ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 31 يناير 2017 .

عالم فريد اسمه الكرامة

كانت المدينة التي فيها يقطن صغيرة نسبيا مقارنة بالمدن الألمانية الكبرى ، غير أنها تضم بين جنباتها كل المرافق الحيوية الضرورية للدخول لعالم الكرامة الإنسانية ! فزيادة على الأمن المستتب ، و سيارات الشرطة التي تجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاها ، و مصالح الوقاية الألمانية المدنية ، مرورا بالمستشفيات و المرافق الصحية العمومية ، كانت هذه المدينة تتوفر على أغلب المصالح الترفيهية التي من شأنها تيسير الحياة بشكل كبير على ساكنيها ، و كل ذلك في قالب غابوي متناسق لم يره من قبل ، فكانت المدنية تغطس بشكل عجيب ، في مساحات كبيرة من الغابات الخضراء و البحيرات كأميرات نائمة ، و كان بإمكان ساكني المدينة الإنتقال من المدنية و قمة التكنولوجيا ، إلى سكون الطبيعة و سحرها و جبروتها ، بخطوات ساحرة ، كانت الغابات تحيط بالمدينة ، و أغلب المدن الألمانية ، كما يحيط عدو عدوه ، يحاصره من كل الإتجاهات و لا يترك له مكان من يفر ! و كان هذا من أجمل الأشياء التي راقته ، ففي المدينة التي منها قدم ، من المجرة الأخرى ، لم يكن بالإمكان أن تجد مكانا أخضر في كل تلك البنايات السكنية و الإقتصادية الشاهقة ، و علم حينما احتضنته ألمانيا بغاباتها و طبيعتها ، أنه كان يعيش في مثل سجن مدني ، سجن ملوث ، بسياراته ، و بناياته و تلوثه ! و كان مكان الجامعة التي فيها يدرس يطل بشكل مباشر على مساحة واسعة جدا من الغابات و البحيرات التي فيها الأطيار تسكن و إليها تؤم ، و تصير في أوقات الربيع و الصيف مكانا للإلهام ، و سوقا لكلمات الشعراء و الكتاب ، عالم خيالي جدا ، عالم مثالي جدا ! رباه ، ما هذا الجمال ، ما هذا الإبداع و الدقة في الصنع ، ما هذا الإتقان ! هناك ، هناك ، أحس كثيرا ، بدينه ، أحس بكثير من الأحاديث النبوية التي كان يقرؤها فقط ، لم يكن لها تطبيق في بلاده التي تدين بدين الإسلام ، و وجد لها هناك أصلا !

كان فكرة أن تجعل جامعة للتحصير مقابلة بشكل متواز مع الغابات و البحيرات فكرة عظيمة فعلا و عبقرية ، فالذين قاموا على التشييد علموا يقينا أن هذا المنظر يساعد فعلا على التحصيل و اليفتح أبواب النفس و العقل ، التي تسدها المدنية و التكنولوجيا ، و البنايات الإسمنتية ، و حتى في فصل الشتاء ، حين يحل الثلج ضيفا على المدينة ، كانت الغابات المترامية الأطراف تنقلب إلى لوحات بيضاء جميلة ، تغري الناظر إليها بطرد ناظريه إليها ، عبر نافظات الجامعة العملاقة المطلة عليها ، و كان احتساء القهوة الدفيئة الساخنة ، على كراس وثيرة فخيمة في الجامعة و أمام النوافذ العملاقة ، في ظل تكييف الهواء الساخن داخل القاعات ، كانذلك متعة لا يمكن وصفها ، حتى أن الكراسي لم تكن خلو من الطلاب في مراحل الإستراحة و بين الفصول … الغابات هناك كمعالج نفسي جامد ، يقضي مرتادوها ، ساعات من علاج نفسي طبيعي ، قلما يستطيع معالج نفسي محاكاته ! و كانت الكراسي الفسيحة في الجامعة محج الطلاب و الأساتذة ، الشيء الذي أعجب به غاية الإعجاب ، كان الأساتذة ، يجلسون مع التلاميذ في ردهات الجامعة ، و فوق الكراسي و الأرائك ، و كان التعامل بين الإثنين ، كتعامل الأصدقاء بينهم البعض ، لم تكن تلك المسافة التي اعتادها هو في بلادة موجودة بين الأساتذة و الطلاب ، حتى في المراحل الإبتدائية و الإعدادية ، في جميع مراحل الدراسة الألمانية ، تجد الأستاذ كصديق لطلابه ، شيئ راقه كثيرا ، فكان من الطبيعي جدا أن تجد الأستاذ في الجامعة ، يمازح طلابه في ردهاتها ، بدون أن ينقص هذا من قدره !

الجامعة في ألمانيا ، مصنع ، لتحرير الكرامة ! الداخل إليها ، ليقابل الكيميائي ، و الفيزيائي ، المؤرخ ، و الجغرافي و العالم و الرياضي ، كخلية نحل ، تنتج عسلا فكريا ، يبني مستقبل بلد ، يعلم ماذا يريد ، مستقبل بلد ، يعتبر الأقوى بين دول الإتحاد الأوروبي ، ها هنا ، كان المستقبل يبنى ، بين ردهات هذه الجامعة ، كانت قوة البلد تتشكل ، كما يتشكل قوس الألوان بعد تظافر جهود قطيرات الماء في يوم ممطر ، حين تشرق عليه الشمس !

كان الإنسان في هذا البلد يبني الإنسان ، و كانت الأخلاق هي العنوان و الإمضاء الذي به خُتم على دستور التعامل بين المواطنين ! كان الكل يعلم ، أن الرحمة أجمل ما في الإنسان ، و أنهم يتشاركون في جل الأاني ، و هي السعادة ، و يعلمون ان السعادة لا يمكن أن تكون في بلد بدون تظافر جهود الكل ، كان الكل يرقى بالكل ، و كانت المبادئ تعتز بالمبادئ ، و كانت القيم التي تجمع بين أفراد هذا المجتمع ، تتمثل في عدل يبسط هيمنته على كل فرد من أفراد الدولة مهما كان منصبه ، و دون انتقاص من قدره ! كان هذا العد الذي يسيطر على المجتمع ، يقيم حياة مليئة بالطمأنينة و الرضى ، بين كل فرد هناك …

خرج يعقوب من الجامعة ، في مساء يوم مثلج ، و بقدر ما كانت الثلوج باردة ، كان وقعها على نفسه دفيئا ، حيث أنه لم ير في حياته كلها ثلجا يتساقط على الحقيقة ! كانت هذه الظاهرة الطبيعية جميلة جدا ، حبيبة كانت على نفسه ، و كان لا يخرج أيام الشتاء إلا متدثرا بشكل كامل بملابس ساخنة ، و لا يبقى يُرى من جسمه إلا لحيته ووجهه ، الذي تغطي خدودة نظاراته الطبية ، و كان الثلج يداعب لحيته ، فيصبح للحظات كشخص شاب عجوز ، أبيض اللحية . الشتاء في ألمانيا قاس جدا في بعض الأوقات ، خاصة بالنسبة للراجلين ، القر في الطرقات يقطع الأوصال ، غير أن جميع البنايات مكيفة بهواء ساخن ، بالإضافة إلى الميترو و الباص !

قصد يعقوب السوبر ماركت الذي يقابل جامعته ، و لا يفصل بينهما إلا شارع كبير ، دخله ، فأحس بلذة كبيرة ناتجة عن التخول من البرد القارس إلى الهواء المكيف الذي يهيمن على السوبر ماركت ! و كما هي العادة كانت، كان أول ما يقصد من الرفوف ، رفوف الشوكولاته و الحلويات ، و كانت هذه الفترة من الشتاء التي تسبق احتفالات أعياد الميلاد في ألمانيا مرتعا كبرا لمحبي هذه المادة ، فتكثر في رفوف السوبر ماركت ، و يقل ثمنها بشكل ملحوظ ، ذلك أن الألمان يقبلون على شرائها كثيرا في مثل هذه المناسبات …

ـ عذرا ، هل أنت مسلم ؟

التفت بشكل أوتوماتيكي إلى الصوت الذي من نبرته خمن عمر صاحبته العجوز ، فقال و هو ممسك بتمثالين من الشوكولا لسانتا كلاوس ، ثم اردف

ـ نعم أيتها السيدة ، انا مسلم ! كيف خمنت ذلك ؟

ـ أوه ، من لحيتك ، و لون بشرتك ، خمنت أنك عربي مسلم !

ـ أصبت أيتها السيدة ، أنا مغربي مسلم ، كيف حالك أيتها السيدة ؟

قالت و هي تتوكأ على عكازها :

ـ الحمد لله ، يسعدني جدا أن يتساقط الثلج هذا العام ، لأنني لا أتخيل أعياد الميلاد بدون ثلوج !

ـ أوه نعم ، جو جميل حقا ، رغم قساوته شيئا ما !

ـ سوف تتعود أيها الشاب ! اعذرني على تطفلي ، فسؤالي كان من أجل أنك تمسك بتمثالي سانتا كلاوس ، و تعجبت أن السلمين يفعلون هذا !

ـ و ما العيب في هذا أيتها السيدة ؟ قال مبتسما !

ـ كلا لا عيب في ذلك ، فقط لأني قرأت أن المسلمين لا يحتفلون بأعياد الميلاد !

ـ صحيح أيتها السيدة ، و أنا لم أكن أنوي شراءهما من أجل الإحتفال ، أوه ، أو ليس كل الإحتفال ، لأني كنت أود الإحتفال ببطني الليلة ، فهما من الشوكولا التي أحب

ضحكت السيدة العجوز ثم أردفت :

ـ متشرفة بمعرفتك أيها الشاب ، أنا ريغينه

ـ و أنا مهدي يعقوب ، نادني جاكوب !

ـ حسنا يا جاكوب ، هل تدرس هنا !؟

ـ نعم سيدتي أنا أدرس في الجامعة المقابلة !

ـ شيء جميل أن نرى أجانب يبنون ألمانيا يدا في يد معنا نحن الألمان !

ـ يسعدني كثيرا أيتها السيدة ، أنك لست عنصرية !

ـ أوه ، إطلاقا ، ألمانيا ليست فقط للألمان ! ألمانيا بلد مضياف ، و قليل من أهله ينتهجون العنصرية تجاه الأجانب !

لا يدري لماذا اتجه فكره مباشرة نحو العمارة التي فيها كان يقطن ، يدق على باب السيدة إيديلتراوت دقا عميقا ، حتى شرد ذهنه ، فجذبه صوت السيدة ريجينه إلى الواقع مرة أخرى

ـ سيد جيكوب !

ـ أوه عذرا سيدتي ، يبدو أنني جلت بخاطري إلى مكان آخر ! هل لي أن أساعدك بشيء ؟

ـ كلا هذا فضل كبير منك ، أتيت هنا فقط من أجل تبضع بعض الأشياء ، أنا أقطن في العمارة الكقابلة مع ابنتي !

ـ جميل أن يعتني الأبناء بآبائهم ، شيء جميل هنا في المانيا !

ـ أيها الشاب ، لا يزال هناك أخلاق في هذا البلد !

ـ صحيح ! سوف أستأذنك سيدتي ، أتمنى أن أراك مرة أخرى هنا !

ـ و أنا أتشرف بمعرفتك سيد جيكوب ، ليلة سعيدة !

ـ ليلة طيبة أيتها السيدة !

توجه نحو رفوف المواد اللبنية ، فابتاع بعضا من حليب ، و بعض اليوغورت ، و أضافهما إلى قائمته التي ضمت الشوكولا و بعض الخضار ، ثم اختار من الفاكهة إجاصا ، دفع ثمن مشترياته ، ثم خرج ، استقل الميترو قاصدا عمارته التي فيها يقطن ، غير أنه أحس بألم ضرسه يباغته ، و كانت بدايتاته لا تبشر بخير ، بل تتوعده بليلة بيضاء ، فأخفى هواجسه في قلبه ، و وطن النية على تناول أدوية مسكنة للآلام في المنزل ، و تمنى على الله أن لا يضطر إلى زيارة طبيب الأسنان ، الذي لا يحب أبدا زيارته ، خاصة بعد التجارب المتعددة له معه في بلاده !

بدت البنايات المتسارعة بسرعة الميترو، أشبه ، بدببة قطبية في سباتها الشتوي ، غطت الثلوج قرميدها الأحمر ، و اشتعلت الأضواء داخلها ، في إشارة إلى استمتاع ساكنيها بالدفئ الذي يخلق السعادة في القلوب !

دخل عمارته ، و ما إن فتح باب العمارة ، و خطى خطوات إلى الداخل حتى خرجت السيدة إيديلتراوت من منزلها ، كقط عجوز ثم قالت :

ـ تأخرت هذا المساء على غير عادتك يا جيكوب !

و كانت مباغتتها قد أدخلت في نفسه رعبا صغيرا ، فتراجع في حركة لا إرادية مضحكة إلى الوراء و قال :

ـ أوه سيدة إيديلتراوت ، لقد أفزعتني !

ضحكت السيدة إيديلتراوت ، و هي تقول وسط ضحكاتها المتتالية :

ـ لقد رمقتك من النافذة و أنت تدخل ! أنت تعرف أنني امرأة عجوز ، و لا شيء يسليني في مثل هذا الشتاء البارد ، فأجل أمام النافذة أتفرج على الناس و المارة و السيارات !

ـ أوه آسف سيدة إيديلتراوت ، أعدك أن أجالسك في يوم عطلتي !

ـ مرحبا بك أيها الأجنبي !

و كانت شبه علاقة وطيدة قد بدأت في التكون بينه و بين السيدة إيديلتراوت ، علاقة لم يفهم مغزاها ، رغم نفورها البين منه كأجنبي ، أحس نحوها بعاطفة من يحنو على مريض باغته في طريقه ! كانت السيدة إيديلتراوت فعلا سيدة عليلة ، تعاني من الوحدة ، كما تعاني الصحراء ضربات الشمس الغادرة في أيام الصيف ! و إنه كان ليحس في دواخلة ، بحاجة هذه المرأة العجوز إلى جليس يؤنس وحدتها ، و يتستمع إلى حكاياتها التي لا تنتهي ، هذه السيدة التي جمعت في دواخلها عقود كثيرة بطعم التأريخ ! و إنح حتى في مناداتها له بالأجنبي كان يحس طعما لها بطعم الفرح بلقاء شخص ثرثار مثله ، أكثر مما يحص داخلها بالعنصرية !

ـ أجنبي مرة أخرى سيدة إيديلتراوت ؟ قال لها في عتاب مبطن !

ـ أليست هذه الحقيقة ؟ ألست أجنبيا عن ألمانيا .

ـ بلى ! و لكني إنسان له أحاسيس ، و يحب جدا أن يتحدث إليك أيتها السيدة ! و الأهم من هذا كله أنه لا يخاف منك !

ـ ثرثار أنت يا جيكوب ! قالت مبتسمة !

كان ألم ضرسه يزداد بتسارع الدقائق ، فقال لها :

ـ سيدة إيديلتراوت ، أعتذر منك ، علي الذهاب الآن ، ضرسي يؤلمني ، و لا آمن على نفسي أن أقصد طبيب الأسنان لذا على الصعود الآن !

ـ أوه ، أتمنى لك الراحة يا جيكوب ، هيا اذهب ، خذ مسكنات ألم ، لعل الأمر سيزول !

ـ أتمنى ذلك فعلا !

فتح باب شقته ، و تناول مسكنات للألم كان قد ابتاعها من الصيدلية آنفا ، و حمد الله أن فعل ذلك ، فقد كان الوقت ليلا ، و جل الصيدليات كانت مقفلة ، و كان عليه أن يبحث عن صيدلية مداومة ، لولا أنه ابتاعها قبلا !

مرت الساعات ، خف الألم قليلا ، فاستغل الفرصة ، و أم المطبخ ليمارس هوايته المفضلة ، و من أجل أن ينسي نفسه الألم ! أكل ، صلى ، ثم نام ، و لحسن الحظ ذهب في نوم عميق ، رغم بقايا الألم الذي سببه له ضرسه !

في الساعة الثانية صباحا ، استيقظ على وقع ألم شديد في ضرسه ، لم يكن تخمينه خاطئا في الميترو ، علم بينه و بين نفسه أنه يجب عليه أن يذهب إلى طبيب أسنان غدا صباحا ، إلا أن الألم كان شديدا جدا عليه حد البكاء ، لم يدر إلا و هو يرتدي ملابسه ، و يأخذ حافظة نقوه ليجد نفسه في الشارع ، يبكي من فرط الألم ! رباه ، إنها الساعة الثانية و النصف ، لم يبق للميترو من مداومة ، و علي أن أنتظر ساعة و نصف الساعة من أجل بدايته من جديد ! خاطب نفسه كأحمق ، ثم خطى خطوات بائسة ، دموعه تنساب من فرط الألم ، لا يدري ما يفعل ، و لا أين يتجه ، مركز طب الأسنان المداوم بعبد نسبيا عن مكان إقامته !

في عز تفكيره ، قطع حبله صوت جهوري قائلا :

ـ هل أنت بخير أيها الشاب ؟

ـ أوه نعم بخير أيها السيد !

و كانت سيارة الشرطة قد وقفت موازية له ، و خرج منها هذا الشرطي الذي خاطبه ، فوجه كشافه إلى وجهه ثم سأله قائلا بصوت انخفضت قوته :

ـ لماذا الدموع أيها الشاب ، هل تواجهك مشاكل ؟ قل لي أنا هنا من أجل مساعدتك !

ـ ضرسي يؤلمني يا سيدي ، و لا أجل وسيلة للنقل الآن !

ـ هل معك أوراق هويتك ؟

ـ تفضل سيدي ، ناوله جوازه ، فتسلمه الشرطي ، ألقى عليه نظرة بكشافه ، ثم سلمه لزميلته داخل السيارة التي كانت هي من يقودها ، أدخلت معلوماته في حاسوب صغير متصل بقاعدة البيانات في السانترال ، ثم أعادته له ، مخبرة إياه أن كل شيء على ما يرام ، و أنه قانوني في ألمانيا ، فتوجه إليه بالخطاب !

ـ هيا اركب أيها الشاب سنوصلك إلى مركز طب الأسنان !

ـ أوه هذا جميل جدا منك سيدي !

لم يتردد لحظة في الدخول إلى سيارة الشرطة لأول مرة في حياته ، أخبرت الشرطية القائدة مركز الشرطة بما حدث ، و أخبرتهم بوجهتها ثم قصدت المركز، انتابته ضحكة تفرض نفسها عليه ، فضحك نصفها ، فقالت له زميلته :

ـ لماذا تضحك يا سيد مهدي !

ـ عذرا ، لم أقصد الإساءة ، غير أنها المرة الأولى التي أركب فيها سيارة شرطة سواء هنا في ألمانيا أو في بلدي !

ضحكت الشرطية ثم قالت :

ـ على الأقل لم تركبها متهما ! يجب أن تعرف أن الشرطة هنا في ألمانيا ليست فقط من أجل إلقاء القبض على المجرمين ! الشرطة هنا في خدمة الشعب !

ـ علمت هذا نعم ، في ألمانيا ، شيء جميل جدا أن تكون الشرطة فعلا في خدمة الشعب !

ـ هل يختلف الأمر في المغرب سيدي ؟

شعر بحرج داخلي مداهم ، ثم رد :

ـ الحقيقة يا سيدتي ، أن شخصا في مثل حالتي في بلدي ، لن يجد سيارة شرطة أصلا تتجول في الليل إلا نادرا فما بالك بإيصاله إلى المستعجلات ! على العموم ، دعينا في ألمانيا ، هذا البلد الجميل ! و حتى لو وجدت سيارة شرطة في بلدي لن أركب فيها ، لأن مجرد نظرات الشرطي إليك تجعلك تعتقد أنك قد قتلت شخصا للتو ، طبعا لا نعمم !

شعر بضحكة مبطنة أخرجتها الشرطية ، محاولة أن تخفيها عنه مراعاة لمشاعره ، فأدرك ذلك ثم قال :

ـ لا عليك سيدتي ، الأمر مدعاة إلى الضحك فعلا

قالت و هي تبتسم :

ـ و كيف تجد الحياة هنا في ألمانيا .

ـ جميلة جدا! بلد يحترم الكرامة الإنسانية بشكل كبير جدا ، و يوفر حتى للأجانب كل ظروف الراحة

ـ ألمانيا ليست فقط للألمان سيد مهدي !

ـ هل تعلمين أنني أسمع هذه الجملة اليوم للمرة التانية ؟ نعم صحيح ، ألمانيا ليست فقط للألمان !

ـ ماذا تدرس أيها السيد ؟

ـ أدرس الصحافة ..

ـ لغتك الألمانية في تحسن مستمر ، و لا يظهر عليك أثر التخريب الذي يقوم به كثر من العرب هنا !

ـ أشكرك سيدتي ، نعم ، يجب علي أن أحسن من تواصلي باللغة الألمانية ، فأنا أحب هذه اللغة كثيرا !

ـيسعدنا كثيرا سماع ذلك ! على الأقل أنت عايشت الآن واقعا أن ألمانيا ليست هي هتلر و ليست عنصرية !

ـ أوه سيدتي ! لكل بلد تأريخه ، و ألمانيا اليوم ليست هي ألمانيا بين الحربين ! اهنئي بالا ! لن أكذب في بلدي و أخبرهم أن ألمانيا بلد عنصري ، قال ضاحكا !

ضحك الثلاتة بشكل جميل ، و لم يحس أبدا طيلة الطريق بانه في سيارة شرطة ، تحدث مع الشرطيين ، بشكل مسترسل ، حتى كاد أن ينسى المه ، حتى لاح له المركز ، فقال له الشرطي

ـ ها أنت وصلت إلى المشفى ، هيا أيها الشاب ، نتمنى لك كل الصحة و العافية ! بعد أن تنتهي ، ستجد الميترو قد بدأ رحلته الصباحية

ودعهما ، و شكر لهما صنيعهما الذي حفر في ذاكرته و قلبه إلى الأبد ، و لم يتحرك من مكانه حتى غابت السيارة عن عينيه ملوحا بيده مودعا …

دخل إلى المشفى من باب المستعجلات ، فكان أول ما استوقفه ، ذلك المنظر العجيب النظير المرتب الذي عليه حالة المستعجلات في المانيا ، كانت الكراسي التي صفت من أجل الإنتظار من النوع الفاخر ، زيادة على خلو الجو من رائحة الأدوية و رائحة الموت التي توجد في مستعجلات بلاده الحكومة ، و التي يكون الداخل إليها كالداخل إلى مكان خرب ، للتو عانى من قصف أو زلزال ! يكون المصابون فيه كمصابي الحرب ! إن الداخل إلى المستعجلات في بلاده كالداخل إلى مكان برائحة الموت ! كل شيء يدل على النهاية فيها ، حتى نظرات الأطباء ، هذا إذا كان هناك أطباء أصلا !

ألقى نظرة شاملة على ردهة المستعجلات و بهوها ، و أغمض عينيه ، و شعر براحة لذيذة ! كيف أن هؤلاء الألمان لديهم كل هذه النعم ، و كل هذه الراحة في مستعجلاتهم ، و كانت المقارنة صعبة جدا بين البلدين ، لأن الناظر إلى مستعجلات بلاده ، و مستعجلات الألمان ، سينجذب تلقائيا و فطريا إلى المستعجلات الألمانية التي ترقد فيها الكرامة الإنسانية و تتخذ منها مسكنا لها !

أخرجه من تفكيره صوت الممرض المداوم :

ـ سيدي : هل أنت بخير ؟

ـ أوه ، نعم سيدي بخير ، فقط …

ـ الم الأسنان ، دعني أخمن !

ـ أوه نعم سيدي ، ألم في ضرسي !

ـ لا عليك سيدي ، هل لك أن تمدني ببطاقة الأمان ؟

ـ نعم تفضل !

ـ شكرا لك سيدي ، اجلس و انتظرني قليلا ، لن يستغرق الأمر كثيرا ، هناك أطباء مداومون كثر هنا ، و سنسهر على راحتك ما أمكننا !

تركته كلماته كالمبهور ، كمن رأى في السماء طبقا طائرا ، رباه ما هذه المعاملة الإنسانية التي يعاملها هؤلاء البشر في هذه المجرة ! مجرد الدخول إلى هذه المستعجلات يشعرك بالراحة و الإطمئنان ! حتى لون الصباغة المختار المطلية به الجدران ، يضفي على النفس راحة لذيذة !

ـ عاد الممرض مبتسما ، يحمل في يديه ورقة ببياناته ، و بطاقة الأمان ، و سلمهما إياه قائلا :

ـ أرجو أن تتبعني سيد مهدي ، سأذهب بك إلى طبيب ليعالجك !

ـ شكرا جزيلا لك سيدي !

تبعه ، في ردهة المستعجلات الطويلة ، و عرجا على اليمين ، ليدخله إلى غرفة الفحص ، التي كانت مرتبة بشكل جيد ، و بأجهزة حديثة ثم بطبيب شاب مبتسم ، سلم عليه ، و استأذن الممرض وودعه ، ثم التفت إليه الطبيب و سأله :

ـ ما الذي تشتكيه سيد مهدي ؟

ـ ضرسي يا سيدي يؤلمني كثيرا …

ـ متى بدأ الأمر ؟

ـ بالأمس مساء ، تناولت أقراصا مسكنة ، و لكن الهدوء لم يدم كثيرا …

ـ هممم ، حسنا أرني ، افتح فمك ارجوك ! هممم نعم ، هناك التهاب ، ناتج عن تآكل الحشوة ! يلزم تغيير الحشوة ، حسنا سأفعل ما يجب فعله !

لم يقدر على الشكر و الرد ، فاكتفى بحركة من عينيه شكرا ، ثم قال له الطبيب الذي عاد من الغرفة المجاورة بإبرة :

ـ سيد مهدي ، سوف تشعر بوخزة صغيرة ، و سيختفي الألم ، ثم سنعالج ضرسك ! هذه ابرة بنج ، ستشعر بعد ثوان بالراحة ، هيا : واحد إتنان …

شعر بتخدير موضعي يسري مكان ألم ضرسه ، حتى اختفى الألم شيئا فشيئا تماما ، و كانت فترة الالعشر دقائق التي منحها الطبيب إياه من اجل أن يوطن البنج مفعوله ، فرصة له من أجل أن يدخل في مقارنات لا منتهية بين معاملات الأطباء أو أشباههم في مستعجلات بلاده ، و بين تعامل الأطباء هنا ! الطبيب الشاب ، ليس في وجهه ما يدل على شكواه من سهره طيلة الليل من أجل الحرص على راحة من قادهم القدر إليه مثله ، مجرد ابتسامته في وجه مرضاه ، يشعرهم بالراحة و الغبطة !

ـ حسنا سيد مهدي ، سنبدأ الآن …

استغرق الأمر عشر دقائق من أجل تنظيف الضرس و عمل حشوة جديدة ، ثم ودعه الطبيب متمنيا له شفاء عاجلا ، بعد أن كتب له في وصفة علاج على أقراص مسكنة أقوى من تلك التي يمتلكها في منزله ، و كان يريد أن يخبره أن ابتسامته فقط و تعامله يمثلان نصف العلاج غير أنه خجل ! ودعه بابتسامة شكر ، و حمد الله على وجوده في هذه البلاد التي تحترم الإنسان بشكل عام !

ركب الميترو ، و اتجه إلى منزله ، و استلقى على سريره ، و هو يحمد الله مجددا أنه متواجد ها هنا ، في بلد يقدس معنى : الإنسان !

mahdy jacob



   نشر في 31 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا