رسالة الي ميت ....... كان مريضي وأنا قاتلته - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسالة الي ميت ....... كان مريضي وأنا قاتلته

كان مريضي وأنا قاتلته

  نشر في 07 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

يقطع الموت علاقتنا بكل شيء بالحياة.... بالأهل, بالأصحاب وبالأحباب. يقطع كل ما كان يربطنا بما هو علي قيد الحياة. وبعد أن مات فلا أملك ٳلا أن أوجه له رسالة, قد تكون رسالة اعتذار أو هي بالفعل كذلك. مات وعلي يدي وبين راحتيها, لم يكن خطأ طبي ولا ميتة ربانية; بل قتل بفعل فاعل.

أردت فقط أن يبقي حيا, أردت أن أسعده, وما كنت أعلم أن اكسير حياته سيصبح يوما في وجهه سلاحا: يجرحه, يدميه فيقتله. هذا السلاح لم يصبه من الطعنة الأولي فأودي به; بل طعنه مرات ومرات, أبكاه وأدماه وتلذذ بتلك الطعنات وكأنها أهدافا أحرزها وانتصر, سعد كثيرا بلون دمائه وضحك أكثر علي أنينه. دموع ذلك المطعون لم تكن ٳلا محل سخرية واستهزاء, وما كانت علي صاحبها بهينة, بل كانت سياطا تحرق جسده وتؤلم ضلوعه. بين تلك الضلوع ينبض قلبا هو لجلاده عاشقا, آلامه لم تكن هوانا ولا ضعفا بل كانت حزنا علي حب يدمي ويحترق فٳن أصبح يوما رمادا فكيف العيش بدونه.

جاءني المريض واشتكي لي همه ووصف لي آلامه, دموعه كانت دليل علي معاناته ونظراته كانت لليأس عنوانا, وكان رأيي أنه لا هوان ولا استسلام ووصفت له دواءا هو من وجهة نظري الأفضل وسيداوي شكواه, صاحب الأمل لا يستسلم بسهولة.

و لأن الألم لم يقتل بداخله الأمل بعد ,فقد تمسك به والتزم بالدواء الذي وصفته له. لكن وللأسف بمرور الوقت لم يعد الدواء ٳلا مسكن خفيف لآلامه. عاد المريض يشكو لي مرة تلو الأخري, فكنت أواسيه لأبث الأمل فيه بأن تعبه ليس مزمنا, كان رأيي أنه عارضا ولن يستمر طويلا وأنه ٳلي زوال ....... حتما الي زوال. وضعت مريضي ولكثرة شكواه علي هامش تفكيري, ولم أعتن به فقط أستمع ٳليه ٳذا ما جاءني شاكيا وأواسيه حين أراه باكيا وٳذا ما ارتسمت الهموم علي وجهه الجميل خففت عنه بمسكن جديد.

تجاهلي لمريضي لم يكن ٳلا وسيلة كي أهرب من سماع شكواه لعله يتوقف عنها, بدأت أستمع اليه بدون اهتمام, ثم عمدت الي الابتعاد عنه ووصل الحد أني كنت أتهرب منه فلم أعد أستطيع الٳنصات له ولشكواه, ومالي بوجع لا يزدني ٳلا ألما وهما. فمن حبي له كنت أعاني معه وأحزن معه وكأني أتلقي طعنات مثله. أقنعت نفسي أن وجعه ليس بوجعي وألمه ليس بألمي وأني لا يجب أن أعاني لمعاناته وأشاركه قصته الحزينة. ابتعدت وركزت أكثر علي مرضي آخرين هم أولي بي منه وفي حاجة ٳلي مساعدتي. تركته يتألم وحيدا, يعاني الألم ويصارع الأيام القاسية وما كان بوسعي ٳلا أن أتركه ينساني, فمحل أوجاعه ليس بعنواني.

فمات............

مات المريض صريع الألم, بكل هدوء وفي صمت, لم يوعجني ولم يزعجني, انطفأ نوره وسكت لسانه وتوقفت أنفاسه. كان لكبريائه هيبة لم أعهدها ٳلا بوفاته, ذلك الكبرياء الذي منعه أن يستنجد بي ليبقي علي قيد الحياة. ففضل أن يموت ويذهب الي السكينة الأبدية, مات بسكينة الألم. تلك التي أودت به بطعنة قاتلة لم يعد بوسع مريض السنين أن يتحملها, وكان يعلم أني لن أنقذه منها وقد تعبت مثله من الطعنات. نعم تلك هي الحقيقة وليس بدفاع عن ذنب ارتكبته, طاعنه طعنني قبله, ٳكسير حياته هو نفسه ٳكسير حياتي, الطعنة التي أودت به انشق لها صدري وكيف لا? فدمه لم يكن عليا هينا فهو دمي.

احكموا ٳغلاق أبواب قلوبكم فليس كل العابرين يستحقون سكنتها, اهتموا بها وانصتوا اليها ٳذا ما اشتكت, تعبت أو تألمت فهي إن تألمت أوجعتكم وٳن ماتت هلكتم بعدها. رسالتي صادقة وٳن كانت ٳلي ميت, فالميت قلبي وأنا الطبيبة, أنا قاتلته.

لك مني ألف اعتذار.

لك مني ألف اعتذار, لأني خذلتك فأنا قبلك سرت بطريق الخذلان.

لك مني ألف اعتذار, نزف جرحك وأنا جريحة أعجز عن تضميد الجراح.

لك مني ألف اعتذار, قتلك لم يكن خطأ بل عمدا, وأنا تاركتك بيد من هو ليس بانسان.

هو قلبي وأنا له اسفة, فلم أكن أعلم أني يوما سأصبح قاتلته, وها هو قد سكن وارتاح.

أميرة أحمد


  • 5

  • أميرة أحمد
    طالبة دكتوراة في تخصص اللغة الفرنسية وآدابها
   نشر في 07 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

قمر بدران منذ 4 شهر
ما زال هنالك مايستحق الحياة يا سيدتي.
من منا لم يُخذل، يُطعن، ينزف حتى يظن بأنها أنفاسه الأخيرة، وأنه الآن سيفارق الحياة؛ لكن رحمة الله في القلوب واسعة، يبعث الحياة فينا من خيث لا نحتسب، فندرك أن ما يستحق الحياة لأجله أعظم وأكبر مما كنا سنموت بسببه.
تحياتي لقلمك الجميل رغم ما نزف من ألم.
2
أميرة أحمد
احترم تعليقك جدا واعجبني قلمك وصرحت بذلك وعلقت بين أصدقائي بان قلم التعليقات موهوب اكثر من قلم المقال.
احترامي لك وتحياتي
حنين ذكرى منذ 4 شهر
و لتعلمي يا صاحبة ذلك القلب الميت بجراحه ثم بإهمالك...فلتعلمي أن الله يحيي القلوب بعد موتها... و أنه يبعث فيها روح الحياة..فأنا أقول لك بدل رسالة الرثاء هاته.. التمسي القرآن نورا و اقرئي آيات الطهر على قلبك... فالقلب بيد الله إن شاء أحياه.... أتمنى أن أقرأ لك عاجلا خبرا بعودة قلبك للحياة...
2
أميرة أحمد
تحياتي لرايك
كلما امسكت بالقلم استطردت في سرد خواطري
اتمني محاكاة موضوعات أخري واتمني ان تكون الفضفضة علي الورق وسرد الخواطر طريق لبداية اخري
اشكرك وتحياتي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا