ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 26 يناير 2017 .

خيال بين دروب الجامعة ...

كان إحساسه بالحرية الجميلة رائعا ! فهو لأول مرة في حياته يعيش وحيدا ، بين كتبه ، و في منزل مستقل بذاته ، و كان السكن فوحيدا في حد ذاته ، شيئا جميلا ، و داعيا إلى التبرم في آن ، ذلك أن الإنسان خلق ليكون كائنا اجتماعيا بطبعه ، يأنس و يسكن إلى من هم يوافقونه في نفسه و عقله و مناط عيشه المسار ! كان البيت على صغره النسبي جميلا ، يتوفر على نوافذ تطل على مساحات لا بأس بها من الخضرة ، تنقلب شتاء إلى بياض بلون الشتاء !

و كان عليه أول الأمر أن ينظف شقته الجديدة ، و يعيد صباغة حيطانها ، و كان عليه أن يعتمد في كل هذا على نفسه ن لأن عمال الصباغة في ألمانيا كما هو الشأن بالنسبة لعمال كثر في مجالات كثيرة ، يشترطون سومة عمل كبيرة بالساعة ، الشيء الذي يثقل ظهر الأغلبية هناك في ذلك البلد ، فكان حتى الألمان يعتمدون على أنفسهم و أصدقائهم في صباغة دورهم ، الشيء الذي يوفر عليهم أوروهات كثيرة ، تذهب إلى جيوب العمال ! بدأ بالصباغة ، و حاول إتقان عمله ، بعد أن ابتاع معدات الصباغة ، ثم خطرت له فكرة أن يصبغ الأرضية الخشبية التي يتكون منها منزله ، كل منزله ، فكان أن صبغه بالأزرق الفاتح ، فكان الداخل إلى منزله ، كالداخل إلى حمام سباحة مفتوح ! و كانت الأرضية جميلة فعلا ، كان أول مرة يعيش فوق أرضية خشبية ، فكان حينما يتمشى فوقها ، يسمع أزيز الخشب ، كصوت شيخ كبير ، و يذكره كل ذلك بعصور أوروبا الوسطى !

فصل الشتاء هنا في ألمانيا ، فضاء مفتوح للكتاب ، أن تأتي بكأس شاي ساخن و بعض الحلوى ثم تجلس أمام الثلج المتساقط على الأرصفة و الطرقات و أسقف البيوت ، كفيل بأن يجعل الأفكار و المشاعر تنصب عليك كالنحل ينصب على حقل من حقول الرحيق ! و الأجمل فعلا في هذا البلاد ، أن مسؤوليها ، فكروا حتى في فصل الشتاء الشديد الوطأة ، فزودوا كل البيوت بالتدفئة داخلها ، و يقتطع واجبها كل شهر ضمن فاتورة الكهرباء ، فكان الأمر هكذا في المانيا ، يمكن أن تتجمد الطرقات و الشوارع ، غير أن المنازل مدفئة تدفئة أوتوماتيكية ، بكبسة زر ، أو دوران مقبض ! بلاد جميلة ، ذهبت حد الإتقان في تعاملها مع مواطنيها ! حتى إذا دفعوا فواتيرهم ، دفعوها و هم يعلمون أنهم لم يُهضم لهم حق قط إلا فيما شذ من حالات ! و إنه ليذكر ، أنه سمع من عامل في مجال الطاقة ، كيف شهدت ألمانيا كلها انحباسا في أنفاسها و أنفاس مسؤوليها ، حينما انقطع التيار الكهربائي بالكامي في ولاية ساكسن السفلى بكاملها ، نتيجة عطب كبير ، و تساهلت الحكومة في تقيي المشكل ، فكانت فضيحة مدوية لها على صفحات الصحافة ، و بين المواطنين ، و اضطرت الحكومة في الأخير إلى الإعتذار بشكل مباشر لسكان الولاية ، مؤكدة عدم تكرار هذا الأمر مستقبلا ، و فعلا لم يتكرر ، و استطاعت الحكومة أن تسيطر على مجال الطاقة في البلاد ، و فتحت المنافسة في سوقها لشركات كثيرة ، لكي تقضي على الإحتكار ، فكانت الدولة و الخواص يتنافسون فيما بينهم في تزويد المواطن الألماني بالطاقة ، و كان المستفيد في الأخير ذلك المواطن الألماني ، الذي يعامل كملك !

اليوم هو أول أيام دراسته ، خرج من منزله ، يملؤه الحماس ، رؤية أخرى ، أخيرا هو هو يسعى إلى هدفه المنشود ، يسارع الخطى ، يكاد يسابق البلابل و الحمائم المنتشرة هنا و هناك ، تسعى للبحث عن رزقها ، يحيى هذا و ذاك ، ممن سمحت له الفرصة بالتعرف عليهم ، و بريق في عينيه يسارع خطاه ، و سلك طريقا كلها أشجار ، و زقزقات الطيور تملأ أذنيه ، و هو يحمل بين جنبيه ، فرحا و سرورا ، و أملا ، و أشياء لم يقدر على وصفها في حينها ، حتى و إن كان خطى خطوات في مجال الكتابة ، غلا أن ذل ككان أكبر من كل استيعابه ، فرحة طفل بلعبته ، فرح لا يكاد يطيقه ، كذلك الذي كان به يحس حينما كان يؤم مدرسته ، حين الصغر ، عالم مصغر ، عالم جميل ، عالم التحصيل ، شيء آخر خارج هذه الدنيا ، كوكب يدور في فلكه الخاص ، و كان طوال الطريق يتذكر أفراد عائلته الصغيرة ، و كأنما يواعدها عن بعد ، كأنما يخاطب أباه ، أنه في الطريق إلى دنيا افتخاره به ، و رغم برودة الجو إلا أنه بدا كزهرة يفوح من جوانبها كل طيب الدنيا ، و كان يحب أن يحيي كل الدنيا ، حتى المخمورين الذين احتلوا فضاء هذه الغابة الصغيرة الجميلة ، و إنه ليجهل السبب الذي يجعل بعض الشباب ، يفر من هذه المتعة الكبيرة المسماة جامعة !

أقل ما يمكن أن يصف به جامعته التي فيها سيدرس بأنها قصر من القصور !

و لم يكن ذلك الوصف مجازا أو تورية ، بل كانت فعلا قصرا متكاملا ، كان يملكها أحد امبراطورات ألمانيا ، و كان يسكنها ، ثم تحولت مع مرور الزمن ، حلول الديموقراطية ببلاد الألمان ، إلى فضاء فسيح للتحصيل ، يتقدمها تمثال كبير لحصان منحوث ، يكاد من براعة ناحثه ينطق ، غير أن منظره ترك في قلبه منظرا مشمئزا ، ذلك أنه تذكر حرمة التصوير و النحث في دينه ، فمر عليه مر الكرام ، و وقف قبل دخول أبوابها الزجاجية الإلكترونية يتأملها ، إنه فعلا قصر قديم يذكر بالعصور الوسطى ، حينما كان البارونات يسيطرون على هذا المكان ، عجيب أمر هؤلاء الألمان ، يحولون تحفة فنية رائعة كهذا القصر إلى فضاء للتحصيل ، و زاوجوا بين عراقتها ، و بين التكنولوجيا ، فكانت الأبواب الإلكترونية تتماشى و تتناسق مع عراقة المكان تناسقا عجيبا ، دخل الباب ، فتراءت له ساحة واسعة ، واسعة جدا ، مقسمة أقساما عدة ، ففي أقصى اليسار ، صففت حواسيب متصلة بالإنترنت ، لتسهل على الطلبة بحثهم ، و في الوسط ، صففت كراسي ، من نوع فاخر انتظارا لاجتماع طلابي قادم ، و في جوانبها تتفرع طرق توصل إلى مختلف الجهات ، ثم أدراج توصل إلى الطوابق الأخرى المتبقية ، إلى بيوت و شقق القصر ، حيث يتم إنتاج العلم !

رأى أناسا و طلابا ، و ترائى له كل ذلك ، كخلية نحل نشيطة ، فهذا يبحث في الإنترنت ، و تلك ، تداعب حاسوبها المحمول ، و تواصل بحثها عبر الإنترنت ، بفضل تقنية الواي فاي التي توفرها الجامعة لجميع الطلاب ، فعلا كانت دولة تحترم أناسها ، و تحترم الطلاب ، على اساس أنهم مستقبل الغد ، و حاملوا شعلة ألمانيا من بعد حامليها اليوم ، و فرح أشد الفرح ، كون القدر أتاح له فرصة القدوم إلى هنا ، كما لم يجد كلمات يصف بها الفرق الذي يفصل جامعة في المانيا ، و جامعة في بلاده أو في أي بلاد من بلاد المسلمين ، و هنا يتحدث عن الجامعات الطلابية العامة ، و ليست الخاصة ، لأن هناك جامعات خاصة في مختلف بلاد المسلمين ، توفر الخدمات نفسها التي توجد في ألمانيا ، غير أن تكاليفها باهظة جدا !

راح يتجول بين اقطار جامعته ، و يتخيل نفسه كأمثال هؤلاء ، الذين تزين صورهم جدر القصر ، تلاميذ مروا من هنا ، هم اليوم أساتذة كبار ، و صور لعلماء ألمانيا ، و صور لأشخاص بارزين عالميا مروا من هناك !

خرج من الجامعة ، متع نظره بشكل الحشائش المختلفة ، و الورود التي تزين حديقة القصر ، فرجع قرونا إلى الوراء ، و تخيل نفسه بين بارونات ألمانيا ، و إقطاعييها ! يا له من جمال !

في أقصى يمين الحرم الجامعي توجد مؤسسة قائمة بذاتها ، تهتم بشؤون الطلاب ، و تتولى البحث لهم عن الإقامة و السكن ، و فرص العمل ، و يؤمها الالمان من خارج المدينة ، و الأجانب الذين لا مأوى لهم ، و كانت للجامعة ، أحياء ساكنية ، خاصة للكراء بأثمنة مناسبة للطلاب ، حسب كبر مساحة هذه الأخيرة ، و كانت هذه المؤسسة فعلا تقدم الكثير من المساعدات للطلبة ، بل كانت في بعض الأحيان تدفع مصاريف المحامي لطالب أجنبي يسقط في حرب مع شرطة الهجرة ، و شعارها في كل ذلك ، ألمانيا ، ليست فقط للألمان!

كان ذلك اليوم يوم اكتشاف للمكان الذي فيه سيعيش بكل حبه ، بكل عواطفه ، و بكل أشيائه لمدة ليست بالقصيرة ، لذلك لم يلزم نفسه بحضور حصة التعارف التي تنظمها الجامعة ، لكثرة الإختلاط أولا ، و ثانيا ، لأن كل ما رآه سلبه ، و تركه في حيرة من أمره ، يراقب أشياء جعلته يتيه في عالم خيالي ، مثالي ، بعيد كل البعد عن الواقع الذي كان يعيشه في بلاده ، و أصبح كخارج من بحر ، فالشخص الذي يكون وسط بحر هادئ ، تترائى له المياه كلها في زرقة واحدة ، و ليس كالذي يرتقي في سماء ، فتترائى له زرقة المياه مختلفة ، فهذه زرقة داكنة ، و هذه باهتة ، و تلك صافية ، فأصبح برحيله إلى دنيا الألمان ، يكتشف شيئا فشيئا ، العيوب التي كان يعيش فيها ، و التي لا يصح لمسلم أن يعيش فيها أصلا !

في الساعة الثانية عشرة ، أحس بألم الجوع في بطنه ، و كان قد قرأ في مخطط الجامعة ، أنه و في أقصى اليسار ، يوجد مطعم الجامعة ، و خال أنه مقهى صغير كذلك الذي رآه في جامعات بلاده ، و لكنه ذهل حينما دخل ، فمطعم الجامعة ، كان عبارة ، عن مكان فسيح جدا ، بطاولات مصفوفة ، و في الوسط ، وقف 7 طباخين ، بسعر في متناول الجميع ، كان الطبق المليء بمالذ و طاب من مختلفة الأطعمة ، و كان الطالب يختار ما يأكل ، حسب مصروف جيبه ، فقرر أن يجرب هذا المكان ، و تجنب أكل اللحم رغم أنه لحم بقر ، لشكه في أنه غير مذبوح ، بل مقتول ، غير أنه استمتع بأكلات جميلة ، لذيذة ، من أيدي طباخين مهرة ، و حاول أن لا يعتادها ، ليس بسبب تكلفتها ، و لكن خوفا من أن تعلمه الكسل ، فهذا المطعم يفتح أبوابها نهارا و مساء من اجل العشاء ، و هاب أن يسقط في فخ الكسل ، كلما كانت أبوابه مقفلة لسبب من الأسباب !

و وفرت عليه الجامعة ، مصاريف التنقل ، فبمجرد الإلتحاق بها يستخرج للطالب تذكرة لمدة 6 أشهر يستطيع أن يتنقل بها بالمجان في كل ولاية ساكسن السفلى و التي تمتد لمسافة طويلة ، و هو ما أعجبه بشدة ، لكونه يحب السفر ، و التنقل ، و اكتشاف الكثير من الأشياء !

بكل بساطة ، كانت ألمانيا فعلا أرضا و ملاذا قويا لكل طلاب العلم ، فهي توفر كل الأشياء الضرورية من أجل مستقبل طلابها ، و تنتقي من بين الطلاب الأجانب الأكفاء في المجالات التي تحتاجها ألمانيا من أجل الرقي !

وراء الحرم الجامعي ، اصطفت أشجار عملاقة ، مكونة مساحة خضراء ، جميلة ، كأنما مصفوفة هي لأمثاله ، محبي الراحة و الهدوء الفكري ، كان يأخذ فيها ما يشبه القيلولة ، ليحس نفسه في عالم آخر، عالم لا علاقة للدنيا و لا ألمانيا و لا أي مكان فيه ، عالم خيالي جدا ، يرافق فيه أفكاره ، ترحل به إلى حيث لا يدري ، كل يوم هو في محطة ، يترك لها أمره ، و يشدو هو بما تجود عليه هي من عسل حبيب ، يا إلهي ، هذه النزعة الأدبية التي غرست فيه منذ صغره ، و إنه ليتذكر ، أنه كان حينما يخرج مع والديه ، و حينما يرقب في الشارع صحيفة ملقاة ، كان يسرع إليها ، و يأخذها ، و يبدأ في محاولة قراءتها ، و هو ابن 4 سنوات ، و كان أبواه يضحكان منه، و من براءته ، و لم يعلما أن سوط الأحرف غرس بين لحمه و دمه و عظمه ، حتى لم يستطع أن يتركها قيد أنملة ، باتت ترافقه أينما حل و ارتحل ، كأي معتوه ، يدخل في عالمه لخاص كلما باغتته نوبته ، ليجد نفسه في عزلة عن العالم !

على بعد أمتار كثيرة من الحرم الجامعي ، يوجد البهو الرياضي للجامعة ، و كان له الحق كطالب أن يمارس الرياضة ، حسب جدول زمني تحدده إدارة الجامعة ، حسب التزامات المدربين ، و كانت الجامعة حريصة على توفير الكثير من الأنواع الرياضية ، ابتداء من اليوغا و تهدئة النفس مرورا بكرة القدم و السلة ، و انتهاء بالرياضات الحربية ، و كانت فرحته كبيرة ، فقد كان يحب الرياضة و يمارسها ، غير أن مشكل الإختلاط كان يشكل له عائقا كبيرا أمام متعته !

اختار أول ما اختار كرة السلة ، و التي كان يمارسها في بلاده ، لكونه طويل القامة ، طولا يشد الأنظار ، ثم عرج على الكونغ فو الذ كان يمارسه أيضا ، و هي الرياضة التي عمرت معه طيلة أيامه في المانيا ، و تعلم منها الشيء الكثير ، متغلبا أخيرا بفضلها بعد فضل الله تعالى على نوبات غضبه ، و التي كانت تكون شديدة في بعض الأحيان ، و في ظروف لا يتحملها هو ، مثل أن يعاكس أحد محارمه ، فكان لا يقنع بنهر المعاكس ، بل كان لا بد أن يترك له إمضاءا شخصيا أو أوتوغراف في مكان ما من جسمه ، ما سبب له الكثير من المشاكل ! ذلك الشيء المقيت الذي ما فهمه يوما ، كيف لشخص ما أن يعاكس امرأة لا يعرفها ، و أن يلقي على مسامعها ألفاظا لا تقال إلا للأزواج ، شيء مقيت للغاية ، و ما كان يتساهل في هذه القضية بالذات ، و هو الآن ، و رغم تحكمه في نوبات غضبه ، ليستشيط غضبا إذا ما مس أحد محارمه بسوء أو أذى ، إلا أنه لم يعض يعطي ليديه و رجليه فرصة التكلم ! و كانت سويعات الرياضة التي يقضيها ، تحتل مراتب الشرف الأولى بين سويعات الأسبوع ، فحينما كان يدخل الحرم الرياضي ، تكاد روحه تطير و ترفرف ، من فرط الإحساس الذي يعتريه و هو يمارس لعبته المفضلة ، و كان حين التدريب ، يتدرب تدريبا شاقا ، فيه للإخلاص جانب بير من الإمتياز ، حتى أنه كان بعد رجوعه إلى المنزل يأكل ما تيسر ، و يستلقي فوق سريره منهك القوى

كانت الدولة الألمانية تضخ الكثر من الأموال في مجال البحث العلمي ، و تجدد جامعاتها باستمرار ، و تزودها بالمعدات الكفيلة بتحفيز الطلبة و الأساتذة على البحث العلمي و التحصيل ، كانت أهداف الحكومة الألمانية ، أن تصبح المانيا من الدول المتفوقة علميا ، و هي كذلك ، و لا عجب ، فبلاد ، يحترم طلابه منذ صغرهم ، و يفتح لهم آفاقا واسعة كبيرة ، من اجل الإسهام في الرقي بالبلاد ، لبلد يستحق أن يصل إلى مصاف النجاح كل عام !

إلى جانب القصر الجامعي الكبير ، توجد مكتبة كبيرة جدا ، فيها من المراجع و الكتب و الصحف و المجلات و البحوث ما الله به عليم ، و كلها في حالة جيدة جدا إن لم نقل جديدة ، و كان الطلاب يتوافدون على هذه المكتبة بشكل دوري يوميا ، فلا تكاد تخلو منهم ، كخلية نحل ، و كان الصمت سيد الموقف فيها بحيث يندر أن تجد طلابا أتوا إلى هناك من أجل الدردشة ، إلا إذا كانوا عربا للأسف ، حوت هذه المكتبة رفوفا كبيرة طويلة ، و كان على الطالب البحث بنفسه عن بغيته ، رفوف مرتبة حسب الكتب و الأصناف ، و كانت الرفوف تتوفر على ما يشبه السلم ملتصقا بها يتحرك من اليمين إلى اليسار و العكس ، ليسهل على الطلاب الوصول إلى الرفوف العليا نسبيا ! كما تتوفر على مكتبة صوتية و مرئية ضخمة جدا ، و يمكن للطلاب بعد كل هذا أن يطالعوا الكتب و المواد هناك ، أو أن يستعيروها ، بعد أن تمرر سكرتيرة المكتبة بطاقة الطالب المغناطيسية الإلكترونية ، فيأخذ الحاسوب كل المعلومات المطلوبة ، و يسجل في البطاقة عدد و أسماء و أنواع المواد المسحوبة و عنوان الطالب ! كل شيء هنا يحث على العلم ، كل شيء هنا يهرب من ماض أسود عاشت فيه أوروبا ، و استطاعت الخروج منه ، بطلب العلم ، من أقوام يسمون العرب ، كانوا في يوم من الأيام ، مثل أروبا اليوم ، لكنه الكسل …

بعد انتهاء يمه الأول في الجامعة ، خرج يترجل إلى منزله ، رغم المسافة البعيدة نسبيا التي تفصل الجامعة عن بيته … في فصل الشتاء ، تصير فترة عمل الشمس أقصر من المعتاد ، فتغرب باكرا ، في الرابعة مساء ، تغيب الشمس عن مدينته التي توجد أقصى شمال ألمانيا في اتجاه الدانمارك ! و كان الكل يسرع الخطى في اتجاه الدفئ أينما وجد ، سواء في المتاجر أو في المنازل و المقاهي ، و كان شهر نونبر هو بداية لتحول ألمانيا كلها ، من أقصاها إلى أقصاها إلى احتفال يدوم الشهر و نصف الشهر بأعياد الميلاد ، فكانت ألمانيا تتحول في الليل من هذه الفترة ، كل مساء إلى ما يشبه اللالئ ، الأضواء في كل مكان ، و دمى السانتاكلاوس منتشرة هنا و هناك ، و الآباء يصحبون أبناءهم من أجل اقتناء هدايا عيد الميلاد ، كان المنظر رائعا حقا ، من أجل ذلك تحدى رغبته في ركوب الميترو الدافئ ، و ترجل من أجل أن يستمتع بكل هذه المناظر الخلابة ، و كان وسط المدينة ، هو المنطقة التي تحظى بنصيب الأسد من الزينة ، و ذلك لتجمع الناس كل يوم هناك ، و لوجود المحلات التجارية الكبرى ، و محطة القطار !

شغل جهازه المحمول ، و انطلق يبحث عن اللذة الجميلة التي تخلقها كل هذه الزينة في قلبه ، غير مبال بشيء ، اقتنى قهوة من كشك ، و ارتشف منها رشفات ساخنة ، و ذاب كما يذوب السكر في الشاهي المعتق ، كل هذه الأشياء ، أحبها جدا ، و أكثر أحب منزله الجديد !


  • 1

   نشر في 26 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا