اِرْكَــــبْ، لا تْمَنِّــــــــــــــــــــــكْ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اِرْكَــــبْ، لا تْمَنِّــــــــــــــــــــــكْ

  نشر في 30 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 22 غشت 2020 .



أطلق القطار صافرته الأخيرة قبل انطلاقه مبحوحة فتردّد صداها في الأرجاء كنذير شؤم... نظر المتردّدون في ركوب القطار حولهم، يتأمّلون وجوه بعضهم البعض بنظرات تائهة يغمرها الفزع والحيـــرة، باحثين عن غمزة، عن إيماءة تحسم الأمر وتقطـــع مع هذا التردّد القاتل... كانت أشلاء غيوم رصاصية تتراقص في السماء فتحجب الشمس ثمّ تكشفها، مشكلّة أطياف حيوانات ضارية: نمور وفهود وأسود وتنانين فاغرة أفواهها...
دارت عجلات القطار فأحدثت باحتكاكها مع سكة الحديد صريرا مزعجا يذكّــــر بصوت السكاكين عندما تُشْحَذُ... أطلّ بعض الركّاب من النوافذ. فيهم من يحث المتلكئين على امتطاء القطار، وفيهم من ينهاهم عن مجرّد التفكير في ركوبه بعدما اشتدت سرعته...
لماذا تردّد المتخلّفون عن ركوب القطار؟ ألأنّهم فضّلوا البقاء حيث هم؟ أم لآنّهم لا يعلمون وجهة القطار؟ أو ربّما كانوا متوجّسين من ركّاب القطار أنفسهم؟ فكم مرّة انقلب الركّاب على بعضهم البعض عند توغّل القطار في الخلاء فعمّ السّلب والنهب والاغتصاب ولا من منقذ أو مُجِيــر... لعلّ بعضهم كان يخشى من تلغيم جسر أو من قطّاع طرق يتربّصون بالقطار وراء هضبــة...
بلغت سرعة القطار الحدّ الذي تصبح فيه محاولة امتطائه مخاطرة كبيرة... ولكنّ ذلك لم يُثْنِ أحد الخائفين من البقاء عن محاولة الركوب... اكتشف متأخّرا أنّ الباقين على الرّصيف أشدّ خطــرا ممّن ركبوا القطار... مدّ يده لإمساك الباب، لكنّ راكبا ركله برجله فتشبّث الراكض على الرصيف بها... سقط الرّاكب، فتعالت الصيحات وقد دهست عجلات القطار الرجلين ومزّقت جسديهما...
لم يتوقّف السائق.. بل زاد من سرعة القطار دون أن يكفّ عن إطلاق الصافرة المبحوحـــة... قال بعضهم :" أبعدوا هذا الدِّعِيَّ عن غرفة القيادة... إنه ليس السائق الحقيقي... ابحثوا عن السائق بين الركّاب" وقال آخرون: "بل السائق بقي ضمن الواقفين على الرّصيف"... ولكن، ربّما كان السائق أحد الهالكين... بل ربّما لم يكن هناك سائق أصلا...
كنت أتمتم في سرّي: "أيّة رحلة هذه؟ القطار هرم وغير مضمون... السكة غير مضمونة.... السائق غير مضمون.... الركّاب غير مضمونين.... الوجهة غير معلومة؟ هل كان لابدّ من هذه الرحلة الآن؟"
صرخ في وجهي أحد الرّكاب: "لم يكن من الممكن البقاء حيث كنّا... كان لابدّ من مغادرة تلك المحطّة القذرة... وعلى متن هذا القطار الهرم ولو بدون سائق ماهر... كنّا سنموت اختناقا... كنّا في حاجة إلى هذا الهواء النقي الذي نتنفسه الآن... افتح منخريك جيّدا كحصان واغمض عينيك وعبّئ رئتيك بالهواء، ستحس بالاطمئنان والحيوية... لا تقل لي أنّ هذا الهواء ليس نقيا كما تزعم. إنّه على أيّة حال أقلّ تلوّثا من هواء المحطة الآسنة... وسيزداد نقاء كلمّا زاد القطار من سرعته. ولو توقّف بنا هذا القطار الهرم في الخلاء، فسنحفر بئرا بأظافرنا وننبت الزرع ونخلق جنّة. ثم إنّك أصلا ركبت القطار دون أن تقتني تذكرة، فاخرس حتى لا أفضحك فيلقون بك ارضا."
ارتعدت فرائصي رعبا. كيف سمع هذا الرّجل تمتماتي؟ كيف كان يحدس ردودي وانفعالاتي؟ كيف عرف أنّني لا أحمل تذكرة؟ هل نفسي تخونني وتكشف تردّداتي؟ ذاتي نفسها غير مضمونة


  • 5

   نشر في 30 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 22 غشت 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا