لعبة القرن لدعم صفقة القرن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لعبة القرن لدعم صفقة القرن

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 01 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 نونبر 2018 .

لعبة القرن لدعم صفقة القرن

"""""""""""""""""""""""""

هيام فؤاد ضمرة

""""""""""""""

القرابين كبقية الأضاحي البشرية هي ما يقدم بالعادة قرباناً للآلهة، فالتاريخ الإنساني دوَّن خلال حضاراته عبر العصور القديمة نظام عقائدي يتعلق بتقديم القرابين البشرية للآلهة تقرباً منها لهدف نيل رضاها، حين ارتبطت معتقداته بالأساطير القديمة التي شاعت اتقاءا من غضب الآلهة.. وقد تعرفنا هذا النظام خلال ملحمة جلجامش البابلية، وملحمتي الأوديسا والإلياذة الإغريقيتين المنسوبتين إلى هوميروس الشاعر الضرير الملهم، اللتان وصلتا إلينا بكل تفاصيلهما الدقيقة، ومارسته شعوب حوض النيل اتقاءاً لفيضان نهرهم العظيم الذي كان يداهم بالفياضانات حضارتهم الانسانية ويمارس تدميراته، فكانت تقدم للنيل أجمل فتيات الفراعنة في سبيل تهدئته، فيما كان إله الخصب تقدم له صبية بكر لم يمسسها إنس، وولدت فكرة القربان في مهد الحضارة البشرية في الغالب اتقاءاً من غضب الطبيعة بسبب قصور الفهم الإنساني حول ماهية الوجود والكون، والتكوين لمادة الأرض وحركتها الداخلية والخارجية

إنما قرابين الألفية الثالثة تختلف كلية ويختلف معها الهدف المراد من ورائها، فصارت القرابين البشرية تقدم تحقيقا لتيسير أهداف سياسية غير اعتيادية تبدل شكل العالم في الشرق الأوسط وفي عالم المسلمين بشكل خاص وتبدل مواقفهم واتجاهاتهم، وتعقد على خلفيتها الاتفاقيات لخدمة المصالح والسياسات، ليمارس هذا الإنسان نوع من الوحشيات البشرية على الإنسان الضحية في سبيل صدم العقل البشري بقوة، بحيث لا يعود هذا العقل يميز الحقيقي من الخيال، والسليم من غير السليم والخير من الشر، فأن تصدم العقل بقربان لارضاء آلهة القرن بنو صهيون وحلفائهم الغرب عليك أن تكون وحشا بأنياب تقطر منها الدماء بغزارة، لضمان أن ترتعب منك الفرائص وتسكن خلف صمتها وهدوئها وسكينتها، فيجري التغيير على الصورة الجديدة دون مقاومة تذكر، ودون أدنى معارضة.

ولأن القرابين عادة تقدم وفق طقوس خاصة وفي محافل مقدسة، فإن قرابين القرن الحديث تقدم أيضاً وفق طقوس خاصة وداخل محافل خاصة محظورة وتحت اشراف من بيدهم السلطة والقرار.. فما أقسى هذا الانسان وما أعظم وحشيته!

وما طول المدة في كشف خفايا مقتل وتصفية الصحفي جمال خاشقجي قربان هذا القرن، إلا لاستغلال القضية في المكاسب السياسية والاقتصادية، وتحقيق ما لا يمكن تحقيقه بغير هذه الوسيلة من الضغط، فهناك من يقدمون القرابين وآخرين يستغلونها لتحقيق مآربهم إن إصلاحاً أو تخريباً قياساً بحجم الفائدة ونوعها.

فإلى جانب جماليات سرد الملاحم الشعرية فقد دخلت فيها التنبوءات عنصرا مكيناً لإلهاب الأنفس البشرية وتقوية أثرها على هذه النفس لتصوير الوجه الآخر من الحرب بعُتيّ عنفها وجبروت قياداتها وما يصاحبها من اغتيالات شخصية وجماعية لغاية تحقيق مآرب ذاتية بحد ذاتها تعد مكاسب.. فقرابين القرن الحديث باتت كذلك تستخدم ذات الأدوات لتجعل العنف الصادم آلة تغيير حقيقي تقوم عليه مبادي السياسيين وتتوارى خلفه الممارسات الغريبة والمهينة لقبول غير المقبول.

فلعبة القرن تحتاج تكتيكا مخالفا للطبيعة الانسانية التي دأب عليها إنسان هذا الزمن وأصبحت بتقليديتها غير مؤثرة مما جعل الحاجة لتغيير المنهج بحيث يقوم على مبدأ الوحشية بكل ممارساتها التي تقشعر لها الأبدان، فقد سبقه قربان صدام حسين الرئيس الشرعي لدولة العراق التي كانت تسير نحو التقدم الحضاري بخطوات قوية أرهبت دولة الاحتلال وحلفائها الداعمين لوجودها، وكذلك قربان معمر القذافي الذي قدم لارهاب العقل وبسط نفوذ الآخر، وسيشهد العالم كثيرا من القرابين تقدم بين الحين والآخر لتعزيز التغيير الذي يجري تمهيداً لتحقيق فصول صفقة القرن.

ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم والعرب بصفة خاصة في متابعة تطورات قضية الصحفي خاشقجي الذي قدم قرباناً لهذا القرن فقد فتح عرب الجزيرة أوطانهم لاستقبال أحقر خلق الله عنصرية وجبروتا وعداوة للعرب ليجوسوا تراب بلادهم ويدوسو كرامة إنسانها وهم يبتسمون انتصاراً، فما أعظم هذا الانتصار في رؤيتهم، فهو يفوق انتصارهم العسكري المتوالي على العرب، فأن يعامل الاسرائيلي المحتل وطن العرب معاملة الصديق الجار من بقية العرب هو بحد ذاته ما كانت تهفوا إليه نفوس حكام دولة الاحتلال الصهيونية، وعلى هذا فسوف نشهد تدفقاً هائلا لليهود المهاجرين من شتى دول العالم إلى دولة الاحتلال ليحلوا محل الفلسطينيين الذين سيشتتوا في أنحاء الدنيا وبقاعها المتباعدة دونما رحمة ولا شفقة، ليذوبوا تدريجياً وتتبخر قضاياهم التي أرهقت العرب كما يدعون، وعطلت عجلة تقدمهم الحضاري، فأي حضارة تلك التي سيأتي بها اليوم حكام العرب والتي لأجلها خلعوا ثوبهم العروبي ولبسوا ثياب عارهم التاريخي.

فكل تغيير يبدأ عادة بأحداث تمهيدية ترصف الدرب لما سيأتي لاحقاً، فلا تفتحوا يا عرب أفواهكم لدهشة الحدث الصغير كزيارة رئيس دولة الاحتلال نتنياهو لعُمان، وحضور وزيرة الثقافة والشباب الإسرائيلية الأكثر عنصرية وعداوة للعرب الدورة الرياضية في الامارات، وزيارة الصحفي الاسرائيلي لبيت الله الحرام واستعراض وجوده هناك اعلامياً فيما هو يرفع أمام الكعبة المشرفة شعار الصهيونية، فالقادم أيها العرب أكبر وأعظم دهشة وحيرة، فلا تستهلكوا دهشاتكم في القليل البسيط، فستحتاجون لفتح أفواهكم على أوسع ما تستطيعون لما هو قادم ويشكل أكثر وأشد صداماً مع العقل.

ودعوني آخذكم قليلا عبر سرديات ملحمة الإلياذة لتكتشفوا مدى تشابة عقل الأمس بعقل اليوم.. يحكى أن دعيت الآلهة (هيرا وأثينا وأفروديت) إلى حفل عرس (ثيتس) واستثنيت من الدعوة (ايريس آلهة النزاع)، فماذا كان رد فعلها؟.. ألقت بينهن تفاحة كتب عليها (للأجمل) لتثير بينهن النزاع على من منهن أحق بالتفاحة وهو ما حصل فعلاً، فاستعان (زيوس) بباريس بن بريام ملك طروادة أجمل رجال البشر لفض النزاع، فاستمالته كل واحدة من الالهة مقابل وعد مغري، فوعدته الأولى بالعظمة ووعدته الثانية بالنصر المؤزر، أما الثالثة وكانت هي نفسها أفروديت وعدته بتزويجه من أجمل نساء الدنيا، فحكم لها بالتفاحة حيث وجد وعدها الأكثر اثارة والأشد رغبة، ومكنته من هيلين زوجة مينيلاوس، فخطفها وهرب بها إلى طروادة، وجلب عليه عداء الآلهتين الأخريين والإغريقيين، فقامت حرب طروادة.. هكذا الآن بات حال العرب وما آلت عليهم الوعود بالتنافس على نيل التفاحة، فمن باعتقادكم سينالها؟ وأي حرب ستجلب كل أصناف النكبات على عربنا ستأتي بها تفاحة ترامب ونتنياهو؟ وبأي الأدوات سينقصون تعداد شعوبنا؟


  • 3

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 01 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 نونبر 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 2 أسبوع
تطابق تحليلك تماما مع واقع الامور ،فبينما ننشغل بقضية خاشقجي عليه رحمة الله ، صار التطبيع علنا ، هو منطق الاقوى يفرض الاحداث ،مقال رائع استاذة هيام ،كل التقدير سيدتي الكريمة.
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا