الحياة فردة حذاء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحياة فردة حذاء

قصة قصيرة تتحدث عن أزمة التفاوت الطبقي والعدالة الاجتماعية

  نشر في 16 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 17 أبريل 2016 .

وقف رجل يبدو عليه البؤس والإرهاق يحمل طفلة وليدة في مدخل الاستقبال بذلك المستشفى الخاص في تلك الليلة الباردة من ليالي الشتاء، وقال متوسلا لموظف الاستقبال:

«أرجوك يا سيدي! وُلدت ابنتي صباح اليوم بعد فترة حمل أقل من سبعة أشهر. وقد أكّد الأطباء على ضرورة أن تدخل الحضَّانة فورا حتى تستكمل نموها الطبيعي، وإلا فإنها ستموت خلال أربع وعشرين ساعة من الولادة. وهذه خامس مستشفى لديها قسم رعاية لهؤلاء الأطفال ترفض استقبالها الليلة».

قال موظف الاستقبال وهو يتثاءب في ملل ولامبالاة: «من فضلك يا أستاذ لا تتعب نفسك وتتعبني معك. كما أخبرتك: مطلوب دفع مبلغ ألف جنيه على الأقل مقدما حتى تقبل المستشفى البنت».

قال الرجل في أسى وهو يكاد يبكي: «اقبلوها الآن حتى ننقذ حياتها، وسأدفع المبلغ غدا. سأترك بطاقتي الشخصية كضمان، سأبيع أثاث منزلي، سأقترض من المعارف والأصدقاء. البنت نفسها ستكون ضمانا لديكم».

بدأ الضجر والتوتر يتسلل إلى موظف الاستقبال، فقال وقد ظهرت علامات الغضب على وجهه ونبرات صوته: «لو سمحت لا تعطلني عن العمل أكثر من ذلك. إنها تعليمات إدارة المستشفى. وإلا فسأضطر لإبلاغ الشرطة».

نظر الرجل إلى ابنته في يأس وإشفاق، وقد أغرق جبينها العرق، وبدأت ملامح وجهها وفمها وعينيها تتخذ أشكالا معينة تدل على أنها قد فقدت الوعي ودخلت في أولى مراحل الاحتضار، ثم قال: «فلتكن مشيئة الله ... سامحيني يا ابنتي، لقد فعلت كل ما أستطيع».

استدار الرجل في طريقه إلى خارج المستشفى، وأخذ يمشي على غير هدى في شوارع المدينة الصاخبة وهو يحمل جثة البنت الصغيرة، وقد تجمدت الدموع في عينيه من هول الموقف، حتى شعر بعد فترة من السير بأن قدميه لا تحملانه، فسقط جالسا على أقرب رصيف في الشارع، ودفن رأسه في جثة ابنته، وهو في حالة تجمع بين الذهول والانهيار.

في هذه اللحظة توقفت سيارة فارهة نزل منها رجل وامرأة يرتديان ملابس ليلية مبهرة ويسيران في اختيال وفخر، ينظران لبعضهما نظرات عشق، ولا يبدو عليهما الاكتراث بالطريق المزدحم أو السيارات المزعجة أو أكوام القمامة الملقاة على الرصيف، والتي تأكل منها القطط، أو بعض البؤساء في الشارع الذين وقفوا يشاركون القطط عشاءها.

كان منظر الرجل والمرأة ملفتا لكل من وقعت عليهما عينيه في الشارع، إلا أنهما قد تجاهلا كل ذلك ودخلا إلى محل الأحذية الممتازة الشهير في هذه المنطقة. كانت تشكيلات الأحذية المتنوعة المعروضة خلف الزجاج تجذب انتباههما، وخصوصا المرأة، إلى درجة أنهما لم يلتفتا لأبّ جالس أمام رصيف المحل يحمل جثة ابنته التي رفضت خمس مستشفيات استقبالها اليوم؛ لأنه لا يملك ألف جنيه فورا.

كان المحل مصمما على أعلى مستوى كأنه جناح في قصر ملكي على عكس الشوارع المتهالكة المهمَلة المحيطة به. دخل كلاهما إلى المحل فاستقبلهما الموظف بعبارات من الترحيب والإطراء من ذلك النفاق المعتاد لدى البائعين، بل كان النفاق هذه المرة فوق المعتاد نظرا لأن الزبون غير عادي. كان الموظف يتحرك حولهما بنشاط زائد، تارة يتملقهما لدرجة المديح، وتارة يتكلف في التواضع لدرجة الذل، ينتقل من رف إلى رف؛ ليعرض عليهما تصميمات من الأحذية الجديدة المحلية والمستوردة أو ذات الصناعة اليدوية أو الآلية. وفي النهاية قررت المرأة الشراء، فاحتضن منها البائع في حرص ما اختارته، ثم شرع يغلفه في عناية.

خرجت المرأة والرجل من المحل بنفس الفخر والزهو ونظرات العشق المتبادلة، واتجها مرة أخرى إلى السيارة الفارهة. كانت المرأة تحمل ما اشترته من المحل وتنزل من فوق الرصيف بجوار الرجل الذي يحمل جثة البنت في حِجره، ويميل برأسه فوق جثتها من فرط الإرهاق النفسي والجسدي. لم تلتفت المرأة أو تنظر إليه نهائيا، ولكن ألقت بورقة صغيره إلى جواره قبل أن تفتح باب السيارة وتركب بسرعة.

رأى الرجل الورقة على الأرض، فرفع رأسه، والتقطها بحركة تلقائية، ثم رفع يده بها، وكأنما يريد أن يلفت نظر المرأة للورقة؛ إذ ربما تكون قد سقطت منها دون قصد. لكن كان الرجل والمرأة أسبق في ركوب السيارة والانطلاق بها.

فتح الرجل الورقة المكشكشة، وقرأ ما فيها؛ إنها فاتورة شراء كُتب فيها:

«زوج من الأحذية الطويلة صناعة يدوية -الثمن: 2000 جنيه»

ظل الرجل يحمل الورقة في يده وهو ينظر إليها في تعجّب وذهول للحظات، ثم اتجه ببصره إلى جثة ابنته بحب مشوب بالحزن العميق. شعر الرجل برغبة في الضحك والبكاء في نفس الوقت. هانت عليه حياة ابنته، بل هانت عليه حياته نفسها؛ لأنه أدرك ببساطة أن حياة الفقراء في هذا البلد تساوي فردة حذاء ... فردة واحدة فقط!


  • 1

  • جمال حسين عبد الفتاح
    باحث ومحاضر ومدرب في علم تفسير الرؤى - صدر له العديد من المؤلفات العلمية والبحثية
   نشر في 16 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 17 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا