آفة كرة القدم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

آفة كرة القدم

أفيون سرى في عروق الكثيرين فصدهم عن ذكر الله و عن الصلاة

  نشر في 02 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 يونيو 2019 .

لا ينتطح عنزان في كون الإنسان يولد سليما من كل عادة سيئة، و أنه يبقى المسؤول الأول عن إدمان كل خبيثة. فمدمن السجائر الذي يَرى عدم استطاعته تركها و ربما يصل به الأمر لأن يفطر عليها في رمضان بدل التمر و الماء، كان في بدايته سليما منها مستغنيا عنها. و ما دفعه إليها في الغالب إلا رفاق السوء و حب الاكتشاف و الرغبة في التميز و لو بالسيئات، و ضعف الوازع الديني مع قلة التفكر في عواقب الأمور. و لك أن تقول مثل ذلك في صاحب المخدرات و شارب الخمر، و كلها محرمات لا يشك عاقل في حرمتها. و لكن ماذا لو أدمن المرء أشياء قد يبدو أمرها هينا بل قد تبدو نافعة بادئ الرأي ؟

إدمان متابعة كرة القدم

إن كرة القدم رياضة من الرياضات، و الرياضة في حد ذاتها أمر مطلوب يقوي البدن و يشحذ الهمة و يزيد النشاط. و فوائدها كثيرة جمة. و لو أن كرة القدم تحديدا تعرض ممارسها لإصابات خطيرة على مستوى الكاحل و الركبة و غيرهما من المفاصل. و لكن المشكلة التي أود مناقشتها هي مشكلة أولائك الذين لا هم لهم في هذه الحياة الدنيا سوى متابعة كرة القدم و التفرج على ممارسيها. فتجد أحدهم متابعا للدوري الإسباني و الإنجليزي و الإيطالي و الفرنسي و غيرها من الدوريات الأوروبية.و حتى الدوري المحلي ذو المستوى الرديئ لم يسلم من متابعته. و تجده يحفظ أسماء اللاعبين فردا فردا، و أسماء نواديهم السابقة كلها و تواريخ انتقالاتهم و أسعار انتداباتهم و مبالغ شروطهم الجزافية و كل ذلك علم لا ينفع و الجهل به لا يضر.

هزمناكم هزمناكم

و تجد أحد هؤلاء مشجعا لفريق معين متعصبا غاية التعصب له، لا يفوت إحدى مبارياته و لو أقيمت الصلاة و هو يسمع. و تمر عليهم و قد ملؤوا المقاهي و هم يتجادلون فيما بينهم أن غلبناكم في العام الفلاني و ربحنا الكأس الفلانية و اشترينا اللاعب العلاني و تجد أحدهم يتكلم و كأنه رئيس النادي و صاحب الملايين و المسكين لا يملك من تلك الأموال فلسا واحدا. و لا يملك من متابعته فريقه إلى بعض لحظات فرح غامر بين أزمنة حزن طويل.

قبل المباراة

و إنك تجد هؤلاء المساكين، و إنهم لمساكين نرجو لنا و لهم العفو و العافية، يتقلبون في دوامة لا يستطيعون الخروج منها إلا أن يشاء الله. فتجد المتابع قبل المباراة و قد استقى كل ما يستطيع من معلومات حول الفريقين و شاهد البرامج التحليلية التي تسبق المقابلة، و بالمناسبة فإني أجد منظر المحللين و هم ببدلاتهم الأنيقة و ربطات عنقهم الجميلة و هم يعلقون على مجرد لعبة لن تقدم الإنسانية إن لم تؤخرها منظرا في قمة التناقض. فإذا رأيتهم و هم يحللون قبل أن تسمع كلامهم يخيل إليك أنهم يناقشون موضوعا سياسيا هاما، أو يحلون معضلة اقتصادية كبرى بينما الأمر أتفه من ذلك و أقل من أن تلبس له البدلات.

و بينما يستقي معلوماته حول الفريقين و المباراة فإن هذا المتابع يزيد شوقه شيئا فشيئا لانطلاقتها حتى يصل به الأمر لأن يلغي كل مواعيده التي توافق موعد المباراة، بل حدثني سائق أجرة أن له زميلا متابعا لأحد النوادي الإسبانية، يتوقف عن الكسب و طلب الرزق بسيارة أجرته ساعتين في كل مباراة يخوضها فريقه، حتى يتسنى له الاستمتاع بكل لحظة من لحظات تلك المباراة. و أنا هنا لست أمنع الاستمتاع بما هو مباح، إن كان مباحا فعلا، و لكن من يجلس في المقهى و لا يأبه لحي على الصلاة و حي على الفلاح و هي ترفع فوق رأسه لفي غفلة عظيمة نسأل الله العافية منها و من كل سوء.

أثناء المباراة

فإن جاء موعد المباراة و وصل الشوق لذروته و انطلقت أطوارها وجدت هذا المتابع يعيش التوتر الشديد و ضنك العيش و تسارعت نبضات قلبه، و احمر وجهه و دارت عيناه و علا صوته . كلما هاجم فريقه صرخ و كلما هوجم فريقه أصابه الرعب. و منهم من يسأل الله في هذه التفاهات و منهم من يحاول أن يصيب الخصوم بعينه. فإن سجل فريقه انفجر صارخا كأن القدس قد حررت. و إن تلقى فريقه هدفا أصابته الحسرة و خيم عليه الحزن و الوجوم و انتقد المدرب و اللاعبين و رئيس الفريق. و منهم من يسب و يشتم و العياذ بالله. و منهم من يرسل لك نتيجة المقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي أولا بأول. مزودا إياك بتعليقاته الهامة و تحليلاته الفذة.

بعد المباراة

و بعد انتهاء كل مقابلة ينقسم هؤلاء المتابعون المدمنون إلى قسمين: قسم انتصر فريقهم أو حقق النتيجة المرجوة، فهم منتشون بانتصار فريقهم و نسب الدوپامين عندهم قد بلغت أقصاها. و قسم فشل فريقهم في تحقيق ما كانوا يصبون إليه، فتراهم غاضبين حانقين حزينين. لا يستمتعون بأكل و لا شرب و لا نوم. و الملحوظ أنه مهما كان الفريق قويا فإنه لا محالة شارب من كأس الهزيمة ، و أتباعه لا بد متحسرون، و كلما طالت مدة هيمنة فريق على الساحة، كلما كان لسقوطه دوي أكبر. فترى متابعيه و قد تواروا من القوم من سوء ما بشروا به. و منهم من يطلب من رئيسه في العمل عطلة حتى يتجنب الوقوف أمام خصومه المنتصرين بوجه مكشوف.

خاتمة

و يبقى الحل للخروج من هذه الدوامة التي ينتج عنها إضاعة الأوقات في ما لا نفع فيه و الانشغال عن ذكر الله و عن الصلاة و عدم إيفاء الأولاد و الأهل حقوقهم في الصيانة و الرعاية و تعريض البدن لأمراض القلب و الشرايين و اكتساب سوء الخلق هو الاستعانة بالله العظيم و المواظبة على الصلاة في المسجد فإنك قلما تجد مباراة لا يتخللها وقت صلاة. فإن واظبت على الصلاة في المسجد وجدت أنك لم تر من المباراة إلا شوطا أو بعض شوط. ثم بعد ذلك تتدرج في الزهد إلى أن تصل للحد الذي تصبح معه نهاية كأس العالم لا تشكل لك أي إغراء و لو كان فيها منتخبك الوطني. و هذا لا ينفي أنك متذوق كروي تستمتع بالمستوى الكروي الممتاز إن حصل و رأيته. و لكنك في ذلك كرجل يحب بعض الفواكه الاستوائية، فإن وُضعت في مائدته أكل منها، و إن لم توضع لم يسل لعابه شوقا لأكلها كأنه امرأة حامل في شهرها الثالث.


  • 2

   نشر في 02 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 يونيو 2019 .

التعليقات

أزلية بوشعيب وبوعزة لم تترك مكانا
1
ياسين اشبان
قرأت بعض قصص أبي شعيب و أبي عزة و الذي فهمت أن أحدهم مدريدي و الآخر برشلوني. فهما يمثلان الأغلبية الساحقة لهؤلاء المدمنين.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا