في النفس شيءٌ مما قالَ الحبيبُ صلواتُ اللّهِ و سلامُهُ عليه حين أُخرِجَ من مكة : "و اللّهِ إنَّكِ لأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ و لولا أنّ أهلَكِ أخرجوني مِنكِ ما خرجت  ,,   " .


* ليستْ كُلُّ الهجرةِ واحدةً , بل هي على أنواعٍ شتّى و صُنوفٍ عِدّة تَصُبُّ جميعُها في خندَقينِ اثنينْ
يتمايزُ عِندَهُما المُهاجِرونَ و يتفاضلُونَ فيما بينهم , فإمّا هِجرةٌ صحيحةٌ ناجحة و إمّا هِجرةٌ خاطِئةٌ فاشلة . إنّ أنواعَ الهِجرةِ  تختلِفُ من شخصٍ إلى آخر و من عائِلةٍ إلى أُخرى و حتى ضِمنَ العائلةِ الواحدة قد تكونُ هجرةُ أحدِ الأفرادِ ناجحةً مُثمِرةً تعودُ عليهِ بالشُكرِ و الثناء و تُولّدُ بينهُ و بينَ المُضيفِ شيئاً من الأُلفةِ و الوئام , فيُقالُ حينَها : " نِعْمَ الهِجرةُ هِجرتُكَ و نِعْمَ شريكٌ جديدٌ في الوطنِ أنت " , في حِين تكونُ هِجرةُ أخيهِ الآخر فاشلةً قاحِلَةً ترتدُّ إليهِ بالسُخطِ و سُوءِ المُعامَلَةِ حتّى يُقالَ له : " بِئْسَ الهِجرةُ هِجرتُكَ و بِئْس الشريكُ الثقيلُ أنت " . 

- الاختلافَ بين الهِجرتينِ يبدأُ في اللحظةِ التي أُخِذَ فيها قرارُ الرحيل , فمُهاجِرٌ حملَ وطنَهُ في قلبِهِ و خرجْ , هو مُهاجِرٌ بلا حقائب , عَلِمَ أنّ الطريقَ طويلٌ , شاقٌّ , و صعب , و لا شيءَ يستحِيلُ أمامَ الإرادة و الصبرِ و الاستقواءِ باللّهِ عزّ و جل , فخَرَجَ ليبنِيَ حياةً جديدةً من القاع , و يعمَلَ و يُشارِكَ بما يُتقنْ كي لا يكونَ عالةً تَستَهلِكُ فقط و لا تُنتِج , داعِياً إلى اللّهِ في خُلُقِهِ و أدبهِ و نمطِ حياتِه , لا مُتعالِياً على أحد و لا مُتجاوُزاً لقوانينِ أحد و لا مُؤذياً لأحد و لا شيخاً و إماماً على أحد , هو المواطِنُ الجديدُ الذي جاء يطلُبُ الأمنَ و الأمانْ , مُنتَظِراً حُقُوقَهُ , مُتعهّداً بأداءِ واجِباتِه . أمّا المُهاجِرُ الثاني فهو الذي حَمَّلَ حقائِبَهُ و أثقَلَها و راحَ يطلُبُ حياتَهُ التي اعتادَ عليها في وطنِهِ , يتذمّرُ مِن كُلِّ شيءٍ مهما كانت قيمَتُه , و لا يُعجِبُهُ أيُّ شيءٍ مهما عَظُمَتْ هامَتُه , فتصيرُ الحياةُ أسوأ و التأقلُمُ أصعب و يستَحِيلُ الرِضا فيَطلُبُ العودةَ و يتيهُ في جهلِه , لا هو يرضى بواقِعِهِ الجديد و لا هو سيرضى لو أنّهُ عادَ حقّاً ! . 

- نحنُ و للأسف اعتدنا الكسلَ و الفتور و لا أُبالِغُ لو قُلت أنّ أغلَّبَنا أرادَ الهِجرَةَ إلى دول الغرب طمعاً في المردودِ المادي الذي قِيلَ أنّهُ يأتي دون تعبٍ أو جُهد , فتتدافَعنا أمامَ السفاراتِ الغربيّةِ و في مراكِبِ الموتِ في عَرْضِ البِحرِ لكي نجلِسَ دونَ عملٍ ننتَظِرُ في نِهايةِ الشهرِ أن تمتَلِأَ حِساباتُنا البنكيّةُ بالأُعطِياتِ و التعويضات و هذا و إنْ كانَ بعضُهُ الآنَ مُمكِناً لن يدوم , لأنّ الشعوبَ الغربيّةَ ما اعتادَتِ الكسلَ أسلُوباً للحياة و لا مَنهَجاً للتقدُّمِ و التطور , بل هو العملُ الذي لا ينتهي ليلاً و لا نهاراً , و الكَدُّ الذي لا ينقَطِعُ شهراً و لا دهراً , و البحثُ و العِلمُ و الجُهد , هو ما أوصلَها إلى القوّةِ و السيطرةِ و الريادة . 

هُمُ اليوم يستقبِلوننا و يُحسِنونَ إلينا و يأتي الرُؤساءُ مِنهُم و الوُزراءُ إلينا لِعِلمِهم بأنّ بِذرةً نقيّةً فينا قد تُثمِرُ و تُزهر إذا ما لاقتْ تُربَةً خصبةً و مُجتَمَعاً مُحفِّزاً يسقِيها و يُنمِّيها , و ينتَظِرونَ مِنّا أن نكونَ فاعلينَ مُنتِجينَ ذو قيمةٍ و مردود , لا أن نكون عِبئاً يُثقِلُ كاهِلَهُم و يُثيرُ سُخطَ شُعوبِهم لاستِقبالِهِم إيانا . صلاتُكَ في الساحاتِ المفتوحةِ , و عباءَتُكَ التي كُنتَ قد اعتدتَ ارتداءَها , و ثِيابُ زوجَتِكَ السوداءِ , و أحادِيثُكَ التي لا تنتهي عن الإسلامِ و أنتُم في النارِ و نحنُ في الجنّة , و استحضارُ تاريِخِكَ الذي كانَ فيهِ اجدادُكَ أسيادَ ذلِكَ الزمان , كُلُّ هذا يُسيُ لكَ و لقومِكَ و لدِينِكَ و لمن قَبِلَ و يَسّرَ استِقبالَكَ من الساسةِ أكثرَ مِمّا ينفع , فاحترم عاداتِهِم و تأقلم مع تقاليدِهِم بما لا يَمَسُّ مُعتَقَداتِكَ و لا يُخالِفُ تعاليمَ دينك .  

* الخيارُ في يدِكَ أنتْ , أنتَ فقط , فإمّا أن تكونَ على قدرِ الإحسانِ الذي يُقدّمُ إليك و تصنَعَ سُمعَةً برّاقةً تُلصَقُ فِيكَ و تُثابُ عليها فتكونَ " مُهاجِراً بلا حقائب  " عَمِلَ لهِجرتَهُ و قدّمَ لها , و إمّا أن تكون صِفراً عربيّاً لا يُسمِنُ و لا يُغني من جوع , و اعلمْ أنّ الأرضَ الطاهِرةَ التي هاجرتَ مِنها أرضُ الرِباطِ و الجهاد فاجعلها دائِماً و أبداً حيّةً في قلبكَ و احفظها و إنْ كُنتَ بعيداً عنها . أحسِنْ لمن أحسَنَ إليك تَكُنْ أفضلَ البشر . 












  • 7

   نشر في 12 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا