انس القاسم الاعلامي (الاعلام مُنوَّمٌ مغناطيسيًّا) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

انس القاسم الاعلامي (الاعلام مُنوَّمٌ مغناطيسيًّا)

  نشر في 19 مارس 2016 .

ظهوره:

كان في عام 1928م في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؛ لذلك تُعَدُّ أكبر دولة في تصدير البرامج في العالم؛ إذ يُقدَّر ما تُصدره في السنة الواحدة بـ (130) ألف ساعة برامجية، بتكلفة 1000 دولار للدقيقة الواحدة، ثم ظهَر بعد ذلك في باقي دول العالم.

أما في البلاد العربية، فقد بدأ البثُّ في المغرب عام 1954م، وفي العراق عام 1956م، ثم توالى البثُّ في باقي البلاد العربية.

وقد بلغ عدد محطات الإرسال للرائي في الدول العربية 190 محطةً عام 1977م.

مميزاته:

يتميَّز الرائي بمُميِّزات خاصة استطاع بها جذب جمهور المذياع، وخاصة الأطفال والشباب، هذه الميزات هي:

1- أنه يجمع بين الرؤية والصوت والحرَكة؛ مما يَجذِب الانتباه ويُثير الحواس أكثر من أي وسيلة أخرى.

2- يُقدِّم الأحداث كما هي في الواقع زمَن حُدوثِها.

3- يَنقُل الأحداث إلى الأسرة داخل المَنزل بالصورة والصوت والحركة، وهو بهذا يوفِّر الوقت ويُعمِّم المعرفة.

وظيفته: تختلف النظرة إلى الرائي في المجتمعات حسب عقيدة هذه المجتمعات؛ فالمجتمعات الغربية ترى أن وظيفة الإعلام التلفزيوني الرئيسة هي (الترفيه، وملء أوقات الفَراغ)، وهذا الرأي ينطلِق من الأساس المادي للحياة الغربية، وأن على الإنسان أن ينتهِزَ فرصة الحياة الدنيا ليُمتِّع نفسه أقصى درجة التمتُّع، وهذه الحياة هي الغاية، وهي المصير، ولا حياة بعدها، أما المجتمعات الشيوعيَّة، فترى أن التلفزيون وسيلة ترفيه ودعاية بنفس الوقت؛ فالبرامج الترفيهية تُنسي الإنسان واقعه الاقتصادي المُتعب، وواقعه الاجتماعي المُتحلِّل، وتجعله يعيش في عالم خيالي، وتزيد من تَحلُّله الأخلاقي، وتَخلُق فيه رُوح اللامبالاة، أما الدعاية، فهي للفِكر الماركسي الذي عفا عليه الزمن، وثبَت أنه يُناقِض الحياة والفِطرة، ووظيفة الدعاية هذه هي وظيفة كل وسائل الإعلام في الدول الشيوعيَّة سابقًا.

أما عن وظيفة التلفزيون في المُجتمَع الإسلامي، وكما هو في الواقع الآن، فلا أظن أنه يَنطلِق من مبادئ معيَّنة؛ فهو يجمع بين الترفيه والتوجيه، وإن كان الترفيه هو الغالب في التلفزيون العربي حاليًّا.

وما أحوجَنا إلى تأصيل عقدي حقيقي لوظيفة التلفزيون في المجتمع الإسلامي الذي يسير وَفْق هدى الله، فهو لن يكون سوى وسيلة خير وهدى:

1- تَنشُر الدعوة الإسلامية في كل مكان.

2- تنشر التعليم، وتمحو الأمية.

3- تزيد في وعي أفراد المجتمع سياسيًّا وفكريًّا واقتصاديًّا.

4- تُحرِّر العقل الإسلامي مِن قيود الأوهام والخُرافات.

5- تُغيِّر المفاهيم الخاطئة التي تراكمَت بتأثير الإعلام المعادي.

6- تُروِّح وتُرفِّه عن النفس، مِن عناء التعب الجِسمي والعقلي، ولكن ليس بالأسلوب الغربي أو الشرقي غير الأخلاقي، بل بأسلوب نظيف، عن طريق المشاهِد الخلابة التي تُسبِّح الله، الناطقة بقدرة الله - عز وجل - وآياته في الكون والإنسان، وعن طريق القصص التاريخيَّة التي تُبرِز بطولات المسلمين، والقصص الاجتماعية التي تُظهِر السلوك الإسلامي المتميِّز في المعاملة والأخلاق الرفيعة.

وليس ضروريًّا أن نُلزم الإعلام التلفزيوني بالأخبار وتلاوة القرآن فقط، فيملَّ الناس وينصرفوا إلى ما هو أشدُّ منه ضررًا، وهو الفيديو، أو أي وسيلة أخرى فاسدة.

أثر الرائي على المشاهدين:

يتوقَّف تأثير الرائي على عوامل كثيرة؛ منها ما يتعلق بالبرامج التلفزيونية، ومنها ما يتعلق بالمُشاهِد ذاته.

أما العوامل المتعلقة بالبرامج، فالعلماء ما زالوا يُطوِّرونها، ويتفنَّنون في أسلوب عرضِها، لزيادة تأثيرها على المُشاهِدين، والعلماء الغربيُّون لهم باع طويل في هذا المجال؛ إذ إن الرائي بعرفهم وسيلة مُهمَّة من وسائل الترويح والترفيه عن جماهيرِهم.

أما العوامل التي تتعلَّق بالمُشاهِد، فترجِع أولاً إلى عقيدة المُشاهِد، ودرجة تعلُّمه، وسنِّه، وجنسه، ومن النتائج المهمَّة التي توصَّل إليها العلماء أن الرائي يزداد تأثيره على نوعين من أفراد المجتمع: الأطفال، وذوي التعليم المنخفِض والأميين.

وبصفة أن نسبة الأمية في المجتمع العربي خاصة - والمجتمع الإسلامي عامة - مرتفعة جدًّا من 70 - 75%.

وأن عدد الأطفال عام 1980م - وهم الذين بين الخامسة والرابعة عشر - بلغ 43 مليونًا.

إذًا، فإن الرائي يؤثِّر على نسبة كبيرة من أفراد المجتمع العربي، وخاصة إذا بقي بصورته الحالية وبرامجه غير الهادِفة، التي تَخلِط الصالح بالطالح، وقد ازداد خطورة الآن عندما انتقل البثُّ عن طريق الأقمار الصناعية، وتستطيع أجهزة الاستقبال التِقاط أي محطة يُريدها المُشاهِد من الغرب أو الشرقِ.

كل هذا يدفعُنا إلى الإسراع بتحويل الإعلام التلفزيوني إلى إعلام هادف ونظيف في الوقت نفسه، غايته الخير لا الشر، والأخلاق لا الانحِلال.

ولكن ما نوع هذه التأثيرات على المُشاهِد؟

لقد أكَّد العلماء والاختصاصيون في الإعلام أن للرائي مجموعة من التأثيرات، وليس تأثيرًا واحدًا، وكلها خطرة جدًّا على الكائن البشَري وعلى المُجتمَع، وهي تأثيرات فكرية وفسيولوجية واجتماعية واقتصادية وسياسيَّة[1].

أما تأثيره الفكري، فهو يُحدِّد ويَحصُر المعرفة الإنسانية، ويُغيِّر الطريقة التي يحصل بها الإنسان على معلوماته من العالم، وبدلاً من توفيرها لمعلومات طبيعيَّة متعدِّدة المصادر والأبعاد من مطالعة ودرس للكتاب، ومُشاهدة للطبيعة، وتَجرِبة واقعية، ومُحاوَرة مع أهل العلم والمعرفة، وغيرها من الوسائل، نجد الرائي يَحصُر العلم بناحية ضيقة داخل قنواته القاسيَة، وحسب ما يرغَب به معد البرنامج من عرض أنواع مُعيَّنة من المعلومات، وبسببه نعتقد أننا نعلم كثيرًا، ولكنَّنا بالعكس من ذلك لا نُحصِّل إلا معلومات أقل من أي وسيلة أخرى.

والرائي أيضًا يُحوِّل العقل الواعي عند الإنسان إلى عقل يُقادُ وكأنه مُنوَّمٌ مغناطيسيًّا، فيَصُبُّ فيه الرائي ما يريد من معلومات، فهو إذًا آلة لغسيل الدماغ وملئه بالمعلومات التي ترغَب بها الهيئة أو السلطة المسيطِرة عليه.

• ويَعقِد (جيري ماندر)، وهو أحد الاختصاصيِّين الإعلاميِّين ومؤلف كتاب "أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون"، مقارنةً بين تلقي العلم من الكتاب وتلقي العلم من الرائي "التلفزيون"، فيقول: "وقراءة الكتب توفِّر نوعًا من التلقين الاسترجاعي أيضًا، إن الكلمات التي تقرؤها لا تُصَبُّ داخلك بعكس الصور والخيالات - الصادرة من الرائي - والسرعة يتحكَّم فيها القارئ وليس الكتاب، وعندما تقرأ فإنك تَقدِر على استرجاع ما قرأته، والتوقُّف للتفكير، وأخذ المهم، كل هذا يُوسِّع الوعي والانتباه للمادة المقروءة، ويبقى أمر اختيار المعلومات التي تبغي إبقاءها في عقلك الواعي راجعًا لك وحدك.

ويُصادِف في كثير من الأحيان أن نقرأ فقرةً من كتاب، ثم نُدرك أنا لم نَستوعِب شيئًا منها، وهذا يتطلَّب الرجوع ثانيةً إلى قراءة هذه الفقرة بتركيز أكبَر، إن الكلمات لا تَعني شيئًا للقارئ ما لم يتمَّ هذا بمَجهود واعٍ، ومشاركة مُباشِرة، وسرعة شخصيَّة في القراءة.

أما الصور التلفزيونيَّة، فلا تتطلَّب شيئًا مِن هذا القَبيل، ولا تتطلَّب سوى إبقاء عينَيك مفتوحتين وهي تدخل - أي الصور - لتُسجَّل في ذاكرتك - سواء فكرت فيها أم لا، إنها تُصَبُّ داخلك كما يُصَب سائل في وعاء، والوعاء هو أنت، والتلفزيون هو الذي يقوم بالصبِّ، وفي النهاية لا يكون المُشاهد سوى وعاء استِقبال، ولا يكون التلفزيون ذلك الوسط الثقافي والاجتماعي الذي كنا نودُّه، بل آلة تَزرع الصورَ في عالم اللاوعي من العقل، ونحن نُصبِح مُرتبطين بالصور المتغيِّرة، التي لا نفعَل شيئًا حيالَها؛ لأنَّنا لا نستطيع ذلك ألبتَّة"[2].

• وإذا لم يستطِع الرائي غسلَ دماغ المُشاهِدين، فهو يتركُهم في حالة ضياع وارتِباك، وأقل قدرة على تمييز الواقعي من الخيالي، ويُشتِّت إحساسَهم بالوقت والمكان والتاريخ والطبيعة.

• وما يُقال هنا ليس خياليًّا أبدًا، وإنما هو أمر واقعيٌّ، شعَر به الكثير من مُشاهدي التلفزيون، في الولايات المتَّحدة الأمريكية، ونُدلِّل على ذلك بالرسائل التي وصلت لمؤلف كتاب "أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون" جيري ماندر، وهو إعلامي متخصِّص قضى خمسة عشر عامًا مدير دعاية وعلاقات عامة؛ لنستعرِض بعض العبارات التي وردت في هذه الرسائل حول التلفزيون وتأثيره:

(عند مُشاهَدة التلفزيون أشعر وكأنني مُنوَّم مغناطيسيًّا).

(إنه يَمتصُّ طاقتي).

(أشعر وكأنه يقوم بغسْل دماغي).

(أَشعُر كأنني نَبْتة وأنا جالس تُجاه التلفزيون).

(إن التلفزيون يُبعِدني عن واقعي كثيرًا).

(التلفزيون يُسبِّب الإدمان).

(إن أطفالي يبدون كالزومبيِّين عند مشاهدة التلفزيون (ويقصد بالزومبيِّين الذين في أجسامهم قوة خارقة تتحرَّك من خلالهم).

(إنه يُدمِّر عقلي).

(إن أولادي يَنتقِلون كأنهم في حُلْم بسبب التلفزيون).

(إنه يجعل الناس سُخَفاء).

(إنه يُحوِّل دماغي إلى شَتات).

(أشعر وكأنني مفتون بسِحره).

(إن التلفزيون يَستعمِر دماغي).

(كيف أستطيع إبعاد أطفالي عنه وإعادتهم للحياة)[3].

• أما التأثيرات الفسيولوجيَّة، فتتلخَّص بما أثبتَه العلماء بما لا يدع مجالاً للشك أن الضوء الداخلَ للجسم خلال العيون يؤثِّر في الخلايا، وليس هناك أدنى شكٍّ بأن التنوُّع في طَيف الضوء - كما هو حاصل في الضوء الصادر مِن التلفزيون - يؤثِّر في الخلايا، وليس هناك أدنى شكٍّ بأن الجُلوس أما التلفزيون والتحديق المُستمر بضوئه يؤثِّر في الخلايا بنفس الطريقة، وهناك دراسة للأطياف الضيِّقة للضوء التلفزيوني ونشوء السرَطان في الجِسم [4].

• أما تأثيراته الاجتماعيَّة والتربويَّة، فسيظهَر من خلال تأثيره على الأطفال في الفقرات التالية:

تأثير الرائي على سُلوك الأطفال:

اهتمَّ بهذا الموضوع كبارُ علماء النفس والإعلام والاجتماع، ودرَسوه وأجروا له التجارب الواقعية والعمَليَّة، وخرجوا بنتائج خطيرة، وعلى كل إنسان واعٍ أن يُدرِكها، ويحذر جيدًا من عواقبها، وقبل أن أُبيِّن نتائج دراسة العلماء لظاهرة التلفزيون وتأثيرها على الأطفال، أريد أن أهمِس بأُذُن ربِّ كل أسرة عاقل: إن هذا الجهاز الذي يضعُه في بيته، ليس أداةً مِن أدوات الزينة الجامدة، ولا هو باقة ورْد عَطِرة، لا يتعدَّى أثرها نَشْر الروائح الزكيَّة، إنه جهاز فعَّال ومؤثِّر في النفوس والقلوب والعقول خيرًا وشرًّا، وكما قُلنا عن المذياع، فإنه له حدَّين: حدٌّ للخير، وحدٌّ للشر، والغالب هو حد الشر والعياذ بالله، فعلينا جميعًا مُراقبة برامجِه - واختيار الأصلح منها لأبنائنا وبناتِنا وأزواجنا وإلا خَربت نفوسهم وقلوبهم وعقولهم - حتى لا نندمَ على (لا مُبالاتنا) تُجاهه، فيَكتسِِب أبناؤنا عادات أناس يُخالفوننا في العقيدة والأخلاق والعادات.

وعلى المسؤولين أيضًا عن هذه الوسيلة الخطرة أن يُراعوا حقَّ الله، ويتَّقوا الله في أبناء هذه الأمة، فلا يَعرِضوا فيه إلا ما يعود بالخير والصلاح على مُجتمعِهم وأمَّتهم.

وحتى يَطَّلِع الوالِدان المسلمان على مقدار تأثير التلفزيون على أطفالهم؛ نَعرِِض بعض نتائج بحوث العُلماء في هذا المجال.

نبدأ ببعض المعايير المُستقاة من نتائج البحث، يُمكن بفضلِها التنبؤ بالأثر التراكُمي المُحتمَل للتلفزيون على نظرة الأطفال للحياة.

يزداد تأثُّر الأطفال ببرامج التلفزيون كلما:

1- تَكرَّر عرض الصور.

2- عُرِضت الصور بشكل تَمثيلي.

3- ومال الطفل إلى اللون المعروض مِن المعرفة.

4- ونمَت استجابة الطفل للوسيلة الإعلاميَّة عمومًا[5].

وعندما نزِن بهذه المعايير واقعَ التلفزيون، نجد أن التأثيرَ حاصلٌ 100% من صفات برامج اليوم تَكرار عرْض الصور والمشاهِد وإعادتها، والمسلسلات التمثيليَّة أصبحَت تقليدًا يوميًّا لا يُستغنى عنه - بعرف المسؤولين - والجميع يَنتظرِها بشغف كبير.

والشَّغف بالتلفزيون ليس عِندنا فقط، بل سبقَنا الغربيون بهذا؛ لأنه أول ما وجد عندَهم، فأطفال الولايات المتحدة الأمريكية يَضرِبون الرقم القياسي بالجلوس إليه؛ إذ يُقدَّر زمن جلوسهم أمام الشاشة الصغيرة بأكثر من 40 ساعة في الأسبوع، أما الأطفال الفرنسيُّون، فيقضُون (16) ساعة في الشتاء و12 في الربيع.

ولا توجد إحصاءات دقيقة للمدة التي يَقضيها الطفل العربي أمام التلفزيون، ولكن يُمكن تقديرها، إذا كان المعدَّل اليومي من 2 - 3 ساعة في اليوم بالإضافة إلى يومي الخميس والجمُعة، في البلاد التي تُعطل يومين في الأسبوع؛ حيث يزداد البثُّ، وتزداد ساعات الجُلوس أمام التلفزيون - فتَصِل المدة إلى 24 - 36 ساعة أسبوعيًّا.

هذا مع العلم أن كثيرًا من البيوت لا يُغلِقون التلفزيون بتاتًا منذ أول افتتاحه إلى إغلاق البثِّ فيه، حتى إن تعبير (من العَلَم إلى العَلَم) أصبح تعبيرًا شائعًا يُطلَق على مَن يقضي كلَّ وقته أمام التلفزيون من أول البثِّ وحتى آخرِه.

فكان من نتائج الجلوس الطويل للأطفال أمام الشاشة الصغيرة: انخِفاض مستوى التعليم في السنوات الأخيرة في الغرب، وهذا ما قرَّره الباحثون الغربيون، وفي البلاد العربية أيضًا، وهذا ملحوظ في المدن؛ حيث يَكثُر وجود الأجهزة التلفزيونية؛ إذ يتفوَّق طلاب الريف على طلاب المدُن، وكيف يتفوَّق التلاميذ الذين سَهِروا الليالي أمام شاشات التلفزيون يتعاطُون برامج مُخدِّرة لعقولهم ونفوسِهم وقلوبهم جميعًا؟ إنهم يتعوَّدون على السهر، ويَذهبُون إلى مدارسِهم كُسالى، يَكادون أن ينامُوا في فصولِهم الدراسية، كما يُصابُون بأمراض مختلفة، أهمها السرَحان، وعدم التركيز، والاستِغراق في عالم الخَيال، وعندما يُقارِن التلميذُ بين الفصل الدراسي والمشهَد التليفزيوني، يجد أن المُدرِّس مملٌّ أشد الملل، وهو إذ يُطالبه بالترفيه يريد أن تكون المدرسة امتدادًا للتلفزيون وتَكرارًا لما يُشاهِده على شاشته، فإذا تَعذَّر ذلك - بطبيعة الحال - أصيب الطفل بالإحباط والمرض العصبي؛ مما يدفعه إلى القلق وتَشتُّت الانتِباه.

وهكذا يؤكِّد علماء النَّفْس وعلماء الإعلام أن التلفزيون يقوم بمُهمَّة تربوية سلبيَّة، جوهَرها التخدير وصرْف انتباه الأطفال عن الحقائق الواقعيَّة، ودفعهم إلى عالم خيالي[6].

جامعة الجريمة:

لذلك هاجَم كثير من العلماء (التلفزيون)، أو بالأصح البرامج التلفزيونيَّة المملوءة بالعنف واللصوصيَّة، وتمجيد المُجرِمين وتلميع وجوههم وسلوكهم، ومنهم (ستيفن بانا) الطبيب النفسي والأستاذ بجامعة كولومبيا؛ إذ يقول: "إذا كان السجن هو جامعة الجريمة، فإن التلفزيون هو المدرَسة الإعدادية لانحِراف الأحداث".

ويؤكِّد (جير هارد كلوسترمان) ذلك، فيقول: "إن تأثير التلفزيون وما ينشأ عنه من إيحاءات للطفل أمر خطير جدًّا في حالة الطفل المعوَّق، وهو عادة طفل عُدواني قوي، شرس، يَشعُر بالإحباط، ويتأثَّر بأفلام العنف تأثُّرًا مُباشِرًا، وعندما يُصاب الطفلُ بالإحباطِ ويشعُر بخيبة الأمل لعجزِه عن الحصول على ما يَعرِضه عليه التلفزيون، أو يفعل ما يفعله الآخرون، فإنه يُصاب بالتوتُّر والقلق؛ مما يؤدي مِن ثَمَّ إلى الانحراف.

وتوضِّح دراسات العالم الفرنسي (جان حيرو) أسباب سوء التكيُّف بين المُنحرِفين في باريس، ويرجع هذه الانحرافات إلى مُشاهَدة أفلام العُنف.

ويرى علماء الاجتماع أن التلفزيون يُشيع في النشء حبَّ المغامرة والتحرُّر مِن القيود، والاتصال بعالم الكبار، كما يقوِّي ميولَهم بأن يُصبِح لهم كِيان، ولكنهم يرون أيضًا أن التطرُّف بالمشاهدة قد يؤدِّي إلى الانحِراف[7].

وقد ثبَت مِن دراسات العلماء (أن أفلام العنْف والمغامرة والأفلام البوليسيَّة) تُخيف الأطفالَ وتُروِّعهم، حتى إن بعضهم يُحاول مغادرة المكان، والبعض الآخر يُصاب بالغثَيان، والبعض يُصاب بأمراض نفسيَّة كالتبول (اللاإرادي)، أو حالات الذُّعر والكابوس في أثناء النَّوم.

وتدلُّ الإحصاءات الأخيرة التي أُجريَت في إسبانيا أن 39% من الأحداث المُنحرِفين قد اقتبَسوا أفكار العنف من مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج العدوانيَّة، التي تدور أحداثها حول ارتكاب الجرائم، وطُرُق الاعتداء على الناس.

ويُدلِّل العلماء على آرائهم هذه بأمثلة كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

• في مدينة (بوسطن) الأمريكية رسَب طفل عمره 9 سنوات في مُعظَم مواد الدراسة، فاقترح على والده أن يُرسِل صندوقًا من الحلوى المسمومة إلى المدرسة، وعندما استوضحَه والده ذلك، قال: إنه أخَذَ الفِكرة من برنامج تلفزيوني.

• في مدينة بون الألمانية قامت فتاتان في الثانية عشرة من عُمرهما بقتل صبي غريب عنهما، اتضح للمحقِّق في هذه الجريمة أنهما شاهدتا في اليوم السابق لارتكاب الجريمة فيلمًا تلفزيونيًّا، انتهى بجريمة قتل ضد نجم الفيلم.

• ومِن أحدث ما ذُكِر في هذا المجال أن طفلاً فرنسيًّا عمره خمس سنوات أطلق رصاصة على جار له عمره سبع سنوات وأصابه إصابة خطيرة، بعد رفض الأخير أن يُعطيه قطعة من اللبان، وقد ذكَر الطفل في أقواله للشرطة أنه تعلم كيف يَحشو بندقية والده عن طريق مُشاهَدة الأفلام في التلفزيون[8].

ونسأل: ما التفسير النفسي لتأثير التلفزيون على الأطفال في مجال أعمال العنف أو غير ذلك من التأثيرات السلوكية؟

وقد توصَّل العلماء إلى أن للتقليد والمُحاكاة تأثيرها على الطفل أو الناشئة؛ فعندما يَعرِض التلفزيون شخصيات مُعيَّنة، ويُبيِّن مشاعرَهم، ويُقدِّم قيمَهم بشكل درامي، فإن الأطفال مُستعدُّون لاستيعاب الأفكار والقيم عاطفيًّا، ففي المسلسلات التلفزيونية نُلاحِظ أن الشرير أو الوغد يَحصُل على كافَّة المزايا؛ الأرض والمال والمنازل والحدائق والنساء، وكل هذا نتيجة لاعتداءاته وغلظته، فالنمط السلوكي البراق هو النمط المُعادي للجميع.

ويذهب بعض علماء النفس أيضًا إلى أن المسلسلات العنيفة والبرامج (البوليسيَّة)، تَخلق في النشء شُعورًا بالبلادة وعدم المبالاة، ويَنجُم عن ذلك نوع مِن الشلل في الإحساس، والقيام بردود أفعال غليظة بعيدة عن أي شفقَة أو تَعاطُف[9].

وهكذا، فإن التلفزيون أصبحَ في مُعظم الدول مجرد جهاز ناقل لإنتاج فني ضَعيف هابط تتخلَّله إعلانات جذابة ومُثيرة للغرائز، ويذهَب بعضُهم إلى القول بأن الناس لا يأخُذون هذه البرامِج وهذه الإعلانات مأخَذَ الجِدِّ؛ وإنما يَنظُرون إليها على أنها مجرَّد تسلية، غير أن علماء النفس يؤكِّدون مِن ناحية أخرى أن ما لا يأخُذُه الناس مأخذ الجِد هو الذي يؤثِّر أبلغ الأثر، فليس الترفيه التلفزيوني بأمر ثانوي يُمكن أن نُهمِله أو نهوِّن من شأنه، فمثل التلفزيون كمثل الماء والنار، له جاذبية وسحر؛ لأنه يتحرك ويؤثِّر ويسحر ويَخلب الألباب، ويجعل الناس يُشاهِدون ما يُعرَض على شاشاته، وهنا تَكمُن الخطورة[10].



  • أنس القاسم
    الصفحة الرسمية للإعلامي والكاتب الصحفي: أنس القاسم.
   نشر في 19 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا