على هذه الضّفّة من العالم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على هذه الضّفّة من العالم

  نشر في 06 فبراير 2018 .

في البدء كان الغليان الصّامت

تحديدا للموقع، نحن في بلادٍ يظنّ البعض من أهلها أنّها وُلدت من جديدٍ مؤخّرا و يظنّ البعض الآخر أنّها تسير نحو حتفها. و ما بين الولادة و لُقيا الحتف، تتصارع الأحداث و تتعقّد الأحوال على نغمة ما لا عينٌ رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على بالِ حكواتيّ.

بعد يومٍ طويل، حان وقتُ إغلاق المكتب و التّوجّه للبيت. لقد اضطرّت السّيّدة "لبنى" أن تُعالج على امتداده بعض الملفّات العالقة و الاستعجاليّة بمفردها، في الوقت الذي تجاوزت فيه مدّة إضراب عدد معتبر من زملائها بالمرفق العموميّ الذي تعمل به الأسبوع، حتّى تعطّل ما تعطّل من مصالح و تراكم المتروك من مهامّ. و طبعا، نفد صبرُ عدد لا بأس به من المواطنين المعنيّين فافتعلوا ما استطاعوا من ضجّة و زادوا طين الأجواء المشحونة بلّة.

في طريق العودة، هاهي ترجعُ إلى السّيّارة و قد استشاطت غضبا، ترغد و تزبد وهي لا تصدّق أنّ قتّة اللّفت قد قفزت إلى السّقف حتّى أحدثت فيه ثقبا و اعتلته. ذاك اللّفت ذا الطّعم القاسي المنبوذ، الذي بالكاد تقدر على إقناع أفراد العائلة بتناوله لفرط نفورهم من مذاقه؛ متوسّلة خطاب القواعد و المنافع الصّحّيّة المعروف. لقد صارت القتّة بدينار و سبعة مائة ملّيم. و لو لم تسبق بائعة الخضار اعتراضَها بتقطيع اللّفت و تجهيزه لكانت تركته لها و خرجت. فالأمر فاق الحدّ؛ غلاء الأسعار صار لا يُطاق البتّة و أضحى يتحدّى المقدرة على التّحمّل بل على الحفاظ على سلامة المواطن العقليّة حتّى. و ما إن أغلقت الباب و همّت بمواصلة سيرها حتّى رنّ هاتفها الخاصّ. كان الاتّصال من ابنها "مجد". أخذ يقصّ عليها ما أصابه في اللّيلة السّابقة. و كانت اللّيلة الوحيدة التي سهت أن تتفقّد فيها وصوله إلى البيت مع آخر النّهار، بعد أن فعلت أوّل المساء فوجدته لا يزال في الكلّيّة.


مجدٌ يُسرق بهدوءٍ

بينما كان "مجد" عائدا للبيت، مع آخر ساعات نهار اليوم السّابق، اعترض طريقه ستّة أنفار، في عمر الشّباب. عرف من هيئتهم أنّهم يبحثون فيه عن غنيمة. فتعمّد أن لا يدخل معهم في احتدام. قدّر أنّه لا طائل من المخاطرة بالمواجهة؛ ستّة مقابل واحد. ألقى عليهم السّلام و أخرج ما لديه كما طلبوا و سلّمه إليهم ثمّ ذهب كلّ إلى حالِ سبيله، بـ"الحسنى". سار نحو عمارة سكناه على بعد خطوات فاعترضه الحارس مغتاظا. قال أنّه يعرف أين يسكن أحد أفراد العصابة. و رافق الشّابّ نحو الطّريق الرّئيسيّة حيثُ وجدا دوريّة شرطة بصدد التّمشيط. حضرت على عين المكان بعد أن بلّغ الكثيرون عن سرقات و مداهمات في نفس المنطقة بنسقٍ جالبٍ للشّكوك، فاق المعتاد. قضّى الجميع ساعاتٍ من اللّيل في مركز الشّرطة، و المشتبه بهم يتهاطلون فرادى و جماعات. كان يكفي أن يقع أوّلهم و يرتبك قليلا حتّى تنفجر منه المعلومات مع أصغر وسيلة ضغطٍ تواجهه.

لم يشأ صاحبنا أن يُقلق في الحينِ راحةَ عائلته التي أرسلته للدّراسة في العاصمة، ما دام لم يُصب بمكروه. و بعد طويل أخذ و ردّ، بينه و بين نفسه، في مقامٍ جللٍ و تحت طائلةِ نفسيّةٍ مندهشة و غير مستوعبة بعد على الأغلب، قرّر أن يتّصل بأخته الكبرى، التي لم تجب عندما رأت الرّقم غير المسجّل لديها، خصوصا و قد تجاوزت السّاعة منتصف اللّيل. عندما استفاقت فزعةً على صوت الرّنين، قفز لذهنها فورا أنّ أخاها قد يكون في مأزق. قرّرت أنّها ستجيب إذا ما أعاد الاتّصال ثانية. و لكنّه لم يفعل.


مستقبلُ "الشّعب العميق"

بعد مرور ساعات، أتت والدة السّارق لمركز الشّرطة تجرّ أذيال الخزي و المسكنة. الوالدات هنّ دائما من يجدن أنفسهنّ في مأزقِ التّعامل مع ما لا يمكن التّعامل معه. أنجبت طفلا منذ سبعة عشرة عام، في بلدٍ تحوّل هذه الأيّام لساحة يفلتُ المجرمون فيها من العقاب أكثر ممّا يُحاسبون بأضعافٍ مضاعفة. فاجترأ مع حداثة سنّه على اختصار مسافات ما يتطلّبه الكسب؛ دخل عالم الكبار من بابه الأضيق. لعلّها قصّرت بالتّأكيد في تربيته. و لم تتمكّن بمفردها من الإحاطة بمسؤوليّة و معنى إنجاب طفل أو أكثر للعالم. و لكن، ماذا يُنتَظر من فتى تفتّحت عيناهُ على الدّنيا فرأت العبث يحكم و الفساد يستحكم في كلّ مجال. و قد صار سَلكُ القويم من السّبل عمليّا، ضربا من ضروب المجاهدة المستحيلة و النّضال الشّاقّ.

بعد أن استعادَ "مجد" ممتلكاته، أمضى على ورقةِ استلامٍ و على إسقاطٍ لشكايته. سيخرج ابن السبعة عشرة عامٍ و قد أفلت للتّوّ من مصيبةٍ محدقة؛ إذ كان سيمضي الخمس سنواتٍ القادمة من عمره وراء القضبان جزاءً على ما فعل؛ تلك القضبان التي تجتمع خلفها اليومَ مدارسُ حقيقيّة؛ تكثّف صناعة الشّرور و الجريمة و يتخرّج منها مرتادوها بدرجات امتيازٍ لافتٍ. يراكمون من خلالها، إضافةً لخبراتهم الفرديّة المبتدئة، أطنانا من الخبرات الجماعيّة المتنوّعة، المكمّلة لما عندهم و الكفيلة بالقضاء كلّيّا على حظوظ استصلاحٍ فعليّ لهم.

قد تكون لدى الفتى فرصةُ ليولد من جديدٍ، الآن. و لكن، هل سيكفي ما عاشه فقط يومًا و ليلة، ليثنيه عن سوءِ حمل مخلّفات وضعه المعيش اليوميّ و عن معاودة الكرّة ؟

و هل سيكفي تدخّل اليد الإلهيّة بلطفها و من ثمَّتَ مشهدُ إعادة الحقوق لأصحابها في الأخير، في سابقةٍ قدريّة، لإخفات صوتِ رغبة "مجد" في الحصول على شهادته الجامعيّة في أقرب وقتٍ ممكن و الرّحيل بلا رجعة ؟


  • 4

   نشر في 06 فبراير 2018 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 5 شهر
اكبر مشكلة ،انني لا استوعب ماحدث ،حينما سقطت الانظمة الفاسدة ،وقيل بانه ربيع عربي ،هلل الجميع ،ولكن ما يحدث هو ان ايادي الاخطبوط امتدت الى ابعد النقاط ،فلم تترك فرصة للاصلاح ،فزادت مستويات الجريمة و تدنى مستوى المعيشة اكثر،وكما ذكرت لم تتضح المعالم اهي ولادة ام حتف،كل ما نرجوه هو ان تتحقق اخر فقرة في مقالك ،بانتظار كتاباتك القادمة ،دام قلمك.
1
آية الإسلام هنيّة
صحيح !
ربّما لأنّنا من فرط حماستنا غفلنا عن معطى الوقت؛ فالبناء و التّغيير الحقيقيّ يحتاج ردحا معتبرا من الزّمن و إرادةً و سعيًا. و لا يأتي بسهولةٍ قدريّة أو من تلقاء نفسه. و لا هو يتمّ بين ليلةِ "ثورةٍ" و ضحاها ..
شكرا جميلا لمرورك و تفاعلك !
آيــة سمير منذ 5 شهر
كم أنت مبدعة آية؟! بل إن مبدعة قليل عليك.
قرأتها بكل حرف و بكل إحساس فيها و تنهدت.
شكراً لك.أتمنى أن أرى مقالات أخرى قادمة.
0
آية الإسلام هنيّة
ممتنّة جدّا لتفاعلك، أيّتها الجميلة .. إبقَيْ بالقرب !

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا