تومي والتراجيديا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تومي والتراجيديا

قصتي مع تومي وفن التراجيديا

  نشر في 24 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2019 .

تومي كيف رأيت المسرحية ؟

لا يستجيب معي كليّاً، فلا هو الذي أعطاني كامل جسده.. غريبة مثله لا عن أهمية لغة الجسد ؟ إلّا أنه أجابني:

( إنها من نوع التراجيديا )!

هل تعرفها .؟ سألني ! وعدت أسأله :( هل تتقن لغتنا )؟ .. لا علينا. كل ما أراه يا تومي :

" امرأة بارعة في الجمال التمثيلي، تعرف كيف تسبح مع الموسيقى، وكيف ترقص مع الأنغام.. وكيف تتلاعب بمشاعر الجمهور ! ".

انظر. انظر إليهم، كيف يصفقون لها إن أرادت ذلك وبدون أن تتكلم ! وتُضحكهم كما لو كانوا أطفال.. لكن. لكن لا أرى كل هذا، أرى أنها تبكي، تبكي من الداخل يا تومي .!

راقب جيداً.. إنها تحكي عن مأساة بدون أن تتكلم، فالمأساة أكبر من الكلام، وهي تخبرهم عن مشاعرها، لكن الناس لا تهتم، لذلك ترقص لتمتعهم وتضحكهم، وتُبكي من هم مثلي.!

إنها تمثّل حصاراً ما.. قصفاً ما بدأ يتساقط كالمطر، تمسك بيد حبيبها، تخبئه بين جيدها واضعةً عليه معطفها .!

المسرحيات تحاكي الواقع، والواقع يظن أنها بهذه الطريقة ستحمي عائلتها ؟! بمعطف وبكاء ؟

مسرح ديونيسيوس - مسرح إغريقي كان يقام فيه الكثير من المحافل ومنها مسرحيات التراجيديا. ما زالت بعض آثاره موجودة في أثينا .


ماذا أيضاً تعرف عن التراجيديا يا تومي ؟

تثاوب والتفت نحو المسرح يوهمني أنه يتأمل باحثاً عن إجابة لسؤالي !

: ( تحكي مأساة الناس بطريقة تُضحك الناس على مأساتهم ).!

هذه هي التراجيديا..

أنتم أيها البشر تعالجون سخطكم بالضحك عليه! مجانين . 

مجانين يا تومي !! إلا أنهم أوفياء لكم لكم ! وبطبيعة الحال تعاملونهك بالمثل وهذا طبعكم.

نحن مضطرون، يقول تومي. أصبحنا نجد رغد العيش وكرامتنا مع عوائلكم الممزقة.. مع كل حبيب فقد حبيبه. مع كل عجوز تنتظر أولادها كل سنة مرةً أو مرتين.. لتحكي لهم قصتها معي، أنا المسلي الوحيد للوحيدين. وأنا الصاحب لمن لا صاحب له.

كم أنتم ممزّقون.. وكم نحن أوفياء لكم. فشتاتكم قد ساهم في الالتفات لنا ورعايتنا بشكلٍ لا تتخيله. أتعلم أن صاحبي يعاقب لو لو يخرجني إلى الحديقة ؟


ماذا تسمع ؟ تضع سماعتيك لتسمع موسيقاك الخاصة وتترك الفن الحيّ أمامك ! سألني .

أحترمه يا تومي.. لكن لا أحترم من يشاهدونه الآن؛ إنهم يصفقون لها وهي تبكي.!

هي لا تُمثِّل ! هي تحكي حقيقةً ما.. حقيقة مخفية عن سطحية البشر.. انظر إليها وهي تمسح دموعها، إنها دموع حقيقية.


سأخبرك يا تومي شيئاً.. نحن العرب نشبههم قليلاً.. هم يصفقون لمن يبكي على المسرح، ونحن نصفّر ونصفق معاً للشعراء الذين ينشرون غسيل أحزانهم على الملأ .

لنا شاعر فقد وطنه، وكان الناس يصفقون عندما يذكر الحنين إلى وطنه، عندما يذكر ألمه؛

كانت مصر تريد أن تكرمه بكونه أحد أدباء العصر، وكتب بهذه المناسبة 40 بيت عن مصر، وأنشد في مطلعها :

رَتـِّـلْ قـَصـيـدَكَ كالآيـاتِ تـَـرتـيــلا
واجعَـلْ حروفـَـكَ مِـن ضَـوءٍ قــَنـاديـلا
وَقـَبِّـل ِالأرضَ، كلَّ الأرضِ، تـَقـبـيـلا
فـأنـتَ تـَسـتـَقـبـِلُ الأهـرامَ والـنـِّـيـلا!

الله.. الله ما أعظمها. هو عراقي الأصل بغدادي الهوى، يلقّب بشاعر العراق الكبير والمتنبي الأخير، وهو كذلك. 

كتب هذه القصيدة وهو في المنفى، في المهجر، في غرب غرب العالم، في أمريكا.

سألته أم خالد -زوجه- بعد أن كتبت هذه الأبيات العريقة عن مصر؛ أنسيت بغداد .؟

هنا انفجر يبكي وكانت الدموع على شكل قصيدة، وقال :

نـَسِيتَ بَغـداد؟.. قالـَتْ لي، فـَجَـفـَّلـَني
سـُـؤالُ زَوجَـتيَ الـمَـذبـوحُ تـَجـفــيـلا
نـَسِـيتُ بـَغـداد؟!.. وَيْـلـُمِّي وَوَيْـلَ أبي
لـَو لـَيـلـَةً بـِتُّ عـَن بـَغـداد مَـشـغـولا
إنـِّي أُشـاغـِلُ رُوحي عـَن مَـذابـِحِـهـا
كـَي لا أصيـرَ مـَعَ الإدمـان ِ مَخـبـُولا

تعلم يا تومي كيف كانت ردّت فعل العالم العربي ؟ صفقوا وزغردوا عندما سمعوها بلسانه ! أليس من المفترض أن نبكي معه، أن نشاركه هذا الألم ؟ هذا الشعور ؟ فالوصف هذا يُحفر في جدار التاريخ..

بعض القصائد -كالتي ذكرتها- لا تجعلك إلا أمام خيار واحد فقط، أن تكون أنت الشاعر ! بفقده وألمه ومشاعره؛ فإن هو بكى فأنت تسابق دمعاته، وإن هو أضحَك فأنت أول الضاحكين...

يتجسد أمامي بيت من بيوت الأدب الخالدة في الرثاء، فالجواهري يرثي زوجه أم فرات، ويصف حاله:

بَكَيْتُ حتى بكا مَنْ ليسَ يعرفُني
ونُحْتُ حتىَّ حكاني طائرٌ غَــرِدُ

أتعلم يا تومي.. أسحب كلامي حول التشابه! نحن نصفق لأن الوصف المذكور عبّر عن ذكرى محفورة في الأذهان لم نستطع البوح بها. ليس خوف من الآخرين، بل لأننا لا نستطيع. 

فنحن نصفق لأن الفن استنطقنا.

تومي




  • 2

  • محمد الشثري
    خرّيج إدارة .. وأرى التأمل أسلوب حياة .. والقراءة فرضُ عين! .. والكتابة سعي للبقاء .. وأحاول أن أعيش أكبر قدر ممكن من التجارب ..✨
   نشر في 24 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2019 .

التعليقات

إسراء منذ 2 شهر
الله ..
أبكيتني علي حالنا نحن العرب .. او ربما لاني اري هذا كثيراً و خاصة هذة الفترة في بلدي .
شكراً لجهودك وكل التوفيق لك.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا