آخر أوراق زمن بن عجيبة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

آخر أوراق زمن بن عجيبة

خاتمةٌ وجدانية لرواية "زمن بن عجيبة" للروائي عبد الواحد العلمي.

  نشر في 07 مارس 2016 .

طريحُ الفراش، لكن قلبي يرفرف في انتعاش، مازال موضعُ السرّ مني يَلهج بذكر الله مُذْ تضَاعف الألم وازدادتْ حالتي قلقًا واضطرابًا، الأحبَابُ من حولي يهتمون لأمري وأنا لا أدري ما بي وما يُفعل بي؛ إذ كنتُ أغفو وأستيقظ لتوالي ضغط المرض علي، مضطرب الحال والمآل. تتقاطر علي الإشاراتُ تترى تُشعرني بسفر قريب إلى الأبد. القطار بالبَاب يَطرقُ منذرًا برحيل مُنتظر، وأنا في تكرار لعبارات الألم المُمتزجة بالأمل في لقاء الله: هل بلغت مناك أسي أحمد؟ هل بلغت مناك أوْلد رحمة؟

تذكرت بيتًا عندما سَهوت قليلًا واسترجعت ذاكرتي من أروع ما سَمعتْ أذناي مسَار وجودي:

                                              عَذابي فيكَ عَذبٌ وراحَــةٌ * لأنَّــك حَقاً مُنتهَى أمَلي

فَاطمئنَّ قلبي لهذا البيت العجيب الغريب، فكلّ ما أشعر به من عَذاب وابتلاء هو في الحقيقة عذبٌ وارتقاء إلى الحضرة الإلهية؛ إذ يتبخر الألمُ بمجرد الشعور بلذة الوَصل مع أعظم محبوب، في مشاهد عرفانية ورحمَانية يشتاق لها كل قلبٍ يحملُ من الأشواق والمَواجيد ما تخشع له الأرض والجبال.

                       "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله"

مرت أمامي مشَاهدُ الذكريات، مسَارُ المجاهدات، صراعُ الإرادات. أحسَستُ بضيق في صدري وأنا أحاول أن أتذكر ما مرَّ معي عندما كان نصفُ علماء المغرب ربع مرتبتي في العلم لمدة ثلاثين سنة. ألقنُ العِلمَ الظاهر وأسْبَحُ مع نفسي الشريرةَ إلى هواها مُتكبرًا ومستمتعًا بتقاطر الخلق على تقبيل يدي؛ في ألوان من الخضوع والتذلل لعبد حَقير فقيرٍ مذنبٍ مثلي في لحظةِ غفلةٍ عن مُشاهدة الحَق والكمَال. إذا كانت الحُجب قد استولت علي وغشاوة الوهم قد عَلتْ بَصري، فلم أعد على الحَقيقة لحظةَ الإبصار ساعة الموت، بعيداً عن كل ألوان السير والانطلاق.

لكن، برحمته سبحانه امتن عليَّ بالتعرف على شيخي سَيدي أحمد البُوزيدي وبزيارةٍ لمولاي العَربي الدرقاوي في بني زروال، فانقلبت حَياتي رأسًا على عقب؛ من شيخ العُلماء إلى قطب الدراويش والشحَاذين، من فقيه الفقهاء في علوم الشريعة إلى شيخ الشيوخ في علوم الحقيقة، فعشتُ ألوانًا من المكابدات متذكرًا فيهَا قول الله عزوجل: “لقد خلقنا الإنسَان في كَبد”؛ فكان الصبر على مَشاق الطريق إلى الحق عبر مسَالك التخلية والتحلية والتجلية سَبيلنا، وقوة التحمل دليلنا، وباب السجود لله خشوعًا وتذللا مَوردنا.

خُضت رحلات الدعوة إلى الله عبر المداشر والقرى أيام البرد والشتاء، نحدث أهلها عن الذكر والقرآن ونعرف سكانها بحسن نياتنا رغم ما قابلنا في ذلك من إذاياتٍ وافتراءاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فكنا نكتفي بالصمت أحيانًا لجهل المدعين ونرد مُضطرين على بَعض الفقهاء المتكلمين، فأدى بنا ذلك إلى حالات من التكفير واللعن ودخولٍ إلى السُّجون التي تحولت فيما بعد إلى زوايا وتكايا نذكر الله فيها ونبتهل حتى ضجر السجانون منا وبعضهم تبعنا.

غاب عني الوعي مرة أخرى والمرض يفتك بي فتكًا، ويُحمّلني من الآلام الشديدة ما الله به عليم رغم كل الأشفية التي كان يقدمها لي شيخي سيدي أحمد البوزيدي من صيدلية الطبيعة والقرآن، فاتفقت لي إذاك رؤية أثناء غيبتي الأخيرة عن عالم الوجود قبل انتقالي إلى عالم السرمدية المطلق أنني في زيارةِ وداعٍ لقرية الزميج، ولكم كانت أشواقي متجهةً إليها حتى تكون آخر أنفاسي ومدفني بها، لكن قدر الله أبعدني جسدًا وحضرت إليها روحًا، فوجدت أهلي وسكان القرية الذين نكلوا بي وأذاقوني مرارة الاحتقار قد رجعوا عن غيهم واكتشفت في قسمات وجوههم ألوانًا من الحزن والأسى عما بدر وصدر منهم.

الكل مطرق رأسه خجلًا واضطرابًا والصمت يعلو محياهم في انتظار مطرقة رحمة تكسر هول صمت رهيب حدث بيننا أثناء اللقاء الأخير؛ إذ بشيخ هرم يجلس بمقربة منَّا أثناء الوداع النهائي وهم في ضيق من الحرج الذي ألم بهم تجاهي. يخاطبني قائلًا: "سمحلنا أسي الفقيه، سمحلنا أولد رحمة".

فقلت له راجيًا: "عمي الحاج، العفو من صفات الله الباقية، فكيف لعباد أمثالنا ضعاف في حضيرة الرب أن لا يمتثلوا لصفات خالقهم".

فتعالت الهمسَات بالوصية الأخيرة قبل الفراق وكأنهم شعروا بلحظة الافتراق؛ فقلت لهم مجيبًا: "لا تستغربوا الأكدار ما دمتم في هذه الدار، فلو قطع الله عنا المدد ثانية لتلاشينا فالكل منه وإليه، الفرار الفرار تنجو من الأغيار وتصيبوا مواطن الأسرار ليحشرنا الله وإياكم مع زمرة الأبرار".

وجدتُ نفسي أتصبَّبُ عرقًا وسَيدي البوزيدي أحمد خاشعٌ أمامي في تلاوة القرآن، أظنه كان يقرأ سورة يس. وبريد سري يُنذرني بلحظة الوصل فأتحسر للألم الذي كان شديدًا ولأنفاس أضعتها لو كتبها الله لي لدونت أحرفًا تَحفظُ عني قدسية السير إلى الله وتُجيبُ عن أسئلةٍ أحرقتْ أوصَالي لو أنها لم تطرح، ومسَائل أثيرتْ لو أنها لم تناقش، وإشاراتٍ أولتْ لو أنها لم تنطق، لكنَّ أوعيةَ حَامليها تختلفُ باختلاف سعَة الامتلاء. فسر الوصول متمثل في مبتغى القصد وارتفاع الحجب ومشاهدة الجلال، لأن بلوغ المرام قوة إرادةٍ لنيلِ عزمِ الكرام.

                “قيل ادخل الجنة، قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين“.

                               أشه…د أن لا إله إلا الله وأش…هد أن محمداً ر…سول الله..

                                      وداعًا أسي أحمد، رحمة الله عليك ابن عجيبة..

                                                             مرحبًا بولد رحمة..


  • 1

   نشر في 07 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا