الإعدام أم الحق في الحياة. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإعدام أم الحق في الحياة.

الإعدام بين الإبقاء والإلغاء .. آراء ورؤى مختلفة عبر الزمن

  نشر في 17 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 أكتوبر 2018 .

          تعد الجريمة ظاهرة اجتماعية، فقد واكبت مجمل تطور المجتمع البشري؛ منذ نشأته الأولى نتيجة للصراع القوي الذي صاحب تعارض مصالح أفراد ذلك المجتمع في مجال بحر الحياة الذي ظلت أمواجه ترمي بالناس في تدافع وتسابق إلى أهداف مختلفة ومصالح متضاربة سعيا وراء كسب التغلب، وتتويجا لانقسام العالم إلى معسكرين أساسيين، معسكر الخير ومعسكر الشر فظلا يتعاركان ويتحاربان دوما فلم ينتصر الخير دائما لمجرد أنه خير، كما أن الشر؛ لم ينهزم وقتا لكونه شرا، بل ظل الصراع محتدا بينهما أبد الدهر فاقتضت سنة الحياة أن تكون هناك في كل عصر وسائل مختلفة للتقليل من ظاهرة الشر وإفرازاتها الإجرامية التي تنعكس آثارها على استقرار المجتمعات الآمنة المطمئنة، وفي مجال مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، تظهر أهمية التشريعات السماوية والوضعية. ولعل الحدث الثابت تاريخيا وتريعا؛ أن أول جريمة وقعت على البقعة الأرضية التي أسفرت موت ثلث سكان العالم؛ كانت جريمة القتل التي استهدفت هابيل من طرف أخيه قابيل، وكانت هذه الجريمة ناتجة عن تقبل الله لقربان هابيل وعدم تقبله من طرف أخيه قابيل مما جعل نار الحقد والحسد ترتقد في أحشاء وكنه هذا الأخير، فتحفزه على الاعتداء على أخيه وتحمله على محقه من الوجود، وقد نص القرآن القريم على قصة هذه الجريمة فذكر ما دار بين الأخوين حولها من حوار وبين بشاعة القتل وفظاعة الجريمة الموجهة من الإنسان نحو أخيه الإنسان. وبالنظر إلى فظاعة وبشاعة هذه الجريمة وما تتركه في القلوب من ارتياع وارتباك وخوف وفزع، فإن هذا جعل مختلف التشريعات تنص عليها وعلى عقوبتها، تخويفا من الوقوع فيها وتخفيفا من غلواتها واستفحالها.


        فقد ظهر تباين منظور المجتمعات إلى الجريمة باعتبارها الفعل المنبوذ لزعزعته وإقلاقه لراحة الأفراد باختلاف العصور والمكونات والثقافات، إلا أنها اتفقت في غاية واحدة تكمن في البحث عن السبل الكفيلة بالحماية منها أو لمنع وقوعها من خلال العناية بالمجرم باعتباره الهدف المنشود إصلاح وضعه، فإذا كان علم الإجرام أو الجريمة يعنى بدراسة المجرم بعد ارتكاب الفعل بغاية الوصول إلى الوسائل الكفيلة لإعادة إدماجه في المجتمع، فإن علم العقاب الذي أخذ استقلاليته عن باقي العلوم المتعلقة بالجريمة يعنى بالعقوبة الجنائية بغاية تقرير ما يصلح منها لإعادة إدماج المجرم في المجتمع، فهو يعنى بالتدابير الوقائية من الجريمة وبالوسائل الزجرية في الوقت نفسه، أما أساليب ومناهج إعادة الإدماج فتبقى من اختصاص المؤسسات السجنية.

        لقد عرفت عقوبة الإعدام تطورا تاريخيا كبيرا، حيث عرفت البشرية في بداية الأمر "المجتمع الطوطمي" وهو عبارة عن جماعة ترتبط فيما بينها على أساس ديني بدائي، فيعتبرون أنفسهم منحدرين من حيوان أو جماد معين يرمز له ب"الطوطم" يكون قديسا من الجماعة، فإذا اعتدى أحد على الطوطم كان يعاقب بالاعدام، ثم جاءت المجتمعات "الأبيسية" فأصبحت السلطة للرجل الذي كان هو زعيم القبيلة، فكان مبدأ العدالة الخاصة هو السائد، أي أن العقاب كان لأهل الضحية عن طريق الثأر والاقتصاص للقتيل بقتل القاتل، فعاشت القبائل حروبا طاحنة بسبب الثأر والإقتصاص، وقد عرفت المجتمعات العربية هذا النظام في زمن الجاهلية، ومن بين الحروب التي كانت مبنية على الثأر حرب البسوس وحرب داحس والغبراء...

        لتطور المجتمعات البدائية من مجتمع الإلتقاط إلى مجتمع الصيد، حيث تميز باختزان الطعام لكثرته، ليتولد عنه نظام المقايضة والدية، فأصبح أهل القتيل يقبلون قدرا من المال مقابل الامتناع عن الانتقام من جماعة الجاني أو أهله، ثم تطور هذا المجتمع بدوره إلى مجتمع يسمى ب"مجتمع الوعي"، حيث تحولت الدية الاختيارية إلى دية إجبارية يرغم أهل القتيل على قبولها ويمتنع عليهم الأخذ بالثأر، حيث لم يلاحظ في هذا المجتمع أي عقوبة بالإعدام ما دامت الدية الإجبارية هي العقاب الوحيد الذي يسلط على الجاني وذوي قرابته.

        وعند تصفحنا لكتب التاريخ التي تناولت هذا الموضوع؛ نجد في الحضارات القديمة كالحضارة الأشورية والبابلية والفرعونية نهجت القانون الأشوري وقانون حمو رابي الشهير الذي نص على مجموعة من الأفعال والتي حدد عقوبتها الموت، وكذا التقنينات العبرية التي حددت هذه العقوبة لعدة أفعال منها خطف إنسان وبيعه وجريمة القتل وضرب الأب أو الأم أو شتمهما. أما في العصر اليوناني فقد كان قانون دراكون المعروف يتسم بالشدة والقسوة، حيث كان الجاني يوضع تحت رحمة الآلهة مقيدا في قارب بلا مجادف، فإن استطاع الخروج حيا فقد برأته الآلهة وغفرت له. وأما في عهد الإمبراطورية الرومانية فقد حلت العدالة بيد السلطة السياسية بعدما كانت بيد العدالة الخاصة فأصبحت عقوبة الإعدام تطبق على الجرائم السياسية كالخيانة والمؤامرة أكثر مما تطبق على الجرائم العادية، وكان قانون الألواح الإثنى عشر الأكثر معروفا.

           لكن غداة اعتناق الإمبراطورية الرومانية للديانة المسيحية بدأ أثر هذه العقوبة يختفيوينعدم، وذلك راجع للأفكار المبنية الجديدة والتعاليم المسيحية الروحانية التي تعتبر من كل إنسان إبنه، ولا يمكن محقه من الوجود. وأما قانون الكنيسة فقد جاء بتغييرات جديدة على اعتبار أن الجريمة لا ترتكب ضد الأفراد فحسب، بل ضد المصلحة العامة أيضا، ليصبح الغرض من العقوبة هو إصلاح الجاني وتأهيله للإندماج من جديد في الجماعة لا تعذيبه أو الإنتقام منه، وتم إقرار ما يسمى باللجوء إلى الكنيسة الذي يخول للجاني الحماية من قبلها دون التعرض للإنتقام من ذوي الضحية.

         أما الشريعة الإسلامية فقد صاغت العقوبة كما بين الشارع ذلك؛ واعتبرها جزاء وضع بغية زجر المجرم عن ارتكاب الأفعال المحظورة من فعل أو ترك، فهي جزاء مادي مفروض سلفا يجعل المكلف يبتعد عن ارتكاب الجريمة، فإذا ارتكبها زجر بالعقوبة حتى لا يعود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، كما سيكون ذلك ردعا لغيره. ونجد الشارع قد قسم الجرائم إلى ثلاثة أنواع هي جرائم الحدود، وجرائم التعزيز، وجرائم القصاص؛ فجرائم الحدود هي التي فرض لها الشارع عقوبة محددة تجب حقا لله تعالى، وهي محددة على سبيل الحصر؛ جرائم الزنى، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر، وأضاف إليها بعض الفقهاء الردة والبغي والقتل. فجرائم الحدد التي إلى تتراوح بين الاعدام كما هو الشأن إلى زنى المحصن، والحرابة، وبين الجلد كما هو بالنسبة إلى جريمتي الشرب والقذف وزنى غير المحصن، بالإضافة إلى جريمتي الردة والبغي. أما جرائم التعزيز فهي التي يقدر لها الشارع عقوبة محددة، وجرائم القصاص هي تلك الجرائم المعاقب عليها بقصاص أو دية حقا للعبد وهي جرائم خمس؛ القتل العمد، والقتل شبه العمد ...

         ومنه تكون عقوبة الإعدام مقررة في الشريعة الإسلامية في مجمل الجرائم التي ذكرناها أعلاه، وقد جاء في كتاب الله تعالى في قوله" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى".

         وعند استدراجنا لهذه المراحل التاريخية كلها كان لابد من الوقوف عند ما عرفته عقوبة الإعدام في العصر أو الفكر الحديث، الذي بدأت معالمه مع بروز عصر الأنوار في القرن الثامن عشر وذلك مع ثلة من الفلاسفة والفقهاء الذين أبدوا برأيهم في هذا المجال، فكانت فلسفة عصر الأنوار تقوم على أساس تحكيم العقل بالوعي، والبدأ بالنظر إلى العقوبة بمنظار جديد يختلف عن العهود السالفة، وقد بنيت هذه الفلسفة على التسامح والرحمة في المسائل الجنائية، ودعت إلى المساواة بين الناس أمام القانون، ونتج عن هذه النظرة أن بدأ النظر إلى العقوبة نظرة علمية أكثر منها نظرة انتقامية. وكانت أهم خطوات التطور في علم قانون العقوبات، أن أخذت في الاعتبار بعض مبادئ؛ كمبدأ شرعية العقوبة، ومبدأ الظروف المخففة، والبحث عن القصد الجنائي، والتفرقة بين جرائم القتل العمدية وغير العمدية، وتلك التي تتم نتيجة الإهمال أو الخطأ أو عدم الاحتياط، وتوجت مسيرة هذا التطور والتقدم بانتشار"حق العفو" .

          إن أهم حركة فقهية شهدها هذا العصر تلك التي تزعمها الفقيه الإيطالي "بيكاريا" الذي أحدث ضجة كبرى بإصدار مؤلفه " الجرائم والعقوبات" إذ بفضل الأفكار التي تضمنها إياه تراجعت فكرة الإنتقام لتحل محلها فكرة الفائدة أو الصالح العام، حيث وجه أصبع الانتقاد إلى قساوة العقوبة، إذ أنه استحسن منع المجرم من ارتكاب جرمه بعقاب معقول ومؤكد بدل تخويفه وردعه بطرق تعذيب يأمل الهروب منها. فبيكاريا لم يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام كليا، بل طالب فقط بتقليص وحصر نطاقها، وذلك بتعويضها بعقوبات سالبة للحرية، خاصة عقوبة السجن المؤبد.

          يقول "فيكتور هيغو " " إن القرن 19 هو قرن إلغاء عقوبة الإعدام" وبالفعل فإن هذا القرن قد عرف تحولات عميقة في المجتمع الدولي حيث اشتد الصراع بين المطالبين بالإبقاء على عقوبة الإعدام، والمطالبين بإلغائها وتم الإعتماد على أسس ومرتكزات خاصة بالنسبة لخصوم هذه العقوبة حيث اعتمدوا في دعواهم على أسس دينية وفلسفية وأخلاقية وإحصائية جديدة.

         فمع بداية القرن العشرين ظهرت فلسفة رومانية على يد إيمانويل كانط و "جوزيف دي ميستر" والتي قامت على أساس العدالة المطلقة التي لا شأن لفائدة العقوبة فيها، فالفيلسوف "كانط" لا يقيم وزنا للمنفعة أو المصلحة التي يجنيها المجتمع من توقيع العقاب بقدر ما يرى في هذا العقاب ضرورة تقتضيها العدالة لذاتها. فهو يرى أن يقتل المجرم إذا ارتكب جرما خطيرا يستحق إنزال هذا العقاب به، ويؤكد ذلك بقوله" انزعوا حياة الذي نزع حياة الآخرين". أما الفيلسوف دي ميستر" ففلسفته مبنية على أسس دينية إذ أن رأيه أن الحكام لهم التفويض الإلهي بإنزال العقاب لمن يستحقه، فهو ينادي بمعاقبة الكفر بالله وعدم الإيمان به طالما أنهما مخالفين للأخلاق.

       أما المدرسة الكلاسيكية التي ظهرت في الفترة ما بين 1814 و 1830، وكذا الكلاسيكية الحديثة التي حاولت التوفيق بين آراء النظرية التقليدية القديمة ونظرية العدالة المطلقة التي تنادي بالإبقاء على عقوبة الإعدام، حيث ولدمبدأ " العادل يقيد المفيد والمفيد يقيد العادل" . فعقب هذه النظرية جاءت مدرسة جديدة أدلت بدلوها في هذا المجال ألا وهي المدرسة الوضعية التي انطلقت من اعتبار الإنسان مسير وليس مخير، وطرحت فكرة الحرية الإنسانية والمسؤولية التي تترتب عليهاجانبا، واستعاضت عنها بفكرة الجبرية واتخذت أساسا للعقوبة يتجلى فيما سموه بالصدى الاجتماعي، وارتأت في المجرم جرثومة اجتماعية وجب على المجتمع أن يجثثها، كما يعمل التنظيم كله ضد شتى الجراثيم. لينصب اتجاه الباحثين بعد ذلك حول تكييف حقيقة الجريمة وتحليل صور الإعتداء، فأصبحت رؤيتهم للجريمة باعتبارها واقعة اجتماعية، وأنها اعتداء صارخ على المجتمع، فحدثت في فرد من أفراده ضررا مقدرا ومعلوما، وهي هجوم ضد السلطة الاجتماعية بالاعتداء على قوانينها.

        لقد انقسم الفقهاء والباحثين في هذا المجال بين أنصار إبقاء سريان هذه العقوبة، وبين أنصار إلغاء ضم هذه العقوبة إلى القوانين الوضعية السائدة في المجتمع الدولي، فقد بنوا أنصار هذا التوجه الأخير الذي يقضي بإلغاء العقوبة إلى أن عقوبة الإعدام هذه عقوبة نهائية وقاسية، وغير إنسانية ومهينة، فهي تنهك حق الحياة وأن الله هو الذي يمنح الحياة ويأخذها، فإنه من الضروري إلغاؤها. أما أنصار التيار الأول الذي ينادي بإبقائها فيرى أن المجرم جرثومة اجتماعية فاسدة على المجتمع أن يجثتها، وأن عقوبة الإعدام عقوبة عادلة يتساوى فيها الأذى الذي أوقعه المجرم بحياة قتيله، والأذى الذي تعرضت له حياته هو بإعدامه.

       فالغالبية العظمى وحسب رأي أنصار الإبقاء على عقوبة الإعدام متفقة على أن هذه العقوبة هي اللغة التي يجب استعمالها للتفاهم مع المجرم الخطير وهي المنفذ الوحيد لجعل المجرم يكفر عن أعماله الإجرامية.

       إن التراجع الملحوظ في تطبيق عقوبة الإعدام بشتى بقاع العالم خصوصا البلدان التي ضمتها لقوانينها الخاصة، تجعلنا نقف عند قساوة وبشاعة هذه العقوبة مما تتركه في كنه الإنسان الإنساني، حيث تمس الجانب الإنساني العاطفي وتثير مشاعر الأسى والحزن نتيجة ما تلحقه بكل إنسان حضر لحظة النطق بها أو لحظة تنفيذها، لتبقى عقوبة غير مرغوب فيها من جهة ومطلوبة في بعض الحالات، التي ما فتئنا نراها شرعت إلا من أجل تطبيقها على مثل هذه الأفعال.


  • 2

  • مولاي محمد منار
    أستاذ باحث في العلوم القانونية والإجتماعية، استشاري تربوي ونفسي.
   نشر في 17 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 أكتوبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا