دروس للاستماع ( 1 ) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دروس للاستماع ( 1 )

البحث عن إلزابيث

  نشر في 21 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 23 يناير 2017 .

أشعر أنه من الواجب على قبل أن أبدأ فى هذا المقال أن أنقل لمن يقرأه ، شعور انتابنى قبل كتابة المقال ، شعرت أنه و لو لوهلة أن هذا العام الجديد يستحق منى أن أكتب شيئاً جديدا ً ، هو مزيجا ً بين التاريخ و المعاصرة ، و الواقع و المطلوب تحقيقه ، ربما شيئاً مختلفاً للغاية .

و هنا فإنى وقفت أمام مكتبتى الصغيرة مستدعيا فى سرعة بعض الكتب التى قد تفى بالغرض .

و أول شئ وقعت عيناى عليه هو مقال لكاتبى المفضل – دائما – محمد حسنين هيكل ، كتبه فى أغسطس 1992 لجريدة " يوميورى شيمبون " اليابانية ، ثم أعيد نشره بعد ذلك باللغة العربية بعنوان : ( الجنرال ديجول : لا سياسة بلا خريطة ) .

ثم إذ بى أسحب كتابا بجانبه و أعيد التقليب فإذ به كتاب " زيارة جديدة إلى التاريخ " لنفس الكاتب ، ثم بى أقف عند مقالة للكاتب عن الملك الإسبانى السابق خوان كارلوس بعنوان : ( خوان كارلوس : البحث عن إليزابيث ) .

و بعد أن أعدت قراءة تلك المقالات ، تذكرت تلك الدولة العربية مهيبة الجانب ، ذات الأهمية الكبيرة ، ألا و هى المملكة العربية السعودية .

و سألت نفسى سؤالاً هاما ً : " ألم يحن الوقت بعد للملكة لتحدد موعداً لدرس مع التاريخ ، يلقيه عليها الملك خوان كارلوس ، و الرئيس الفرنسى الأسبق و الراجل شارل ديجول ؟ "

نعم الرئيس ديجول رحل عن عالمنا منذ زمن طويل و تغيرت الأمور كثيرا – أقصد تعقدت بما فيه الكفاية و يزيد – عن ماكانت عليه أيام ديجول ، و الملك خوان كارلوس اليوم هو خارج الدائرة عموماً بعد أن تنازل لأبنه عن عرش إسبانيا و قرر أن يجلس بعيداَ ممضياً الباقى من أيامه فى شئ آخر غير أن يكون ملكاً لتلك البلاد .

و لكن هل غادرت المملكة العربية السعودية تلك الأيام من الأساس ، ربما لما تستوعب الدرس حينها ، ربما لم تدرك دوران الزمن ، و لكن الشئ الأكيد أن هناك شيئاً عالقاَ فى ترس دوران المملكة عند تلك الأيام و يحتاج إلى مهندسين من ذلك الزمن لإعادة الحركة إلى ذلك الترس ، و لكن الشئ الأكيد أنه لون أن المملكة لا تستوعب ذلك فإن النتيجة الوحيدة هو إنكسار هذا الترس ، و لا أحد يعلم أى نتيجة قد توجد على الواقع !

الدرس الأول : كيف تصل إلى إليزابيث ...

و أثناء كتابتى لتلك الكلمات، فإن المملكة العربية السعودية تستعد بعد أيام قليلة للإحتفال بمرور عامين على تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز زمام الملك ، بعد وفاة أخيه الملك عبدالله بن عبدالعزيز .

و لعل المفارقة التى أود الإشارة إليها فى مقالى هو أننا نسعى لأخذ العلاج من الملك خوان كارلوس الذى تنازل عن عرشه فى عمر ال77 فى نفس الوقت الذى أعتلى فيه الملك سلمان الحكم و هو فى عمر ال79 !

و أننى أذكر عندما توفى الملك عبدالله الملك سلمان ، سألت نفسى هل تستقيم الأمور فى المملكة مع هذا الملك الجديد ، الذى يعرف الجميع حقيقة وضعه الصحى و حقيقة أنه ربما بحكم السن و أمور أخرى قد لا يكون قادراً على أن يكون رباناً للسفينة فى ذلك الوقت الذى تعج فيه المنطقة بالمشاكل و المخاطر و التى ربما تكون موجهة على المملكة بشكل مباشر .

و أذكر حينها أن احد الأصدقاء الذين تناقشت معهم قال لى : " لا تقلق فإن المملكة هى أكبر مثال ممكن أن تراه على الثبات و الاستقرار الداخلى ولا أعتقد أن رحيل ملك و صعود ملك آخر قد يكون شيئاً يؤثر على هذا النظام الذى أمتد عبر عقود طويلة " .

و لكن مر عامان ، و معهم تحول التساؤل ، إلى نوع من الانتظار المحفوف بالتساؤلات أكثر من ذى قبل ، و لكن هذه المرة ليس عن مصير العرش ، و لكن ماهية المستقبل ككل .

إننى دائماً عندما أتذكر كيفية تولى الملك السلمان للعرش ، أتذكر معها العام 1617 م ، حين توفى السلطان العثمانى ال14 أحمد خان الأول فى ظروف مفاجئة و غامضة ، تاركاً ورائه سيل من الأبناء الذكور الأمراء من والدات مختلفات

و لأن الرجل قد توفى بعمر ال29 ، كان أبنائه صغار و فى سنين متقاربة نوعا ما و صغار على ممارسة أى دور فى الحكم إلى حد ما بالتأكيد ، و لكن المرشحين الأساسين عليه من أبنائه كانوا الأمير عثمان – الذى أصبح سلطاناَ فيما ما بعد – و شقيقه الأمير محمد و هم أبناء ماهفيروزة سلطان و هم الأكبر سناً بين إخوتهم الذكور ، و الأمير مراد – الذى أصبح فيما بعد هو الآخر سلطاناً - الابن الثالث من حيث الترتيب و ابن ماهبيكر كوسم سلطان التى صارت فيما بعد الوصية على العرش العثمانى ل10 سنوات تقريبا فيما بعد و أهم شخصية نسائية يمكن ان تذكرها فى تاريخهم .

و بالقطع الصراع على أشده بين الوالدات المتنافسات ، فكل واحدة لتصعد بابنها على سدة الحكم .

و من ناحية فالقواعد المعمول بها فى وراثة العرش تنص على أن أكبر أبناء السلطان الراحل هو صاحب الحق الوحيد فى اعتلاء العرش ، و من ناحية أخرى فرجال الدولة من وزراء و علماء و قاد الجيش لا يدينون بالولاء لوالدة لأكبر أبناء السلطان بل لكوسم سلطان و هنا فقد تعارضت السياسة مع الواقع بشكل منع حتى الأمور من أن تسير فى مجراها الطبيعى .

و هنا بايع الوزراء و العلماء كوسم سلطان و لم يبايعوا الأمير عثمان و والدته ، فيما أختلف قادى الجيش فيما بينهم .

و لأن السلطان الراحل قد خالف العادات و أعطى الحق لأخيه الأمير مصطفى بالحياة و لم يقتله طبقا للقواعد المنصوص عليها ، فإن كوسم استطاعت أن تكسب الوقت لتحل مشاكلها مع قادة الجيش ،فولت ذلك الأمير – الذى كان مجنوناً و فاقداً لقواه العقلية – زمام السلطة كفترة انتقالية ، و كانت مدتها 3 أشهر هى تلك المدة التى استطاع فيها الأمير عثمان أن يفوز بتلك الجولة و يصبح سلطاناً للبلاد ، فسيطر على قواعد الأمور و أعدم شقيقه محمد و بدء يرسخ لمرحلته ، إلا أن الحظ لم يحالفه فزوجه أبيه كوسم استطاعت بعد 3 سنوات أن تنزله من العرش و ربما شاركت فى مؤامرة قتله أيضاً ، و أعيد السلطان مصطفى المجنون من جديد حتى يكبر ابن كوسم الذى لم يتجاوز ال10 أعوام وقتها ،و يستلم عرش الدولة ، إلا أن كوسم لم تكن لتنتظر حتى ذلك الوقت ليكبر ابنها ، فتولت ابنها و حكمت هى بالنيابة عنه طيلة 10 سنوات من عمر الامبراطورية العثمانية، بعد ان ابقت على السلطان مصطفى تحت الاقامة الجبرية ، و لم تستقم الامور حتى استطاع السلطان مراد الرابع أن يبعد والدته عن زمام الأمور و يتولى هو بنفسه امور السلطنة .

و أعذرونى إنى أطلت فى الحديث و سرد قصص قديمة من التاريخ ، إلا أن شعورا ما لدى يقول أن العصر هو العصر و الأشخاص قريبون فآل سعود يدركون أن الحكم فى أبناء الملك عبد العزيز قد انتهى و يجب أن ينتقل إلى أحفاده و ربما أحفاد أبناءه ، لكن الانقسام واضح للغاية ، و لكن ما أشعره أيضاً أن الملك سلمان – بحكم الأمر الواقع – ملك انتقالى حتى يتم حسم ذلك الخلاف .

و لكن هل المملكة حقا ً فى ذلك الوضع الذى يسمح لها أن تكون محظوظة مثل الدولة العثمانية حينها لتمر من تلك الأزمة دون خسائر كبيرة ، و الإجابة حتما يعرفها الجميع و هى لا .

و معه تقول حقائق الأشياء أن عصر الملك سلمان بالفعل منتهى منذ اليوم أعتلى فيه سدة الحكم .

و ربما رأى ذلك الملك الكبير فى السن أن حل الأزمة يكمن فى اقتصار السلطة على الفرع السديرى فى الأسرة الحاكمة ، حين أتى بابن أخيه و شقيقة ، الأمير محمد بن نايف ولياً لعهده ، و بابنه الأمير محمد بن سلمان وليا ًلولى العهد ، كتصور ما للمرحلة القادمة .

و رغم أن أصواتاً من أفراد الأسرة الحاكمة المعدودة بالآلاف لم يرق لها هذا التصور ، إلا أنه و بحكم الأمر الواقع صار الأطروحة الوحيدة التى يجب التعامل معها ، و صار معه التنافس ملحوظاً بل شيئا بديهياً بين الأميرين .

و رما الملك الوالد نفسه يرى فى ابنه ملك المستقبل الذى يجب أن يخلفه ، ليصبح هو أول ملك سعودى يخلفه ابنه فى الحكم و ربما يحاول أن يحصل على بعض المباركات الدولية و العربية لذلك ، و فى المقابل يرى ولى العهد أنه صاحب الحق فى خلافة عمه ، و هو الأمير القوى ذو العلاقات الدولية الكبيرة و أحد أهم الحلفاء فى الأسرة الملكية السعودية للغرب ، و لديه رصيد من العلاقات العربية ، و هو الذى أرسله والده للتعلم ببريطانيا ، وحصل على قدر كبير من الثقافة و العلم ، فى الوقت الذى لم يحظى ولى ولى العهد بأكثر من الدراسة داخل المملكة فى قسم إدارة الأعمال بأحد الجامعات هناك .

و هنا فإن محتوى الدرس يجب أن يظهر ، فالملك خوان كارلوس يحكى أنه كان يبحث عن نموذج مشابه لنموذج الملكة إليزابيث الثانية فى النظام الملكى البريطانى مع بعض التعديلات بحيث يكون مجرد رجل مرور بين رجال السياسة فى بلاده حتى تعبر من ممر الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية التى خلفها حكم الدكتاتور الأسبانى الجنرال كارلوس ، و كيف أن هذا الملك الاسبانى استطاع أن يعيد كافة الأمور إلى نصابها و أن يمر بأسبانيا و أن يبحر بها من دولة منغلقة متوترة العلاقات مع العالم و الجوار إلى دولة منفتحة ذات اقتصاد هام ، و أن يكرس لنظم الديمقراطية و العدالة و سيادة القانون فى بلاده .

و ربما الشئ الذى نستشفه من الدرس ، أن السعودية بحاجة إلى نموذج الملك خوان كارلوس ، بعض التعديلات التى لن تشمل الجوهر و لكن ستشمل طريقة التنفيذ .

و إنى أود الرجوع لبعض الكلمات التى قالها وزير الخارجية السعودى عادل الجبير فى أحد الندوات منذ عدة أشهر حيث قال : " إن بعض العادات فى المملكة مثل منح قيادة النساء للسيارات ليست ممنوعة عندنا بحكم القانون و لكن بحكن الأعراف الإجتماعية و أن هذا الشئ سيتغير عندما يصبح لدى المجتمع القابلية لفعل ذلك "

و الحقيقة أن مشاكل المملكة أكبر من قيادة النساء ، فأكبر مصدر للطاقة فى العالم ، و أغنى دولة عربية ، اليوم لديها مشاكل اقتصادية قاتلة ، و تناقض اجتماعى خطير ، و تناقض بين حداثة تتحق و اصرار على الرجعية فى بعض القضايا بشكل غير مفهوم ، و التناقض الواضح ، أن المملكة تسعى فى اليمن لإقرار الشرعية الدستورية و الديمقراطية و القتال ضد من انقلب عليهم ، فى الوقت الذى تمنع فيه شعبها عن اية حديث عن الديمقراطية و بل و تمنع على المجتمعو الناس أبسط الحقوق فى دستور و برلمان منتخب .

و الجيمع يعلم و يقر أن مثل هذه الأمور لا يجب حلها بين ليلة و ضحاها و لا حتى من خلال جرأة و قوة أو شجاعة من حاكم فى يوم الأيام .

و لكن الوقت فقط كفيل بإيذاب كل تلك الأمور و إيجاد حلول جذرية لها .

و يجب أن يعلم قارئى أننى لا أفرض تصورا لحلاً لدولة أنا لست مواطنا ً بها ، و فى النهاية فإن أهل مكة أدرى بشعابها .

و لكن كل ما أدعو له هو بصفتى مواطنا عربيا ، محبا ً للملكة لأنها بلد عربى هام و لأنها بحكم موقعها البلد الحاضن للمقدسات الإسلامية الغالية على القلوب .

و كل ما أطلبه هو دعوة للاتساق مع المنطق الذى يقبله الوجدان و الضمير ، و القبول بمفردات العصر و العمل على حل مفردات الواقع .

و حتى لا نكون أمام سيناريو مؤلم و مريع و قادم من العصور ملئ بالدماء و القتل و العنف الذى سيزيد الأمور تعقيداً فى ارض الحرم .

و ظنى أن اليوم و بعد عامين فإن الملك سلمان ليس بإمكانه و هو جالس على عرشه أياً ، أن يفعل أكثر من يقف كرجل مرور بين أفراد عائلته الحاكمة ليتصور معهم كيف سيسير المستقبل ، و كيف سكون دور الأسرة الحاكمة فى المستقبل ، و يشرح لهم كيف يدور العصر و أنه ليس بالإمكان سوى الحفاظ على تراب تلك المملكة باى وسيلة ممكنة و مهما كان الثمن ، و أن يضع حداُ للسباق على العرش من بعده بشكل يضمن صعود سلس و آمن لأى وريث من بعده .

ثم أن الحقائق الاقتصادية المرة يجب ان تعالج بشكل أكثر انفتاحا ً و تفهما ً فمن المؤكد أن دولة بحجم المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تضع حداً لتلك الأزمة ، و يجب أن يقتنع و يقنع دولته أن حلول هذا النوع من الازمات لا يمكن أن تديره فقط سجاعة الهواة دون الرجوع لأهل الحل و العقد ، و دون توافق حقيقى فى إدارة الدولة .

ثم أنه يستطيع أن يدخل التاريخ الإنسانى كله – لو أراد لنفسه ذلك – بأن يمهد لتغيير إجتماعى حقيقى و ان يعطى دفعة قوية بحك أنه الملك نحو الحرية و الانفتاح و التغيير الاجتماعى ، و ارساء توافق حقيقى بين قيم الدين الاسلامى الحنيف و بين مطالب العصر ، و هناك دولا كثيرة نجحت فى ذلك بشكل كبير مثل إندونيسيا و ماليزيا و هى دول بالمناسبة متميزة العلاقات مع المملكة ، و إلا فإن الأحداث العثمانية من 1618 و حتى 1623 ستبقى حاضرة ومعها بالطبع نموذج السلطان مصطفى بحذافيره و لا أتمنى أبدا هذا ... حفظ الله المملكة .. و إلى اللقاء فى الدرس الثانى .



   نشر في 21 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 23 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا