الممثل البارع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الممثل البارع

قصة قصيرة

  نشر في 16 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 أكتوبر 2019 .

المكان: إحدى قاعات الطابق الثاني في كلية الطب.

الزمان: العاشرة صباحا.

    "هل لدى أحدكم أي سؤال؟" خاطب أستاذ ليث طلابه بعد انتهاء المحاضرة. تناولت محاضرته كيفية إبلاغ المريض أو أحد أقاربه بالأخبار السيئة، كأن يفاتحه الطبيب بحقيقة إصابته بمرض خطير لا يرتجى شفاؤه. وهذه مسؤولية مهمة تقع على عاتق الطبيب، وتتطلب منه معرفة بقواعدها، ومهارات تواصل جيدة، لما تنطوي عليه من لحظات حرجة ودفق من المشاعر.

       يبدو أن لا أحد يود أن يسأل شيئا. قال الأستاذ: "حسنا إذن، سنقوم الآن بالتمثيل. سوف تأدون دور الطبيب وهو يقوم بإبلاغ خبر سيء لمريضه بحسب القواعد والمعلومات التي عرضتها لكم. نحتاج شخصين، أحدهما طبيب والآخر مريض، من منكم مستعد؟" نظر الطلاب إلى بعضهم، وبعد أن سرت بينهم همهمة، رفع أحمد يده. كان أحمد من الطلاب المتفوقين في صفه. "تفضل يا بني، ما اسمك؟" سأل الأستاذ. "أحمد يا أستاذ."، "حسنا أحمد، من ينضم إليك؟"

       ولما لم يبد أحد استعداده للمشاركة، قال أستاذ ليث: "هيا ما بكم؟ الأمر بسيط. ألم أشرح لكم الموضوع للتو؟" ولكن لم يرفع أحد يده أيضا. "في هذه الحالة، سأختار أنا واحدا منكم." مر ببصره على الجالسين من الطلاب والطالبات حتى استقرت عيناه على أحدهم، وقد كان جالسا في الصف الأخير. "أنت يا بني، ما اسمك؟"

_أنا يا أستاذ؟

_نعم أنت.

_عادل. أجاب الطالب بارتباك.

_تفضل يا عادل لتشارك زميلك في التمثيل.

       تقدم عادل بتكاسل، شاعرا بعدم ارتياح تحت ثقل نظرات أستاذه وزملائه إليه؛ فقد كان شخصا خجولا قليل الكلام.

      اتفق الاثنان على أن يقوم أحمد بدور الطبيب، وعادل بدور المريض. "ما نوع الخبر الذي سأبلغه للمريض يا أستاذ؟" سأل أحمد. "لنر الآن..." وأطرق الأستاذ قليلا ليفكر، ثم أضاف: "فليكن عن السرطان. عادل يعاني من أعراض مزمنة مثل خروج الدم مع البراز، اضطراب في حركة الأمعاء، وآلام في البطن، كما يلاحظ فقدانه للوزن خلال مدة قصيرة. يقوم باستشارتك، وبعد عدد من الفحوصات، يتبين وجود ورم في القولون من أمعائه، فتخبره بضرورة إجراء تنظير للقولون وأخذ عينة للفحص النسيجي. تظهر النتائج أنه ورم خبيث. تستلم أنت النتائج من المختبر وتتولى مهمة إخباره."

وهكذا اتخذ كل منهما مكانه أمام الطلبة. افتتح أحمد الحوار:

_السلام عليكم، كيف حالك يا عادل؟

_وعليك السلام دكتور، الحمد لله.

_لقد تسلمت اليوم نتائج الفحص النسيجي الذي أجري لك، ولدي ما أود مناقشته معك بشأن ذلك.

وهنا بدت على وجه عادل ملامح القلق تماشيا مع الموقف.

_قل لي يا دكتور، ماذا تبين في الفحص؟

_قبل ذلك، هل تود أن يكون أحد أهلك معك أم تفضل أن تسمع وحدك؟

_لا داعي لذلك، أفضل أن أكون وحدي. أرجوك قل لي ماذا هناك؟ لقد أقلقتني.

عند ذلك، اعتدل أحمد في جلسته وقال:

_يؤسفني أن أبلغك أن النتائج غير سارة. ثم صمت قليلا ليهيئ عادل لسماع القادم.

_لقد كنت تعاني لفترة طويلة من خروج الدم مع البراز، ألم في البطن، و...

_أرجوك يا دكتور! قل لي ما هي النتيجة؟ لا تطل علي الأمر.

لاحت ابتسامة على وجه الأستاذ إعجابا بأداء كلا الطالبين. لقد أجادا التمثيل.

_لقد تبين من خلال الفحص النسيجي لأمعائك أنك مصاب بالسرطان...سرطان في القولون، أنا آسف جدا.

أشاح عادل بوجهه جانبا، محاولا إظهار علامات اليأس على ملامحه.

_هل أنت متأكد من ذلك؟ لا أصدق أن هذا يحدث لي! لا أصدق!

        اكتفى أحمد بالصمت؛ إذ يقتضي الأمر أن يفسح الطبيب لمريضه في مثل هذه المواقف وقتا كافيا لكي يستوعب الخبر ويتفاعل معه، بدل أن يقوم بالأخذ والرد معه في الكلام؛ ففي تلك اللحظة العصيبة، لن يسمع المريض أو يفهم أي شيء يمكن أن يتفوه به الطبيب.

ولما طال الصمت، قام عادل وهز أحمد من كتفه بعصبية.

_لم لا تجيب؟! هل أنا مصاب فعلا بذلك المرض؟

       وقف أحمد بدوره وهو يغالب ابتسامته، لكي يهدئ من سورة غضب عادل، وحثه على الجلوس. لقد كان أداء عادل متقنا حقا وكأنه مريض حقيقي.

_للأسف، ليس هناك شك في صحة النتائج.

أخفى عادل وجهه بين كفيه ليبين مدى تأثره.

_إذن لقد دمرت حياتي.

       قال ذلك ثم قام مرة أخرى واتجه صوب الباب. "إلى أين أنت ذاهب؟" قال له الأستاذ. لكن عادل لم يعره بالا، بل فتح الباب وخرج. ضحك بعض الطلاب لغرابة تصرفه. "ربما صدق أنه مصاب بالسرطان!" قال أحدهم مازحا. خرج أحمد وراءه لكي يفهم ما الأمر.

_توقف! عادل لا!

      سمع الجميع صرخة أحمد المذعورة وهو يشاهد زميله يقفز من فوق الدرابزين ويهوي إلى الأسفل.



   نشر في 16 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 أكتوبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا