رحلتي إلى "واحة الغروب" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رحلتي إلى "واحة الغروب"

أضواء على رائعة "بهاء طاهر" الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام ٢٠٠٨

  نشر في 09 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 مارس 2018 .

* من أجمل الروايات التي قرأتها في السنوات الأخيرة من حيث بناء ورسم الشخصيات والأماكن بدقةٍ ومهارةٍ، فقد نجح بهاء طاهر في أن يجعلني أتقمّص وأتعايش داخل كل شخصية من شخصيات روايته، خاصةً مع ذلك الأسلوب المتميز الذي اتَّبعه في سرد أحداث الرواية، حيث لم يجعل السرد على لسان شخصٍ واحدٍ من أول الرواية إلى آخرها - كما هو مُتَّبعٌ في أغلب الروايات - بل جعل كل شخصيةٍ من أبطال الرواية تتناوب السرد من منظورها وزاوية رؤيتها للأحداث، وكأنه – بهذا الأسلوب الفريد - يجعل القارئ يتنقّل في سلاسةٍ من عقل شخصيةٍ إلى أخرى، فلا تشعر أثناء القراءة بأي مللٍ أو رتابةٍ، خاصةً مع قلة الحوارات بين شخصيات الرواية واعتماد الكاتب بصورةٍ أساسيةٍ على "حديث النفس" لكل شخصيةٍ على حدةٍ، وهو ما أعتبره أحد الأسباب الرئيسية في عبقرية الرواية.


* ومثلما نجح بهاء طاهر في رسم شخصيات روايته، فقد نجح أيضًا في أن يجعلني أنتقل بعقلي وخيالي إلى واحة سيوة، وأتعايش مع أهلها الشرقيين والغربيين والأجواد والزجالة بعاداتهم وطبائعهم الغريبة .. أحاول مع "كاثرين" أن أكسب ود أهل الواحة فألقي عليهم تحيتهم "إصباح الخير" فينظرون إليّ باشمئزازٍ ثم يديرون وجوههم عنّي دون أن يردّوا التحية بمثلها .. أسير مع أبطال الرواية في طرقات "شالي" و "أغورمي" التي يُحرّم على الغرباء السير في أغلبها وحدهم .. أتلصص خفيةً – محاولاً ألا يراني أحد - على نساء الواحة اللاتي يرتدين الـ "تارفوتيت" فلا يظهر منهن بالكاد إلا أعينهن، وأقابل رجالها الذين يلبسون الجلابيب البيضاء القصيرة الواسعة وأسفل منها سراويل طويلة ويسيرون حفاةً بلا أحذية، وأرى الأطفال بوجوههم القمحية وملامحهم الدقيقة وطواقيهم التي يبرز من تحتها خصلةٌ واحدةٌ من الشعر .. أمُرُّ على خرائب أم عبيدة وبيوتها فتتلقفني عيون الأهالي الغاضبة الرافضة لتجوّلي في شوارعهم .. أبحث مع "كاثرين" عن قبر الإسكندر الأكبر محاولاً أن أفك معها طلاسم النقوش المرسومة على أطلال وحوائط معبد آمون وبقايا المعبد الدُوري المندثر قرب بحيرة خميسة.


* استوقفني في بداية الرواية ذلك الإهداء المقتضب والاسم الغامض "ستيفكا أناستاسوفا" .. وبعد البحث عن الاسم على شبكة الإنترنت، عثرت على حوارٍ صحفيٍّ على موقع ميدل إيست أونلاين أجراه الصحفي محمود محجوب عام 2012 مع بهاء طاهر، أجاب فيه عن تساؤلي وسؤال المحاور عمّن تكون صاحبة الإهداء .. أجاب بهاء طاهر بنفس الاقتضاب والغموض الذي صَاحَب الإهداء: "هذه زوجتي"!.


* ختم بهاء طاهر القسم الأول لروايته بالفصل الثامن الذي أَعتبِره مقطوعةً أدبيةً فريدةً بكل المقاييس، صاغها بهاء طاهر باقتدارٍ منقطع النظير على لسان الإسكندر الأكبر .. ابتعد فيه بهاء طاهر الابتعاد عن الجانب الدموي في شخصية الإسكندر، وجعل جُلّ تركيزه على الجانب الإنساني.


* أرى أن محور الرواية وفكرتها الرئيسية تدور حول محاولة الإنسان للوصول إلى حقيقته وفهم نفسه وإدراك المغزى والهدف من حياته، وهو ما رأيته منعكسًا بوضوحٍ على جميع الشخصيات الرئيسية من بداية الرواية إلى نهايتها، كخيطٍ رفيعٍ مشتركٍ بينهم على اختلاف شخصياتهم وعقليات كلٍ منهم:


1- بطل الرواية "الصاغ محمود عبد الظاهر أفندي" تائهٌ سلبيٌّ لا يعرف ماذا يريد للدرجة التي تجعله يتمنى الموت بكل رحابة صدرٍ هربًا من مواجهة نفسه .. يقول محمود أثناء العاصفة الرملية التي اجتاحت قافلته في الصحراء: "تمنيت الموت من كل قلبي. وتسللت إلى رأسي فكرةٌ خاطفةٌ. فليأتِ! هو مؤلمٌ ولكنه ليس مخيفًا. فليأتِ بسرعة! أود النهاية كراحةٍ جميلةٍ في عبءٍ لا يحتمل. فليأتِ!" ..

شعوره بالخزي والعار - بعد أن تخلّى عن تأييده لثورة عرابي حفاظًا على منصبه ووظيفته – قلب حياته جحيمًا وجعله غير متصالحٍ مع نفسه وإن حاول التناسي .. يقول محمود: "قضيت بعد التحقيق شهورًا من التقزز من نفسي. كنت أشرب خلالها الخمر كمن يسعى إلى الموت، ثم جاءت نعمة النسيان فأزحت من ذاكرتي خزي الجبن والخيانة. عمرٌ بأكمله وهمّي هو أن أطرد الذكرى كلما أطلّت وأن أنفيها" ..

ظل يعيش في صراعٍ نفسيٍّ جعله ينفصل عن نفسه وعن أقرب الناس إليه .. يقول: "أدمنت التفكير في نفسي وكلما فتحت صفحةً وجدتها أسوأ من التي سبقتها. ليتني لم أكن أنا!" ..

لخّص مشكلته بكل دقةٍ عندما قال محدّثًا نفسه: "المشكلة هي أنت بالضبط يا حضرة الصاغ! لا ينفع في هذه الدنيا أن تكون نصف طيب ونصف شرير. نصف وطني ونصف خائن، نصف شجاع ونصف جبان. نصف مؤمن ونصف عاشق. دائمًا في منتصف شيءٍ ما. لم أقتل مليكة بيدي لكني تركتها للقتل، أردت أن أنقذ محمود الصغير لكن في منتصف المحاولة تركت إبراهيم كسر ساقه. تحمّست فترةً للوطن وللثوار وعندما جاءت لحظة الامتحان أنكرتهم ثم توقفت في مكاني. لم أكن أبدًا شخصًا واحدًا كاملاً في داخله، طلعت كان أوضح مع نفسه. ما دام قد خان فليكمل الطريق إلى نهايته. باع نفسه وقبض الثمن الذي يريده. أما أنا فبعت بلا ثمن وبقيت قانعًا بالسخط على نفسي وعلى الإنجليز وعلى الدنيا كلها دون أن أعرف ماذا أريد. حتى الحب اكتفيت منه دائمًا بالمتعة ثم وقفت لا أكمل الطريق" ..

حتى عندما قرّر في لحظة صدقٍ أن يدافع عن أحمد عرابي باشا وصديقه البكباشي محمد عبيد حينما قال لليوزباشي وصفي: "عرابي باشا أشرف من عشرة خديويين مجتمعين. والبكباشي محمد عبيد أشرف من كل الخديويين والباشوات الخونة الذين باعونا للإنجليز"، رأى محمود أن هذا الموقف شجاعةٌ متأخرةٌ، وقرّر بعدها أن ينهي حياته بيديه وذهب ليفجر المعبد بالديناميت .. وهو تجسيدٌ من الكاتب للمعبد بأن جعله رمزًا للوهم الذي عاشت عليه زوجته كاثرين، ورمزًا للوهم الذي يعيش عليه المصريين "يجب ألا يبقى للمعبد أثر. يجب أن ننتهي من كل قصص الأجداد ليفيق الأحفاد من أوهام العظمة والعزاء الكاذب. سيشكرونني ذات يوم! لا بد أن يشكروني!".


2- كاثرين تظهر تائهةً أيضًا مثل زوجها محمود .. تفترض فرضيةً عبثيةً لا تستند إلى دليلٍ بأن قبر الإسكندر الأكبر لا بد وأن يكون موجودًا في الواحة، وتقبل في سبيل إثبات هذه الفرضية أن تذهب مع زوجها إلى الواحة .. تريد أن تصل إلى الحقيقة - كما تظنها - بشتى السبل .. تقول: "بالقطع هناك أكاذيب. ولكن ما هي الطريقة لمعرفة الحقيقة غير البحث عنها؟" ..

تحاول أن تجد لنفسها هدفًا في الحياة تسعى لبلوغه مهما كلّفها ذلك من خسائر .. "لا أفهم معنىً للموت، لكن ما دام محتّمًا فلنفعل شيئًا يبرر حياتنا. فلنترك بصمةً على هذه الأرض قبل أن نغادرها" ..

"قصيرةٌ جدًّا هي الحياة مثلما فهم الإسكندر وعلى من يستطيع أن يخلف فيها أثرًا ألا يتردد أو يتلكأ" ..

لكن هل كان هدف كاثرين في الحياة هدفًا حقيقيًا؟ وهل سلكت الطريق الصحيح من أجل تحقيقه؟ تلك كانت مشكلتها، بل ومشكلة أغلبنا.


3- حتى الشيخ يحيى الذي اعتبره البعض وليًّا من أولياء الله الصالحين وحكيمًا عارفًا ببواطن الأمور .. حتى هو لم يسلم من أن يتيه في حقيقة حياته .. يقول: "يعرف الحمار طريقه. ليتني أستطيع أن أقول إن البشر يعرفون طريقهم. ليتني أستطيع أن أقولها حتى عن نفسي" ..

ثم يعود مخاطبًا نفسه: "ماذا تريد يا يحيى؟ أصبحت عجوزًا جدًّا. لماذا ما زلت حتى الآن أسأل الأسئلة التي عذّبتني في شبابي؟ اقتربت النهاية ولم أعرف طمأنينة القلب" ..

وبعدما يكتشف متأخرًا أنه لم ينجح في بلوغ هدفه، يقرر أن يعتزل الواحة .. "الآن يئست من بلدتكم. لم أستطع أن أخرجها من ظلماتها شابًا ولا شيخًا. حاولت وعجزت. لم يهدني ربي إلى السبيل، لكني الآن أعرف طريقي. سأعتزلكم إلى الأبد. سأهجرك أيتها الواحة لا لكي أجد نفسي مرةً أخرى، وإنما لكي أودّعها" ..


4- حتى الإسكندر الأكبر وهو يتحدث في الفصل الثامن بدا تائهًا متخبطًا في رحلة بحثه عن ذاته، والتي كان في ظاهرها نجاحٌ وملكٌ لم يبلغه أحدٌ قبله ولا بعده، وفي باطنها حيرةٌ وعذابٌ نفسيّ وتساؤلاتٍ ظلت ترافقه حتى بعد وفاته ..

"لا أعرف حتى كينونة آمون الذي ألوذ به. هل كان ربًا أو وهمًا؟" ..

"ولكن كان هناك دائمًا إسكندر آخر هو الذي ينتزعني من الفرح. إسكندر الدم الذي يطرد إسكندر النغم. ظل هناك دائمًا طوال عمري القصير إسكندر ضد إسكندر" ..

"خلقت إسكندر ثالثًا يتساءل: أيهما الأصلح لحياة الإنسان على الأرض – البهجة أو الخوف؟ أيهما أدعى للاستقامة والخير؟ ولم أصل في أعماقي إلى جواب" ..

"فكرت طويلاً فلم أعرف أين نقطة البدء في سلسلة الطغيان والخوف والخيانة، أيها يلد الآخر؟ وهل كنت أنا بالفعل صانعها أو واحدًا من ضحاياها؟" ..

"كيف فاتني طول حياتي أن أدرك عمق ذلك الحب؟ وما الذي فاتني في الدنيا غيره؟" ..

"كان أزيز الحرائق وفحيحها يغمرني بنشوةٍ كنشوة الخمر، فارتعت من نفسي. وتساءلت من جديد: من أكون حقًا؟ من أنا؟ وسأسأل هذا السؤال كثيرًا فيما بعد: لماذا أفعل الشيء ونقيضه؟" ..

أعتقد أن هذا السؤال الأخير هو جوهر الرواية ومحورها الرئيس: "من أكون حقًا؟ من أنا؟ لماذا أفعل الشيء ونقيضه؟".


* لم تَخْلُ الرواية من بعض اللمحات السياسية وإسقاطها على واقعنا المعاصر كعادة كل روايات بهاء طاهر .. لكن أكثر ما لمس جرحًا لديّ واتكأ عليه هو هذه المقولة: "كأن كل حماسه للثورة أيام الإسكندرية كان مجرد نزوة. وحماسي أنا أيضًا وحماس البلد كله – مرّ كنزوة طيشٍ عابرةٍ أفقنا من رعونتها بالهزيمة".


وختامًا، فقد استمتعت أيمّا استمتاعٍ بقراءة هذه التحفة الأدبية، ما جعلني أتحمس لتسجيل رأيي وتقييمي لها فور انتهائي من قراءتها .. وأراها تستحق بكل تأكيدٍ الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2008، كأول روايةٍ عربيةٍ تفوز بهذه الجائزة.


  • 2

   نشر في 09 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 مارس 2018 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 4 شهر
تلخيص رائع للرواية ،نقدتها بعين معجبة فشوقتنا لقراءتها لثقتنا بشهادتك،بانتظار مقالاتك القادمة ،دام قلمك سيدي الكريم.
1
عمرو يسري منذ 4 شهر
تحليل رائع لرواية رائعة , أرى أنك قد تأثرت بأسلوب بهاء طاهر في كتابتك لهذا الملخص . و من الرائع أيضاً أن هذه الرواية تم تحوليها لمسلسل من بطولة خالد النبوي و منه شلبي . أتمنى أن يكون في نفس مستوى الرواية .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا