تونس بين الأزمة والثورة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تونس بين الأزمة والثورة

  نشر في 02 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 08 نونبر 2020 .

مع كلّ يوم جديد تزيد الأزمة من تضييق الخناق على التونسيين. أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وقيمية وتربوية وصحية لم تعرف البلاد مثيلا لها منذ قرون.

وأمام هذا الاحتداد المتصاعد للأزمة يمارس الكلّ سياسة الهروب إلى الأمام والمزايدة. هروب إلى الأمام في الفساد والتداين الخارجي والتديّن والإضرابات وتعطيل الإنتاج والتهريب والإرهاب والجريمة والتحالفات السياسية المشبوهة، بما يعمّق حالة الشلل التام. أغلبنا يشعـــر بأنّنا نسير بخطــى حثيثة نحو كارثة لن ينجو منها أحد. كارثة قد تكون حربا أهلية، أو ثورة جياع بدون أفق سياسي واضح تفضي إلى تفكك الدولة على شاكلة الصومال، أو قد تكون إعلان إفلاس الدولة تجاه دائنيها وتشكيل كوميسيون مالي جديد يؤدّي إلى عودة الاستعمار. ورغم وعينا الحاد بما تعيشه تونس من أخطار محدقة، لا نزال نكابر ونزايد على بعضنا البعض.

نحن في الحقيقة نجني ثمار ما زرعته الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد والعباد، منذ 1956. نظام بورقيبة بصيغه الثلاث التعاضدية (البنصالحية) والليبيرالية (النويرية) والهرطقة الهووية (المزالية)، والمافيوزية العائلية (بن علي والطرابلسية) وتجارب ما بعد 2011 التي تدور جلها في فلك اليمين الديني

المتمعش من الاقتصاد الموازي مرتع الجريمة والفساد والتهريب والإرهاب والمخابرات والغوغائية الشعبية. اتّكأت هذه الصيغ من حكم البلاد على أحزاب ميليشياوية ومنظمات اجتماعية موالية وزبونية رغم وجود نفس نضالي لدى قواعد الاتحاد العام التونسي للشغل.

أنتجت هذه التجارب المتعاقبة تونسيا لا يرقى إلى مرتبة المواطنة، تونسيا عصابيا، دِعِيّا، انتهازيا، عنيفا، جاهلا، متوحّدا، لا يؤمن بالدولة ولا يثق في مؤسّساتها. وهذا التونسي يمثّل اليوم ماركة مسجّلة معروفة ومميّزة عالميا.

هذه حقيقتنا التي يجب أن نفتح عليها عيوننا في المرآة. أزن كلّ جملة أكتبها وأراجعها وأعدّلها حتى لا أجحف في حق أي طرف.

بقدر ما يزعجني حكامنا بوصوليتهم وعجزهم واستبلاههم للناس، يزعجني كذلك المعارضون وقادة المنظمات الوطنية والإعلاميون والنخب الفكرية وأبطال ساحات الاعتصامات الذين يتطاوسون وسط القطعان المتحلقة حولهم مرتجلين خطبا خشبية جوفاء.

حوّل هذا الوضع الدولة التونسية إلى جثّة في طور متقدم من التعفّن والتحلّل. جثة نتنة مسكونة بالديدان.

عندما أتأمّل حال المؤسسات التربوية والمستشفيات وحافلات النقل العام والأسواق ودور الثقافة والملاعب والمقاهي والمطاعم والأرصفة والشوارع وغيرها من المنشآت، أقف بالملموس على حالة التفكك والتلاشي التي بلغناها. وأتساءل في حيرة وعجز: "أي معجزة ستصلح كل هذا الخراب؟"

أيّام دكتاتورية بورقيبة وبن علي، كان المناضل والبطل هو من يصدع برأيه الناقد للوضع ويعلن معارضته الصريحة للنظام. دفع نقابيون وسياسيون حياتهم ثمنا لذلك وقضى بعضهم حياته في السجون. لكنّ ذلك لم يمنع تسلّل بعض المتكالبين على الزعامة وادّعاءهم البطولة.

الغريب أنّه بعد 2011، واصل الكثيرون التمسّك بهذا النموذج للمناضل والبطل، بينما الحرية صارت أمرا واقعا. لم يعد البطل ذاك الذي يقول لا للنظام، لأنّ ذلك صار أمرا متاحا للجميع ولا يكلّف صاحبه شيئا. وقد وصل الأمر ببعض الماسكين بخيوط النظام إلى نقد النظام (تذكّروا حمادي الجبالي أيام كان رئيسا للحكومة، كيف تساءل في حمق وهو يقف على مصب للقمامة: "أين الحكومة؟" تذكّروا عنتريات نواب البرلمان، إلخ.) المناضل الحق اليوم هو الذي يتصدّى للتيار الجامح وللتخميرة الجماعية، وليس من يعارض النظام. ما أسهل أن تقف في الجموع أو تمدّ وجهك أمام كاميرا لتقول الحكومة اليوم مطالبة بكذا وكذا وكذا. معتقدا أنّك ثوري...

الثوري اليوم هو ذلك الذي يملك تصوّرا مكتملا لمجتمع مغاير يعمل على إقامته تأسيسا على نسف كل الموجود من جذوره. والفرق كبير بين من يبلور الفكرة وينضجّها ثمّ يعمل على تحقيقها ومن يكتفي بالمزايدة بمطالب هلامية. أمّا أن ننسف كلّ شيء لنقفز في الفراغ فهذا ليس من الثورية في شيء وهو لا يختلف في النهاية عمّا نشهده من اعتصامات وتعطيلات لمؤسسات إنتاجية، تحت شعار "إمّا أن نعيش جميعا أو أن نموت جميعا".

دعونا من هذا الثوري الذي يفرزه الواقع ولا تصنعه المقالات. وحتى يمكننا أن نراه ونسمعه ذات يوم، سأحدّثكم عمّن يطالب الحكومة بكذا وكذا.

أجزم أنّه لا يمكن أن توجد في تونس حكومة قادرة على تجاوز الأزمة، مهما كان الأفق السياسي لهذه الحكومة، يساريا أو ليبيراليا. لن نستطيع إيقاف نزيف تونس إلاّ متى تحرّكت دواليب أوسع من الحكومة. تونس تحتاج اليوم إلى نموذج تشاركي مواطني. لقد جرّبنا ذلك في الأيام الأولى لما بعد 14 جانفي 2011. مدّ مواطني لحماية الأحياء والمدن وتفويض للنقابيين حتى يسيّروا المؤسسات الإدارية والحكومية. تمّ ذلك في ظرف من فورة الحماس، فسح المجال لتسلل بعض الانتهازيين الذين أساؤوا إلى التجربة وأجهضوا إمكانية أن ترتقي بثورة الجياع إلى بديل اقتصادي واجتماعي يجسّد شعارات الثورة من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية. وسرعان ما فتح الباب على مصراعيه لتتشكل روابط حماية الثورة التي كانت طامعة في افتكاك المكانة الرمزية للاتحاد العام التونسي للشغل فاتّخذت منه عدوّها الأبرز. ثمّ جاءت التنسيقيات البلدية لتكرّس منطق المحاصصة والتوافق في الغرف المظلمة. وتبخّر الحلم... فيما بعد، صرنا لا نشكل هيئة إلاّ إذا قطّعنا أوصالها مثل الذبيحة وفرقناها على الناهشين المتنمّرين.

هذا يمثل للأسف عائقا ذا بال قد لا يساعد على قبول فكرة التشاركية المواطنية اليوم، رغم أنّه لا بديل عن هذه الفكرة إلاّ الثورة العنيفة التي تأتي على الأخضر واليابس.

الدولة اليوم عاجزة تمام العجــز على النهوض بأعباء المدارس والمستشفيات والحدائق والملاعب ودور الثقافة ونوادي الأطفال. لا خيار أمامنا إذا أردنا المحافظة على هذه المرافق إلاّ اعتماد صيغة الشراكة المواطنية مع الدّولة على الأقلّ في الأفق المنظور.

لدينا في تونس معطـــى مهم جدا قد يكون رافعـــة نجاح لمثل هذه الصيغة من إدارة البلاد. يتمثّل هذا المعطـــى في ديناميكية المجتمع المدني وتقاليد العمل الجمعياتي. ولنا في تجربة ضيعات جمنة مثال آخر عمّا يمكن أن ينجزه المجتمع الأهلي لفائدة المحيط المباشر والمجتمع المحلّي.

يمكن التفكير في توقيع عقود أهداف تتكفّل بموجبها الجمعيات بإدارة بعض المؤسسات بدلا عن الدولة.

خــذ مثلا لذلك المدارس والمعاهد. فلو فكّرت كل مؤسّسة تربوية في ربط الصلة مع من مرّوا بها ثمّ تخرّجوا والتحقوا بالحياة المهنية، فكم يا ترى ستتعرّف على طبيب ومحام وضابط سام وسياسي وتاجر ومقيم بالخارج؟ لو طلبت هذه المؤسّسة من هؤلاء التبرّع بمبلغ سنوي لها فهل تراهم سيتردّدون؟ كم ستجمع من الأموال؟ تحتاج هذه المؤسّسة إلى تأسيس جمعية لإدارة هذه الموارد. موارد يتمّ إنفاقها لأغراض التصرف اليومي من شراء مستلزمات تشغيل المؤسسة وصيانة أجهزتها ومبانيها. بل ولِمَ لا يتم استثمارها إذا كانت مهمّة، توفيرا لموارد ذاتية دائمة. أتخيّل ضيعات صغيرة في المدارس تستغلّ للدروس التطبيقية في علوم الإحياء وتنتج خضرا بسواعد التلاميذ ومعلميهم تباع للعائلات القاطنة بجوار المدرسة بأسعار مناسبة فتساهم في مقاومة الوسطاء والمضاربين. لن تتكفل الدّولة إلاّ بأجور المدرّسين فقط. وتتحمل الجمعية الأهلية الباقي من صيانة وتعهد وتجهيز وانتداب عملة للتنظيف والحراسة.

هذا المثال، يمكننا أن نسحبه على مراكز الصحة الأساسية ودور الثقافة والملاعب الرياضية، إلخ. تصير دار الثقافة ملكا للمبدعين فتتحول من دار الثقافة إلى دار المثقفين، يمولون إدارتها من مدخول إبداعاتهم. والملعب ملك للجمعية الرياضية يتعهده اللاعبون والمدربون وإداريو الجمعية.

أليس إقبال الناس على التبرّع لبناء المساجد دليلا على استعداد التونسي للمساهمة بما يستطيع في المبادرات التي يؤمن بجدواها؟ لماذا نقصر التبرّع على بناء المساجد فقط؟

في أوروبا، يقاوم سكان الحي الواحد غلاء الأسعار بتأسيس سوبرماركت يعملون فيه بالتطوّع حسب جدول تناوب محدد. وفي المقابل يستهلكون السلع بأثمان أقلّ لأنّهم يوفّرون فارق اليد العاملة.

في الفلاحة، شاهدت شريط فيديو يتحدّث فيه فلاح من نفطة بألم وحرقة عن إعراض الفلاحين على الانخراط في تعاضدية للخدمات الواحية تتكفل بشراء أغلفة العراجين وصناديق التجميع وتجهيزات أخرى لرش المبيدات وجمع الثمار وخزنها. توفّر التعاضدية كلّ ذلك لصغار الفلاحين بمقابل بسيط يدفعه كل فلاح بدل أن يبقى ضحية لجشع المحتكرين والمضاربين...

منذ أكثر من عشر سنوات (أيام انتفاضة الحوض المنجمي في 2008) وأنا أسمع عن شركات الغراسات والبيئة التي تشغّل جحافل من الشباب وبعبء تأجيري باهض. كم شجرة غرسوها، كم هكتارا استصلحوه؟ كم طنا من البلاستيك جمعوه؟ أسمح لنفسي أن أقول لا شيء دون خشية من الوقوع في الخطأ. لو صدقت النوايا، كنا حوّلنا الجنوب التونسي إلى ريف أوروبي... بأذني كنت أسمع شباب حينا العاملين بشركة الغراسات والبيئة في مدينة أم العرائس يلعبون الورق في المقهى خلال وقت العمل ويتباهون بأنّهم يقبضون كل شهر 500 دينارا (في ذلك الوقت) دون أن يطالبهم أحد بشيء.

وحدها مقاربة الشراكة المواطنية تقضي على ثقافة التواكل والاعتصامات وغلق مواطن إنتاج الثروة. لأنّها تنقل المعتصم المحتج من موقع المُطالِب السلبي إلى موقع المشارك الفاعل والمسؤول. قد لا يكون متبرّعا بمال لأنّه لا مال لديه يتبرّع به، ولكن يمكنه أن يتبرّع بجهده ووقته للبناء أو التنظيف أو الصيانة.

وللمزايدين الذين يرون في هذا كلاما إصلاحيا لا جدوى منه إلاّ التمديد في أنفاس الائتلاف الطبقي اليميني الرجعي الحاكم، أقول أنّ هذا الكلام هو الثورة ذاتها، لأنّ الثورة ليست رصاصا ودماء وشهداء، فذلك أبغض الحلال عند الثوريين التقدّميين المسكونين بالهم الإنساني. إنّما الثورة أوّلا وأساسا أفكار فاعلة في الواقع ومغيرة له...



   نشر في 02 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 08 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا