مونولوج خارجي ( قصة قصيرة) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مونولوج خارجي ( قصة قصيرة)

" إنّي لأهوى المُعاكسة بفطرتي، يكفي أن أرى شخصا متحمّسا حتى أصبح باردا كالثلج، وأعتقد أنني إذا عاشرتُ شخصا بارد العاطفة رخواً أصبحتُ من أشدّ الحالمين جموح هوى." ـــ بيتشورين ــ

  نشر في 25 شتنبر 2020 .

    "لا يوجد ما يمكن فعله" "Nothing to be done"، هذا ما أدركه استراجون وفلاديمير إبّان انتظارهما لجودو. وذاك ما توصّلت إليه أنا أيضا، فقط أريد أن أضيف: ولا شيء يجب فعله. الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا؛ لمَ لا أستلقي وأشاهد التلفزيون- فكرت. أشعلت الصندوق الأسود: برنامج كوميدي، مجموعة من المشاركين يُلقون نكاتا ساذجة، عامرة بالكيتش، لا يسَعها إلا أن ترسم ابتسامة بلهاء ساخرة على مُحيا سامعها. لكن الحاضرين بمُدرّج البرنامج يفترضون أن عليهم القيام بشيء ما بدورهم، فتَراهم يَشرعون بالتصفيق عادة ما أن ينتهي المشارك من إفراغ معدته/جُعبته، وبالتصفير أحيانا حين تكون النّكتة حُبلى بالكيتش.

الكلمة الآن للَجنة التحكيم المُكوّنة من رجل في الوسط، له وجه ريّان وملامح بدوية بارزة رغم ملابسه الحضَرية المُهندمة، وامرأتان بجانبه؛ وكأنّهما عِضادتاه، ملامحهما تبدو ضبابية بفعل مساحيق التّجميل، ويَغلب على خدّيهما اللّونين؛ الأبيض والوردي. كان متوقّعا أن الرجل من سيتكلم لكونه يجلس في الوسط: "أنتم الآن أولادنا، خلفاؤنا في هذا المجال، إذا ما أُقصي أحدكم فهذه ليست نهاية العالم، بل عليه أن يَجِدّ ويُثابر إذا ما هو أراد أن يستلم مشعلنا نحن الرّواد، ويسير على خُطانا، ويضيف الكثير إلى هذا المجال. وبالتوفيق للجميع."

أَسَمعتَ هذا؟ - قلتُ موجّهاً كلامي للسّرير الذي بجانبي دون أن ألتفت إليه - أُنظر إلى هذه الضّفدعةالمُتكلمة، إنه يحسب نفسه قيدوماً ومُتفوّقا؛ متفوقا في ماذا! في البلاهة. إنه يظن نفسه متميزاً!! ... أنظر إلى كل أولئك المُتواجدين في البلاطو، لِكيلا أجعل الأمرشخصيا؛ هل ترى منهم واحدا مُتميزاً؟ أكاد أجزم بأن ليس منهم واحداً كذلك. إنهم يُشكّلون جميعاً قطيعاً واحداً، يسعى ويطمح إلى نفس الشيء. إنهم يطمحون إلى أن يكونوا أناساً ناجحين اجتماعيا، يَسعون لإرضاء المجتمع وتحقيق ما لقّنهم إياه وزرعه في رؤوسهم، مُعتقدين بأنها رغباتهم وطموحاتهم الذاتية. إنهم مُساقون ومُوجّهون، يفتقدون فقط للرّسن والكرباج.

و الضفدع المتكلم هذا، لم يتّخذ من البلاهة التي يُسمّيها كوميديا إلاّ وسيلة لبلوغ ذلك. إنّه لا يختلف عن كل أولئك المحيطين به، ولا يتميز عنهم في شيء.

صمتُّ قليلاً في وَجم وأنا أنفث حنقاً، ثم أردفت:

كوميدي!!... ماذا يعني ذلك؟ أن أُلقي نكاتاً تافهة، وأنتظر من الحضور التصفيق لي بدافع الايتيكيت؟! إن كلمة "مهرّج" تبدوصادقة أكثر، وأقل تورية؛ على الأقل ستكون متماهيا مع نفسك حينها، ومُتقبّلا لفكرة أنهم يسخرون منك، أنهم يضحكون عليك، أكثر ممّا يفعلون على نكاتك... ألا تظنّ ذلك؟

ــ ليس الأمر حقا كذلك، فليس جميع الكوميديين يُلقون نكاتا ساذجة، وغاصّة بالكيتش.

ــ لكنهم يشتركون في نفس الشيء، يسعون لنفس الأمر؛ ألاَ وهو إرضاء الجمهور والمستمع، وإضحاكه في نهاية المطاف. لا يهم بعد ذلك إن كانت نكاتهم ساذجة أم لاذعة.

ــ أنت فقط تريد أن تدعم وجهة نظرك، ولو صادفتَ نكتة لاذعة لأعجبتكَ أنت أيضا، إن لم تكن أنت الأول.

ــ ربّما.. لكنني لا أسعى إلى شيء مثل كلّ هؤلاءالحمقى، أنا فقط ضدّ كل شيء.

حَدّجتُ في التلفزيون ساهياً قليلاً قبل أن أسمع:

ــ ضدّ كل شيء؟! كيف ذلك؟.. أنت فقط دائم التّبرّم، ما الذي يعنيه ذلك؟

ــ تبدو موارباً في كلامك، لكن لا بأس، قد يتطلّب الأمر جُهداً لكن .... آاااه ...

أُنظر، أنا لا أُصنّف نفسي، ولا أعتبرني منتمياً، ولا حتّى لا منتمياً بالمعنى السّائد، أنا فقط أريد وأحبّ أن أرى نفسي مختلفا وسطَ أي مجمع، ومتحاشياً الكليشيهات والكيتش؛ فقد تجدُني مع جَمع من المؤمنين ملحداً، ومع جمع آخر من المُلحدين مؤمناً.. مع جمع من الأخلاقيين لا أخلاقياً، ومع آخر من اللَّا أخلاقيين أخلاقياً وهكذا...، فأنا فقط ضِدِّي. لا أحتمل كلّ أولئك المُتَأَدلجين مُطيعي الأوامر. كما أنني لا أحتمل أيضا أن أكون برفقة ذات ضِدِّية مثلي، برفقة "داندي" آخَر يُشبهني، وأَحسبه هو أيضاً لن يحتملني، سيُحاول أحدنا لا شكّ القضاء على الآخر، أو على الأقل إبعاده عن طريقه.

ــ إذن أنتَ فقط مُعاكس، تنشد الضِدّ للضّد.."خالف تُعرَف إذن" هاه!

ــ هذا مُجرّد كليشيه. لربّما أنا كذلك في نظرك، لكن الأمر في الواقع أكبر من ذلك...

في الحقيقة، فإنّ معظم البشر يُفضّلون العيش في قطيع، يرغبون في أن تُملى عليهم أفعالهم وأخلاقهم، وحتّى تلك القلّة من المُتوحّدين فعليا، فإن أغلبهم قد فُرضت عليهم الوحدة، ولذلك فهم ما يزالون رغمَ وحدتهم الفعلية يَدينون بما يَدين به القطيع.

وفي الواقع، فإن كل الأيديولوجيات والمذاهب تَدعو وتَصبو لنفس الشيء، فقط تختلف سُبُل وَوَسائل كل أيديولوجية عن الأخرى؛ المُتديّن والعلماني، الاشتراكي واللّيبرالي.. كُلّهم يَدعون إلى التّقدّم وإلى حياة أفضل للإنسان. للمُتديّن أخلاق وقيم وللعلماني كذلك أخلاق وقيم، وكذلك للاشتراكي واللّيبرالي قيم وأخلاق؛ أي نعم، قد تختلف بعض قيمهم وأخلاقهم، لكنّها تندرج جميعها تحت بوتقة الأخلاق. العلماني كَمَا المُتديّن واللّيبرالي كما الاشتراكي، جميعهم يستنكرون عدم وجود الأخلاق، بل ويَشتركون في عدد من الأخلاقيات والمبادئ الأساسية.

أمّا أنا، فأنا "أَوْحَد"، أعيش بعيداً مُنزوياً عن القطعان البشرية ومبادئهم وقيمهم، ولذلك فأنا ضِدّي، ضدّ كلّ ما هو سائد... أنامُستوحد وفقط، لا أدين إلا بنفسي، أَنَجَدَ الأمر لديك الآن؟

سَادَ سكون قصير ثمّ سَمِعتُ:

ــ يبدو الأمر سيئاً حقاً.

ــ ماذا؟

ــ أن تعيش بلا قيم، وبلا مبادئ، وبلا قدوة، وبلاطموحات... الأمر فظيع حقا.

ــ دَعكَ من الأمر أَيّها الأبله، أنت لن تَفهم ذلك. أو لَعلّكَ تفهم وتصطنعُ عدم الفهم.

أَعَدتُ تركيزي وانتباهي إلى التلفاز؛ كان المُشاركين، بَشَرُ العروض هؤلاء، يُشكّلون صفّاً واحداً، كما لو كانوا فريق كرة سلّة، وعلامات التّوجّس والخوف بادية على وُجوههم.

ــ أُنظر إليهم -قلت مُتهكّما- يَتَبَاكون ويَرتَعدون، وكَأنَّمَا سيُلقى بهم في إحدى غرف التّعذيب العَلَويّة... آاه! لو كُنتَ واقفا هنالك بينهم لَضَحكتُ كَثيراً، كَما لَم أَفعل طيلة هذا العرض!!

ــ لا يُمكن ذلك أيّها الأخرق... فأنا لَستُ موجودا حَتّى.

ــ أَعرف ذلك، - قُلتُ مديراً رأسي ناحية السّرير- كُنتُ أتهكّمُ فقط، وأعرف أيضاً أنه ليس ثمة فوق السّرير إلّا الوسائد المُمتلئة... أَوَتَعرف ماذا؟ إنسَ الأمر فقط، إنسَ كُلّ ما ناقشته معك، فَلَا جَدوى من مُحادثة شَبح مُؤدلَج، في الحقيقة لا جدوى من أي شيء. سأُطفئ التّلفاز وأَنام. آمل ألّايُضايقك ذلك، مادام أن البرنامج لَم يُعجبكَ أنتَ أيضاً.


  • 1

   نشر في 25 شتنبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا