علم الاجتماع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم الاجتماع

من أوروبا إلى أمريكا

  نشر في 09 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 ماي 2017 .

مما لا ينتطح فيه عنزان ( أي لا يختلف فيه اثنان ) ، أن علم الاجتماع الحديث هو علم أوروبي المنشأ ، ارتبط ظهوره بالحاجة الملحة لإيجاد تفسيرات للواقع المتغير الجديد الذي افرزته الثورة الصناعية ، و ظهر أول ما ظهر في فرنسا على يد مؤسسه أوجست كونت في القرن التاسع عشر ، على الرغم من أنه على بعد خمسة قرون من كونت ( ق 14) كان هناك عالم جليل يدعى عبد الرحمن ابن خلدون يعزى اليه الفضل في إيجاد علم جديد آنذاك سماه ( علم العمران البشري ) و الذي وضح معالمه و حدد مواضيعه في مقدمته الشهيرة ضمن كتابه العملاق الموسوم ب ( العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في ايام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر )  ، كان لزاما علينا أن ننوه بهذا  بعيدا عن الشطط أو الإجحاف .. 

و رغم أن الفرنسي كونت هو المؤسس الاول لعلم الاجتماع الاوروبي إلا أن أميل دوركايم الفرنسي الآخر ، كانت له إسهامات أجل و أهم ، من حيث أن الأول وضح حدود و موضوع علم الاجتماع و تطرق في تفسيره للتاريخ من خلال قانون الحالات الثلاث ( اللاهوتية - الميتافيزيقية - الوضعية ) الى التفكير العلمي في دراسة الظواهر ، إلا أن دوركايم ذهب بعيدا في ذلك حيث وضع قواعد المنهج الاجتماعي من خلال كتابه ( قواعد المنهج في علم الاجتماع ) ، بيد أن دراسة الظواهر الاجتماعية في علم الاجتماع الاوروبي لم ترقى الى الامبريقية( كما الحال في علم الاجتماع الامريكي ) بل كانت دراسات نظرية فحسب .

و ما يجدر الإشارة اليه أن تأسيس علم الاجتماع الاوروبي لا يعزى فقط للمدرسة الفرنسية ، بل لعبت المدرسة الألمانية هي الاخرى دورا بارزا في تاسيسه ، على يد ماركس ، تونيز ، فيبر ، لا سيّما جورج زيمل الذي عمل على التوفيق بين طوعية فيبر و جبرية دوركايم .. علاوة على  سبنسر في بريطانيا ، و باريتو في إيطاليا ..

إلا أن ما يجب تسجيله هنا ، هو أن المدرسة الفرنسية اتسمت في منظورها بالشمولية ( الكليانية ) ، كما يعتبر دوركايم هو مؤسس النظرية الجبرية ، القهرية ، حيث تميز علم الاجتماع الفرنسي بكونه ينظر للفرد على أنه خاضع للبناء الاجتماعي .. في حين نجد المدرسة الألمانية قد اتخذت منحى اخر ، فهي التي عرفت باهتمامها بالفعل الاجتماعي ، و لعل ابرز ما ظهر في هذا الاتجاه هو النظرية الطوعية لماكس فيبر و هي نظرية الفعل الاجتماعي ، التي ترى ان الفرد هو فاعل في مجتمعه ، و ليس مجرد خاضع لجبرية البناء . 

لم يضل علم الاجتماع حبيس جدران منشأه ، بل غادر الى امريكا ، حيث كبر و اشتد عوده ، فأول ما ظهر هناك كان الاتجاه السيكولوجي الذي قاده تشارلز كولي و وليام توماس و غيرهما  .. و هنا ندرك أن اول ظُهُور لعلم الاجتماع في امريكا كان متأثرا بالمدرسة الألمانية أكثر فِيمَا يخص نظرية الفعل ، و بالتحديد جورج زيمل مؤسس السوسيولوجيا التفاعلية ، و هو الذي طور  مؤسسو التفاعلية الرمزية ( مدرسة شيكاجو) أفكاره فيما بعد في الفعل التفاعلي ، و بنوا من خلالها تصوراتهم في ارساء دعائم النظرية التفاعلية الرمزية ، امثال جورج هربرت ميد و بلومر ... حتى أن بارسونز عكف في بداية مسيرته في علم الاجتماع على الاهتمام بالفعل الاجتماعي و هو ما تجسد في اول كتاب  صدر له ( بناء الفعل الاجتماعي ) ، ثم بعد ذاك اتجه الى تطوير نظرية نسقية سماها البنائية الوظيفية .

أما كل من ميرتون و دافيز و مور ، فهم من علماء الاجتماع الأمريكان الوظيفيين ، حيث ساروا على درب الوظيفية الأوروبية ( الدوركايمية ) ، و طوروها بما يتفق و واقع المجتمع الامريكي ،  في الوقت الذي اتجه فيه بارسونز الى تطوير نظرية جديدة في هذا الاتجاه (الوظيفية النسقية ) أو كما يحب تسميتها بالبنائية  الوظيفية . 

و في الوقت الذي كان فيه علم الاجتماع الامريكي سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي ينمو عبر مدرسة شيكاجو ،  كانت أوروبا هي الاخرى قد عرفت تطورا للماركسية الألمانية ، بظهور اتجاه فرانكفورت على يد أمثال هوركهايمر و أدورنو اللذان يعدان من الأوائل اللذين وضعوا اللبنات الاولى للفكر الماركسي المحدث ، إلا أن المعهد الذي أسس بفرانكفورت قد تم اغلاقه انذاك ليعود مجددا باسم مدرسة فرنكفورت بعد الحرب العالمية الثانية ، و لعل من ابرز النقديين الألمان اللذين أثروا في علم الاجتماع الامريكي هو هربرت ماركيوز الذي شكل كتابه ( الانسان ذو البعد الواحد ) نقدا موضوعيا للمجتمع الامريكي . 

و لقد عرف علم الاجتماع الامريكي بالدراسات الامبريقية ، كما تطورت ضمنه مدارس جديدة على غرار التفاعلية الرمزية مثل الفينومينولوجيا الامريكية اي علم الاجتماع الظاهراتي ( شوتز) و الاثنوميتودولوجيا أي علم الاجتماع الحياة اليومية أو المنهجية الشعبية ( جارفنكل) و غيرهما .. هذه الاتجاهات التي جعلت من الوحدات الصغرى وحدة تحليل أولى لفهم و تفسير الواقع و البناء الكلي .. 

هذا باختصار لمحة سريعة بأهم محطات علم الاجتماع من أوروبا الى أمريكا . 

د/  لبنى لطيف 



  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 09 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا