الوجودية والاعتلال النفسي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الوجودية والاعتلال النفسي

  نشر في 23 مارس 2019 .

الوجودية والاعتلال النفسي

يقلّب البحر على النفس الأوجاع، والطبيعة الخام تسلّي العين وتدمي القلب في ذات الوقت، إذن لا عزاء، ولا ثمة حتى مجرد فرصة لإزاحة العبء من على الكاهل، وإطفاء شعلة العقل المتوقدة ولو لبرهة، ومن عجب أن يفكر المرء في إنهاء حياته بين أزهار نابعة من قلب الصخر، وأمواج ثائرة على نظام الحد والرمل، صحيح أن هذا عجيب، وعجيب جدًا، لكن الأعجب منه هو هاته الطريقة التي يتعامل بها العقل مع منظر جميل ومشهد خلاب، مع موج يناطح الصخر، وزهر يقاوم الحجر، مع حبات رمل لينة مفرطة في النعومة تذوب تحت القدوم ثم تعاود الاجتماع من جديد، مع معزاة ترعى في الصحراء زاهية ببعض الحشائش، كل المناظر هنا تدعو للحياة وتبث الأمل، إلا أن العقل المعتل، أو النشط أكثر مما ينبغي لا يترك لنا الفرصة، ولا يلبي لنا رغبة الهدوء ولو قليلًا.

فالعقل المعتل، والروح المريض، لا يتركان لنا فرصة حتى لمجرد نسيان الوجود (وجودنا الخاص أو حتى الوجود العام)، إنه ينوء بكلكله على صدر سعادتنا فيدميها، وينكأ جراحاتها من جديد فيفجرها.

أن تكون موجودًا، أتعرف ماذا يعني هذا؟ يعني أن تكون معتلًا، لكن السؤال الأجدى من هذا والأكثر منه أهمية: لماذا تكون معتلًا أصلًا؟ الحقيقة أن الاعتلال النفسي ما هو إلا عرض لمرض آخر خطير، إنه الاعتلال الوجودي، فانسداد الأفق على الوجود يفعل هذا وأكثر؛ فأن يكون المرء لا يعرف نفسه؟ ولا يعرف حتى لهذه النفس هدفًا أو غاية؟ وإذا سُئل ماذا تعمل؟ أو ما وظيفتك؟ لا يجد لهذا السؤال إجابة، كما لا يجد لغيره من آلاف الأسئلة المحرجة والصادمة إجابة، كل هذه الأسئلة التي لا جواب عليها، تضعنا في مواجهة وجودنا الخاص وجهًا لوجه.

والعقل المعتل، الحسود هو الآخر، الذي يحسدنا على لحظات الراحة المؤقتة، والمؤقتة جدًا، لا يترك فرصة للهدوء، ولا حتى للخلود إلى النوم ولو للحظات، فيعاود مهنته القديمة: المزيد من طرح الأسئلة، والدفع بهذه الأسئلة إلى أقصى حدودها الممكنة واللا ممكنة معًا. إن أملنا وكل منانا هو: أن تُطفأ ماكينة العقل بالليل، أن يخرس، ويصمت هديره الفوار.

لا تكمن المشكلة في الروح، إذن، ولا النفس، فقط في العقل المريض، أو قل، إن شئت الدقة، الذي يمارس دوره بتطرف وبنشاط لا تقوى الروح على تحمله، يا صديقي العقل، لا أريدك أن تعمل بكل بهذا النشاط، ولا بكل هذه الطاقة، فقط ريّح نفسك وريحني.

حسنًا فلنحاول أن نهدأ هذا العقل أو نغيبه، سنسافر إلى بعيد، سنهرب من المدنية والزحام، سنتعاطى خمرًا وبعض المخدرات الأخرى، سنجاور أتفه الخلق، والذين وضعوا عقولهم منذ زمن في ثلاجة، لا تثق في هذا الحل، فقد جربه غيرك ولم يجد معه أدنى نفع، بل حاول بعضهم الانتحار وسط محمية طبيعية تنبض بالحياة والأمل.

لم تجد معك الأسفار ولا الخمور ووسائل تغييب العقل، لا تيأس، لا تيأس أبدًا، حاول مرة أخرى، في اتجاه آخر، توجه إلى امرأة، ويستحسن أن تتحرى تلك التي تتحمل وطأة الحب العنيف، التي بإمكانها تلقي كل هذا السيل الجارف من المشاعر الفياضة، والإنسانية المفرطة، اتخذها لك إلهًا، ضعها في فاترينة، وأدعو العالم كله لمشاهدة تحفتك الفنية هذه، تعامل مع جسدها كأنه كنز رباني، واعتبره سرًا كبيرًا من أسرار الآلهة، احتفى بالشَعر والبسمة، وقدّس اللون والسُمرة، وهم عشقًا بالكلمات التي تنطقها، أكتب لها، فالآن وجدنا لهذه الموهبة "الكتابة" فائدة، استخدم قدرتك على سبك الكلمات في نثر الدر على أذنيها، قل لها: "أنت كل النساء"، واحفظ في غيبتها الحب في قلبك، لا تخنها حتى ولو بالنظر، قل لها: "اكتفيت بك عن الجميع؛ فالحب رحلة من الأنا إلى الآخر، هجر للجميع سوى واحد، أنتِ" سيعجبها كلامك، وستباهي بك صديقاتها، ستحفظ بعض كلماتك، سترددها أحيانًا، ستلتحمان معًا، لكن العقل، عدوك الأكبر، سيثور من جديد، سيعاود طرح الأسئلة المحرجة في أشد اللحظات خصوصية وسعادة من جديد، فتُضطر وأنتما ملتحمان للبكاء، ستسقط دموعك الحارة على جدران روحك فيتحول الدمع إلى طعنات، ستظن هي أن هذا هو بكاء الفرح؛ فرح الوصل واللقاء، ستعدك بالبقاء معك إلى الأبد، سيتكرر بكاؤك، وسيتعاظم حزنك، فتملك هذه التي جعلت منها ملكة، ورفعتها على كل النساء قديسة بل وإلهة، ستكره روحك، ستلعن دينك، ستكفر بك، وستخونك مع أخص وأقرب أصدقائك.

المشكلة، إذن، ليست في الخارج، ليسا في العالم، فالعالم مليء بجمال يتمتع به الأصحاء، بل في الداخل، في داخلنا نحن المعتلين نفسيًا والمأزومين وجوديًا والمجروحين وجدانيًا، أنت مذبوح من الداخل والخنجر في قلب روحك مغروز، لا جدوى يا رفيقي، لا جدوى أبدًا، فإذا ذهبنا لانتزاع الخنجر أو تركناه على حاله ستموت، تحمّل، إذن، وبرجولة، قدرك.

محمد علواني

23 مارس 2019

في اليوم التالي للعودة من مطروح



  • محمد علواني
    كاتب، متخصص في الفلسفة النقدية والأدب والنظرية الاجتماعية
   نشر في 23 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا