على ركام النرجسية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على ركام النرجسية

  نشر في 29 شتنبر 2021 .

لا تفكر كثيرا ،فلم يتبق من الأيام التي عددتها إلا القليل ،تلك الأيام التي قلت إنها ستكون كفارة لك عن جرائمك و ما اقترفته بحق أولئك الذين وثقواْ بك ،أما عن ماضيك فلن يجرؤ أحد على السؤال ،كيف سيسألك أحدهم أو يعترف بأنك قد استغللت طيبته وحبه وأنك انتهكت حرمة قلبه ،فتلك تكون جريمته هو لا أنت ،إنها خطيئته التي لن يغفرها لنفسه ،وسيتذكرها طوال حياته .

أما أنت فلن تكون مجرد ماض ينغص حياته ،ستكون بالنسبة إليه أزمة صحية كالنوبة التي تعتري ذوي الأمراض المزمنة ،حينما يتذكرك ينتابه السؤال ..ماذا كان يفعل طوال هذه السنين ،و أين أضاع جهده ،أين أنفق طاقته ،من استفاد منه،أي شيء استبدل به ما قضى فيه عمره ..حينها لا بد له من تدخل سريع لإنقاذه وإلا مات حتف ماضيهو لإن سئل من أنت ولأي شيء أنت في هذه الحياة جهلا وعبثا لكان أهون عليه،أنت مرض مزمن تصاحبه نوبات خطيرة لا يمكن التنبؤ بها ولا تفاديها .

فلتعُدّ أيامك التي اخترتها فرارا من نفسك ومن ذكريات من حولك ،حيث لا ماضي ولا ذكريات لديك ،فلم تكن سوى طفيلي تتغذي على أرواح من حولك تسرق سعادتهم لتحس بها وتنتهز إنجازاتهم لتنسبها لنفسك وتتدعي آلامهم لتكسب شفقتهم وتحجب مواقفهم لتظهر وحدك ،وتنكر أفضالهم كي لا تدين لهم ،وها أنت الآن في زنزاتك تستدعي من ما لا تقدر على عده من اللحظات التي مرت عليهم لتنقذ منها شيئا من لحظاتك وكأنك تستل من شعراتهم القليلة شعرة تتعلق بها وهيهات لك.

لقد كنت تدعي .. كثيرة هي ادعاءاتك حزينة مريرة ،أن يوقفك أحد ما أياً كان قربه منك أو طول تواجده معك أمام لحظات الغدر التي مررت بها، أن يعلمك أنه كان حاضراً شاهداً على خياناتك ، ليس له أو لغيره ممن عرفتما معاً ، بل لنفسك ..لذاتك التي تبرز و تعلي ، وليس لأنه حانق أو حاقد بل لأنك أردت شهادته، يصنع لك ويخدمك كما تعود أن يخدمك ،ها هو رغم قربه منك يجهل ما لك عليه من حق حتى يؤديه ،ها هو لا ينفك يلبي لك ما تطلب ،وها أنت لا تنفك تطلب منه ما لك وما ليس لك ،حتى غمرتك صنائعه فها هي تغرقك وتخنقك،ها هو ينتقم منك لنفسه ولأولئك الذين مرواْ معه على طريقك التي أسلكتهم إياها ،ينتقم بحبائل لم تفتلها إلا يدك وشرائك لم تنصبها إلا حيلك، دريت أو لم تدري، ها أنت تقف أمام مرآتك التي طالما تجاهلتها ،تعاميت عن صورتك فيها.. مرآتك التي استبدلتها بصورة ليست لك ،صورة رسمتها لنفسك وأرغمت نفسك أولا ثم من حولك على أنها لك ،آمنت بكذبتك الكبرى أنك غير ما أنت عليه ودفعت الناس ليزوروا إيمانهم بما تؤمن به ،فتهت في تيه بعضه فوق بعض، ها أنت مزقت نفسك بين أحوال وأحداث وأشخاص وفرقت روحك بين مصالح ونزوات وشهوات وضيعت حياتك أياً كانت تلك الحياة طمعاً في أن تعيش حيوات ،فما أصبت مبتغاك ولا حافظت على ما عندك ،وبعد كل الزهو الذي زهوت بزيفك ها أنت أجهل الناس بك وأنكرهم لك ،تنظر في أعينهم فترى ..

ترى كل ما أوحيت لهم و كل ما ألقيت في أرواعهم عنك  ،يصفونك بكل تلك الأوصاف ويسمونك بكل تلك الأسماء ،كلها من عندك وأنت أردتها لنفسك ،وها أنت الآن تنكرها  ،وكما أخذوا عنك زيفك ،ها هم يأخذون عنك نكرانك وإنكارك ،مآسيك التي تتجرعها الآن أدواؤك التي تستشري فيك لا إحد يصدقها أو يعترف لك بها ليس انتقاماً أو عقاباً ولكن لأن من حولك لا يراك حين يراك  بل يرى آلافا غيرك  ممن تزيفت بهم وقد عودتهم أن تريهم نفسك في ما ليس أنت ولا يمت إليك .

أي نهاية تنظرك ،وقد صنعت لنفسك نهايات قبل أوانك ،أي جواب لك على سؤالك أذا ما سألت نفسك من أنت..

لعمرك تلك هي بدايتك التي تأمل كي تستأنف من جديد ،حيث بدأ اتهامك لنفسك و حيث قررت أنك مجرم بحق نفسك والآخرين من حولك ،سؤال يجدر بك الإجابة عنه لعله يكون طريقاً للخلاص أو أنك لا تقدر على الفصل بين تصرافتك الإبتدائية كمجرم وتلك التي كانت مجرد رد فعل تجاه الحكم بحقك .

والتغيير الذي تتصور أنك تقدر عليه أو توهم نفسك به، مجرد فوضى زائدة  إذ أنك تجيد طمر أخطائك تحت الركام لتجعل منها غامضة غير قابلة للنقد أو الإستدراك كما  أنك تستصغرها وتحقرها  بعينك وأعين من حولك

سلبيتك المتراكبة تجعل حياتك ميؤوسا منها ،وأكثر جوانبها إشراقا هو الذي أودى بك إلى واقعك هذا المزري ،التوغل في ماضيك هو الكارثة بحق ،إنه مقرف ومثير للاشمئزاز ولا شيء فيه يبعث على الأمل يمكن التمسك به للوصول إلى نقطة بداية مرضية ، لذلك فإن الهروب من واقعك و التوهم بأن هناك فرصة قادمة من المستقبل  سبيلك الأوحد للنجاة من وطأة ماضيك القذر ، حيث أنك لا تزال تظن نفسك ضحية بريئة

ليس لديك أي فكرة أو خطة لإنقاذ أدنى شيء من حياتك أوالإبقاء على أضأل قدر من السعادة في من حولك ،وكل ما يمكننك فعله هو الإختباء من النقد وتصور أن الكل غافل عنك

و إحدى أكبر هواجسك ومخاوفك أن يكون أحد ما مضطلعا على كل الأنقاض التي تشكل كافة أنواع الفشل والعجز في حياتك وأن تكون له القدرة والجرأة على مواجهتك بها ،حينئذ ستكون كالإنفجار الذي سيودي بشبه الحياة التي زورتها.

الإحساس بالذنب فظيع وعميق ولا سبيل لك للتكفير عنه ،والأشخاص الذين آذيتهم كثر والأذى متفاوت ،وليس لك القدرة على الإعتراف بالذنب أمامهم ،و لا يكفيك مجرد الإعتراف دون إذعان و تسليم ديات ،كيف وهي سنوات من الحياة أو ربما حياة كاملةانتزعتها منهم وشوهتها وأفقدتها جمالها وبراءتها .

ولأن مسألة كراهيتك لذاتك متبلورة الآن وقد صارت بديهية في ذهنك ومفروغا منها ولم تعد الآن محل نقاش .فمستحيل أن  تتوافق معها على أن مبدأ إجرامك  إنما هو بسبب تخليك عن إنقاذك لها في كل مرة تواجهت فيها مع كل تلك الكوارث التي كانت تحل بك وبدل ذلك كنت تخنعها و تسلمها  لمزيد من الذل النفسي والهوان المجتمعي الذي كنت تفرضه عليها كعقاب عادل على ما اقترفته .

لم يعد بوسعك أن تواصل في مثل هذا العقاب وأن تواجه به من حولك وأن تجعلها  عرضة للتأنيب بسبب هذا الذل والهوان الذي تسلطه عليها 

خوفك يكاد يفتك بك ،من الدمار الذي سيلحق بك وبما حولك من زيف وكذب ،حين يلتفت إليك من حولك ينتظرون منك ما سألتهم مرارا و ما أخذته منهم برضا منهم وطيب نفس ،وليس لك من ذلك الرضا والطيب شيء ،ليس لك منه إلا خبث أصيل مستشر مقرف أنهكك فها هو يطل برأسه من أنقاضك فيفزع من حولك ويطير قلوبهم روعا ،متسائلين ،من أنت.. 



  • 3

   نشر في 29 شتنبر 2021 .

التعليقات

Dallash منذ 9 شهر
النرجسية يعاني منها من يشعر بالنقص فيحاول تعويضه بالتعالي والتنمر
1
عبد الحكيم عدة
صدقني، أن تعاشر نرجسيا كابوس حقيقي ،المشكلة هي أن تفاديه أمر صعب
Dallash
صدقت

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا