أعلى..أعلى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أعلى..أعلى

  نشر في 07 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 أكتوبر 2018 .

أتعامل مع كياني بصيغة الجمع منذ طفولتي. لا أدري إن كان هذا نظراً لتأثري الشديد منذ الصغر بمشاهد أطقم السفن في الأفلام، حينما يقول الربان "سرعة أعلى" فيصيح الطاقم فرداً بعد فرد، كقطع دومينو متراصة، في تتابع لطالما راق لي "سرعة أعلى.. سرعة أعلى"

ربما ليست مجرد مشاهد الأفلام.. فجارنا ،في طفولتي، كان مهندساً على سفينة. كان أحد هؤلاء الذين ينفذون أمر (السرعة الأعلى)، كان يرى العالم، كان يسافر الى اليابان، زوجته العزيزة كانت تقولها ببساطة حينما يسأل أبي عنه "إنه في اليابان"، ولا تدري أنها أفلتت في عقل الطفل الذي كنته إعصاراً من الخيال. اليابان، لا شك أنها بعيدة، وغريبة جداً. كانت أصابع الكابوريا المخلية، التي يحضرها من هناك، تعطي نكهة بحرية لذيذة ومخلية لليابان دوما حينما تُذكر.

حينما تقول "إنه في إيطاليا، سيرجع سريعا" أستنتج أنها بلاد قريبة، لأن بطلي المغامر سيرجع قريباً، بطوله الفارع، وشاربه الكث، ولدغته المميزة في حرف السين. كان بطل المغامرة وكان أبي بطلاً لإستقرار ضروري.

جاري العزيز يقول وراء الربّان "عشر درجات لليمين" بأعلى صوته، ثم يتردد صدى الجملة، وتبعد، وتبعد، حتى تخفت، وبعد قليل، يشعرون بميلة خفيفة في المسار، تقربهم للوطن، حاملين كابوريا مخلية، وأعاجيب أخرى، يذهلون بها أطفالاً في الوطن فاغري الأفواه من الدهشة، مغيرين أحلامهم الى أن يصبحوا بحّارة يوماً ما، ويتحدثون لأنفسهم وكأنهم طاقم سفينة.

لا اعلم ألكل هذه الأسباب أتعامل مع كياني بصيغة الجمع، أم فقط لأن هذا يعطيني شعوراً بالونس!

على كل حال في الصباح، لكي ألحق باص العمل، أقول "سرعة أعلى" فأسرع في إرتداء ملابسي وأنا أغسل أسناني في نفس الوقت، أقول وأنا في الشارع، والماء على رأسي لم يجف بعد من فرط سرعتي وينساب على أكتاف التيشيرت " لحقناه بالكاد".

في العمل إذا تعرضت لتحد صعب، أقول "مجهوداً أكبر" وتتابع الصيحات بداخلي وتتضخم. هناك مسئولاً عن التحمل يعمل أكثر، ومسئول الذكاء يحرق فحماً أغزر، حتّى جلادي القوي يتوقف مؤقتا عن السخرية مني وتبكيتي، يشير للطاقم أنه يتفهم، يقول لهم أنه في حالة الخطأ سيسخر بمرارة ولاتلوموني، ومايسترو التنظيم بين جسمي وعقلي يركز بشدة. حتى ما إن ينتهي العمل نقول "كان عملا جيدا،، الله ينور"، ويستعيد جلادي بإرتياح جلسته على الكرسي، يجلس بالعكس دوما، ظهر الكرسي أمامه ويستند عليه بذقنه، قائلا والإبتسامة على وجهه "وماذا بعد،، ستظل متوسطاً رغم كل شئ"

لم يدر بخيالي قط أنها طريقة غبية، لأنها التصقت بي. وقعها علي في الكبر أصبح لا يحتمل، حينما يصيح الطاقم بالكامل، بلوعة جماعية شديدة الوطأة "نحن ضائعون" وأحياناً ورغم تناقض الجملة "نحن وحيدون جداً". اللوعة تتضاعف، وتستدعي فزعاً كان يمكن تجنبه. لا أدري.

حينما نصح المعالج بالكتابة، وجدت أن ما ينساب على الورق جمل مباشرة "نحن وحيدون جداً". الجملة لم ترضِ كبريائي البلاغي للأسف، ولكنها كانت الأصدق، ولذلك كررتها، حتى توالت السطور، وكأنها حجارة أقذفها على صفحة بحيرة من ورق راكد، فترتد الموجات الدائرية لي مرة أخرى بنفس الصوت "وحيدون وحيدون".

في العمل منذ يومين، أرتفعت بالمصعد الجديد لتجريبه، نظرت للأسفل، أمسَك بي مهندساً آخر من قميصي قائلاً "إحذر" ارجع للوراء ستدوخ ونحن على إرتفاع شاهق" ورغم أن الدوار جيد، فهو يسرع القرارات وييسرها، ولكني أعرف أني لن أدوخ، لأني لا اخاف ببساطة.

في طفولتي، تعطلت بنا السيارة أنا وأبي في صحراء الدولة الخليجية في يوم ما، كانت الظلمة تحيط بنا كغطاء صوفي سميك، كنت أنتفض خوفاً من الثعابين والذئاب ، قال لي أبي يومها "ستصبح جبانا" كانت الكلمة لعنة.

"نحن لسنا بجبناء" ظل الطاقم بداخلي يكررها، حتى أصبح لا يهاب، يأكل ما يجده أمامه حينما يجوع وسط تردد الأصدقاء، يحدق من فوق الأسطح العالية ولا يبالي، يصعد المباني والأبراج المتهالكة والزملاء قابعين بالأسفل، يفتح لوحات مفاتيح الضغط العالي، لا يخاف الموت السريع.

وبرغم ذلك، وبرغم أنّي أستطيع أن أصارح أبي الآن بمنتهى الأمانة، بأني أتذكر، وأني أتحرّق لتكرار الموقف معه الآن، وأني سأخرج من السيارة حينئذ وسط الظلمة مشعلاً سيجارة بهدوء، وبلا خوف، إلّا أن سفينتي ترتعب من التيه، ولا أدري تفسيرا لذلك. لا تخاف الغرق، ولكن تخاف الضياع وسط الظلمة، وسط غياب البوصلة، وضياع الشمال من الجنوب. حينها يصرخ الطاقم رعباً، والفزع يسري في أوصالي كصدمات برق تشل حركتي تماماً. ويصبح الغرق، أو الإنسحاق السريع أمام جبل صخري، أملاً بعيد المنال. وسط محيط هادئ، ضبابي تماماً، يتلذذ بإستمتاع بصيحات طاقم سفينة، مفزوع ومنسي، تماماً.



  • 7

   نشر في 07 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 أكتوبر 2018 .

التعليقات

نور جاسم منذ 5 يوم
جميلة جدا!
0
لؤي أحمد
تسلمي يا نور.
محمود حافظ منذ 1 أسبوع
ابهرتنى باسقاطاتك الساحرة
0
لؤي أحمد
شكرا استاذ محمود
مريم منذ 2 أسبوع
راق لى مقالك..راق لى جدا.استعدت معه بعض خيالات الطفولة لدي..ووقع السفر على قلبي الصغير انذاك.
انا ايضا اتحدث بصيغة الجمع...فاقول مثلا افتقدناكم..ننتظركم وهكذا. عرفت فيما بعد انى اتحدث عن نفسي وكل ما تحتويه من آخرين.
لا تخاف ضياع سفينتك...شجاعتك كفيلة بان تجد الطريق دوما.

ننتظر مقالك القادم..
1
لؤي أحمد
شكرا مريم على كومنتك .. أسعدتيني

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا