الحد الفاصل...الخط الوسط - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحد الفاصل...الخط الوسط

  نشر في 15 مارس 2020 .

الحد الفاصل...

قال لي القمر يوما : أتدري ما الحد الفاصل بين الصواب و الخطأ يا أحمد؟ أتدري ما الحد الفاصل بين الحلال و الحرام ؟

أجبته و كلي ثقة : أي نعم أيها القمر.... فالحلال بيّن و الحرام بيّن كما ذكر الرسول (ص)

ابتسم القمر و قال : لكني سألتك عن الحد الفاصل بينهما... الصواب بيّن كما الحلال بيّن، و الخطأ بيّن كما الحرام بيّن. لكن الحد الفاصل بينهما هو مدخل الشيطان يا أحمد... يجعلك تقف في الوسط و تتمايل بين الحلال و الحرام فإما يسقطك إلى الحرام أو تغالبه إلى الحلال.

سألته باهتمام و قد انتابني الخوف : و ما هو الخط الفاصل بينهما أيها القمر؟ هل تراني واقفا عنده؟

"الخط الفاصل بين الصواب و الخطأ هو خط رقيق جدا يا أحمد، لا يستطيع أكثر الناس تمييزه بالعين المجردة...فلا هو ناصع البياض فترتاح له و تستقر عنده، و لا هو شديد السواد فتهرب منه و تحتاط منه.

الخط الفاصل بين الحق و الباطل و بين الصواب و الخطأ هو ما أخبرنا به الرسول (ص) و سماه بالمتشابهات "و بينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس"...نعم يا أحمد...''لا يعلمهن كثير من الناس''.

الواقف على هذا الخط يا أحمد...يظل معذبا....فهو يعلم أن أعماله غير صافية صفاء الماء العذب... يعلم أنه لا حق له فيما يفعله...كما أنه ليس بغافلا و لا متغافل فيسعد بذنبه.

الواقف على هذا الخط...متأرجح...متناقض ... يظل يصطدم بنفسه... سيتعذب طالما لم يقرر بعد أي اتجاه يذهب... يظل يتعذب و يعذب من حوله...فهو يبدو حينا إنسانا ذكيا طاهرا نقيا...و يبدو أحيانا إنسانا فاشلا و غافلا .

الواقف على الخط الفاصل يكره نفسه قبل أن يكرهه الناس من حوله...فهو يدرك سوءه و يعي ضعفه ...

هل سبق أن جربت الوقوف في المنتصف يا أحمد؟ حيث يبدو الاقبال على الحياة شهيا و ممتعا... لكن سرعان ما يخرج إليك مارد الفضيلة يؤنب عن اقترابك... الواقف عند المنتصف كلما اقترب احترق و كلما ابتعد اشتاق... الوقوف عند المنتصف مؤلم يا أحمد...إنه مؤلم.

التفت إليّ القمر و قد لاحظ نزول دمعة من عيني... ثم قال...

"لكن الجميل في الانسان الواقف عند المنتصف...أنه لا يزال إنسانا ذا ضمير حي...فيه من الخير ما يعيده للصواب في كل حين...نفسه اللوامة تحميه بفضل الله و رحمته... لن يطمئن طالما لم يقرر...يظل يتأرجح... يظل يبحث عن سلامه... فلا هو قادر على التخلي عن أشياء أحبها هي بمثابة امتحان له في هذه الدنيا و و لا هو قادر على الاستسلام و الانصياع كليا للدنيا.

الجميل أنه يظل يستغفر و يحاول في كل مرة أن يصلح نفسه.

الجميل أنه يوما ما سيعود...مهما طال تأرجحه بين الصواب و الخطإ سيعود لموطنه حيث سلامه الداخلي و حيث سينعم بالنفس المطمئنة... يكفي أن لا يتطبع و يألف الخطأ.

 يا أحمد... أتدري ما المؤلم في نهاية هذه القصة؟ أنه عاجلا أم آجلا يجب على الانسان أن يقرر...و بعد القرار... سيبكي... سيتألم... سيؤلم آخرين  حوله ارتبطوا به ارتباطا...سيتخلى عن أشخاص أحبوه كي ينجو بنفسه...  هو لم يقصد أن يؤذيهم... لم يقصد أن يتخلى عنهم لكن... سيعذبه الضمير من جديد.. 

إنها ضريبة الخط الفاصل...لابد له من أن يختار يوما...

لن يفهم الأخرون لم غادر...و لم اختفى فجأة...و قد يكون في نهاية المطاف مجرد خائن في نظرهم...إنها ضريبة الخط الفاصل. 

قمت  لتوديع القمر...فقد تألمت لما وصفه...فكأنه كان يحكي قصتي...

"انتظر يا أحمد.... قبل ذهابك لا تنس فقط..." فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ.

"القلب القلب يا أحمد."

انتهي


  • 8

  • Ahmed Mahmoud
    أستنشق القراءة.... و أحيانا قليلة أكتب خربشات
   نشر في 15 مارس 2020 .

التعليقات

Sama منذ 3 أسبوع
تاب الله علينا ورزقنا عزيمة الاصرار على الحق وعزيمة الا رجوع للباطل،جزاك الله خيراً يا احمد،مؤقنه ان النصيحه لاتُقبل الا بأسلوب يقبلهُ القلب أولاً،افتقد القلب هذا الأسلوب شكراً لك.
0
Ahmed Mahmoud
بارك الله فيك.
حياة محمود منذ 3 أسبوع
و يَنشق القَمرُ فَجأة في سَاعةٍ لا يَعلمُها إلا الله ، في يومٍ يَفرُ المرء فيه من أخيه وأُمِّه وأبيه وصاحبته وبَنيه، يَشهد الشاهد و الشهيد، ويَتكرر مَشهد مُشابه لمشهدكِ مع القمر، لكن هذه المرة مع رجال الأعراف ، هناك في مَكان بين الجَنة والنار يُسمَّى (الأعراف )، وهو سور عالٍ يطلِّع منه أصحابه على أهل الجنة وعلى أهل النَّار ،يقف رجال الأعراف، يُدخلهم رَبُّهم عز وجل في آخر المطاف جنَّته ولا يَدخُلون النَار ، وأرجح الأقوال فيهم أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم .
6
Ahmed Mahmoud
و يبقى دعاؤنا...أن اللهم ادخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تحياتي.
عبد الله عبد المجيد
اللهم ارحمنا برحمتك يا الله الاستغفار اخوتي في الله استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم
اللهم ارفع عنا الوباء و البلاء
بوركت جهودك اخي الفاضل المحترم ودام قلمك كاتبا قعدنا عن العمل و طلبو منا تقليل الازدحام و كثير من الدول لغت الصلاة في المساجد لمنع المخالطة وانتشار عدوى كورونا حالنا هذا بسبب الوقوع في مدخل الشيطان اخي المحترم غالبنا الحرام والله اليوم يرسل إنذارات والعباد لا يتعظون لم نتقي الشبهات من وقت طويل و منعت مساجد الله اليوم ان يذكر فيها اسمه بسبب الوباء نسأل الله السلامة و الهداية
استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
2
Ahmed Mahmoud
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
صدق الله العظيم.
باركرالله فيك اخي الفاضل
عبد الله عبد المجيد
استغفر الله العظيم
إيمان منذ 3 أسبوع
الله... ما أجمل ما كتبت.. الله
حوار راائع.. ومعنى أروع
جعله الله في ميزان حسناتك
3
Ahmed Mahmoud
شكرا لك إيمان. بارك الله فيك
Dallash منذ 3 أسبوع
ماض بليد وحاضر عتيد ومستقبل بعيد ..وليس لنا الا الله .....
3
Ahmed Mahmoud
لا إله إلا الله محمد رسول الله.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا