اَسْمَهَان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اَسْمَهَان

"هذه المروية ليست للجميع، ليست لمن لم يعبأ بمعرفة اسمها”

  نشر في 21 يوليوز 2017 .

“أتبحثين عن هذه؟” سألتُها عندما خرجت من البقالة ورأيتها تتفحص المكان بنظرها. “هاتها” أجابتني بهدوء غير مكترث ويدها ممدودة. هممت بإرجاعها وأنا أسأل: “فقط قولي لي لِمَ فعلت ذلك؟”. أبقت يدها ممدودة لثوانٍ بدون أن تجيب على سؤالي ثم سحبت يدها وانسحبت هي بدورها نحو سيارتها بدون أن تصر على أخذها.

******

في وقت سابق‪؛‬ كان أحد الشبان يتباهى أمام زملائه بتعرضه المستمر لإحدى فتيات المدرسة واصفًا محاسنها بألفاظ سوقية، وأفصح عن نيته في أن يخطو خطوة أوسع بملاحقتها والتعرف على موقع سكنها آمنٌ من أن تطاله عقوبة أو رادع من أهل الفتاة.

‫*‬*****

نادت تارا أختها الكبرى تُنبئها أن مؤقت الفرن قد انتهى؛ نزلت لارا للطابق السفلي حيث المطبخ وأخرجت صينية الكوكيز الذي أعدته مع أختها بينما ترقبها تارا بحماس شديد فقد كان ذلك الكوكيز بمثابة إنجاز كبير لطفلتين في عمرهما. تشاركت الفتاتان ما صنعته أيديهم، ثم أشركوا بعضًا من عاملات المنزل اللاتي استلطفن اكرامهن فضلًا عن لذة الكوكيز.

خرج السائق من غرفته ليرجع سيدة المنزل التي أوشكت مناسبتها على الانتهاء، فوجد تارا عند باب غرفته تقدم له طبقًا من الكوكيز وبطفولة بالغة شكرته على موقفه صباح اليوم وحرصه عليهم دائمًا في وجه المضايقات، وآسفة على ما طاله من لوم هذا الصباح. كان ذلك كفيلًا أن يشرح صدر السائق الذي لم يعد يبالي بما يتعرض له من ربة عمله، فشكرها وقادها لباب المنزل، ثم استقل السيارة لموقع المناسبة.

******

في ذات الوقت من اليوم التالي للأحداث مررت بذات الشارع الضيق الذي تعرض فيه الشبان لتضرر إطارات سيارتهم لأعاينه مجددًا. كنت قد كونت صورة مبدأية لما حصل، وكان ينقصني فقط التعرف على الدافع. بينما أنا كذلك خرجت أسمهان من بقالة على بعد خطوات تمسح المكان بعينيها ودار بيننا الحوار السابق، وبعد أن انسحبت لسيارتها تحركت السيارة لمسافة قصيرة ثم توقفت وفُتح الباب الخلفي المخالف للباب الذي دخلت منه وخرج منه رجل أعمى على أعتاب السبعين، وبينما هو يغلق باب السيارة كان يتحسسني بمناداة خافتة، فاقتربت منه معلمًا إياه بمكاني. صافحني ثم وضع يده على كتفي بأبوة واستسمحني إن كانت ابنته اقترفت شيئًا سيئًا، وباستحياء سألني أن أعيد ما كانت ابنته تريده. بادرت بإبداء حسن نية وخضت معه في الحوار مبديًا فضولي لاستيضاح بعض الأمور لا أكثر، تنهد الرجل بارتياح على أن نتحدث باستفاضة في وقت لاحق، سألته أن أعيد لها القطعة بنفسي ففتح باب السيارة مفسحًا لي المجال، ومددت يدي أسلمها مرادها، فالتقطتها بسرعة بتعابير مبتهجة ثم اعتذرت مني بلا سبب، ومن خارج السيارة خاطبها والدها بلطف وبشاشة أنه يريد أن يدعوني لمنزله لنتحدث، فنظرت إلي ثم أومأت بنعم وهي تبتسم، ثم أعاد سؤاله لها مجددًا بلطف واضعًا يده على كتفها متحسسًا استجابتها، فكررت إيماءها تلامس بذقنها يد والدها، اتممت حديثي معه في اللحظات التالية وانتهينا بالتنسيق لاستضافتي في منزله، ثم عدت لسيارتي مقابل باب المدرسة لاصطحب أختي للبيت.

******

كان اليوم الثاني على التوالي الذي تتفادى فيه الفتاتان أذية الشباب، لعل حادثهم بالأمس يبطئهم عن العودة للأذية أو حتى يمنعهم بالمرة. تساءلت لارا مجددًا إن كان من المجدي إخبار والديهم فيم يتعرضن له، قطعت تارا أفكارها لتحدثها عن يومها بطفولة بريئة، ثم استطردت تحدثها عن صديقتها الجديدة أسمهان والأنشطة والألعاب التي مارستاها سويةً، وأبدت شعورها بالإنسجام والراحة ولربما الأمان بوجودها في حياتها، “في الغالب التصرفات السيئة تصدر من عقلية متواضعة، ولا يطول الزمن حتى يسقط فاعلها في شر أعماله” كان هذا رد أسمهان لـ تارا بعد أن حكت لها منذ أيام ما يتعرضن له من أذى المعاكسات، وأوصتها أن تصر على السائق أن يأخذ الزقاق الضيق في الجهة المقابلة بدلًا من الشارع المعتاد الذي تطل عليه المدرسة بداية من الغد، وكان هذا هو السبب وراء تأخرهم بالأمس على والدتهم التي ألقت بالملامة على السائق.

******

استقبلني بحفاوة في منزله المتواضع بعد صلاة المغرب، وبعد الترحيب بدأ يحدثني عن أسمهان؛ ذكر أنها لم تكن ابنته قبل سنتين مضت عندما وجدها وحيدة تعيل نفسها في منزل قديم، ولا تعرف كيف انتهى الحال بوالديها ولا تذكر الكثير عنهم. شعرت به وقد أثقلته الحياة وكأنه كان يرجو أن يفرغ ما في صدره لأحد، وعرفت أنه يعيش مع زوجته التي تقاربه العمر وليس لهم أبناء. تبادلنا أطراف الحديث لدقائق حدثني فيها عن ابنته المتبناة التي اختارت أن تسمي نفسها أسمهان عندما كانت عاجزة أن تذكر الاسم الذي أطلقه عليه أهلها، وبينما كانوا يستعرضون لها مجموعة من الأسماء آثرت أن تُدعى بما معناه “أميرة الأسماء”.

******

دخلت أسمهان بطبق ضيافة وسلمت علي ثم ارتمت بطفولة في حضن والدها بالتبني. بدأت أجتذبها بالحوار حتى ألِفت حديثي، فأتت الفرصة المناسبة لأتطرق لما أثار فضولي، سألتها عن السبب الذي دفعها للتخطيط للإضرار بسيارة الشبان؟ فأجابت بأسلوبها الهادئ الذي يترنح بين براءة الطفولة ونضج البالغين؛ بسردها لما دار بينها وبين صديقتها بالمدرسة من أذى الشبان وارتأت أنه لابد أن تضع حدًا لهم. قاطعها والدها بفزع وحنان “لِمَ لم تبلغيني؟ لماذا تقحمي نفسك في هذه الأمور؟” فأجابت أنها لم ترد أن تزعجه، وأنها كانت حذرة تمامًا فيم تفعل. أخْرَجتُ جميع القطع التي التقطها من الشارع بالأمس ونثرتها على الطاولة، “والآن أوضحي لي بالتفصيل كيف فعلتِ ذلك”، بطفولة فخورة تركت مقعدها واتجهت نحو الطاولة وبدأت توضح كيف وضعت الفرجار مفتوحًا بزاوية محددة، ثم أركزته على المثلث قائم الزاوية وألصقت بهم المنقلة ليكون الفرجار محور دوران للأداة، وأضافت بعض النوابض بين ذراعي الفرجار. تولّد عندي مزيدًا من الفضول “ كيف وضعتها هناك؟ بل كيف ضمنت أنه لن يتضرر منها إلا السيارة المقصودة؟”، وبمزيد من الثقة والجرأة أجابت “عندما تصطاد الفأر تضع الجبن في المصيدة، الأداة كانت ممغنطة خلف الإطار الخلفي الأيسر لسيارة صديقتي، كنت قد وضعتها هناك بينما أودعهم”، ثم أتبعت أنا “أها ! إذًا هذا هو دور تلك القطعة”، كانت القطعة التي طالبت بها سابقًا مستخرجة على ما يبدو من أحد ألعاب الأطفال والتي تولد مغنطة بطريقة بدائية ويمكن التحكم بها عن بعد، واستخدمتها لافلات القطعة في وقت مناسب عندما تتبعهم سيارة الشبان، “وكيف استطعت أن تفليتيها في الوقت والموضع المناسب؟”، فأوضحت لنا كيف أوصت صديقتها أن يسلكوا الزقاق الضيق مما يَحِد من نطاق مسار الإطارات، وأيضًا باعتبار أنها استخدمت فرجارًا مدبب الطرفين بمسافة واسعة بين كل منهم ففرصة إصابة الإطار كبيرة، ولضمانٍ أكبر قامت باسقاط الأداء أثناء اعتلاء الإطار الأمامي لسيارة صديقتها المطب حيث تكون مؤخرة السيارة في أقرب موضع لها من الأرض فلا تتدحرج الأداة وتحيد عن موضعها المقرر .. كل ذلك وأنا في ذهول، لم أستوعب أيهم أحق بأن يبهرني؛ دهاؤها في التخطيط والتنفيذ أم أسلوب حديثها المتمكن، أما والدها فيبدو أنه اعتاد أن يسمع منها الكثير مما لا يحسن التجاوب معه فكان يظهر قلقه تارة ويدعو لها تارة.

******

“حسنًا لدي سؤال أخير، كيف تمكنت من إصابة الإطارين؟”، أجابت بممازحة أن هذا هو الجزء الأصعب، ففي الحقيقة لم يكن يهم ما إذا تضرر الإطارين، فتأذي أحدهم كان كفيلًا بالمهمة، ولكن بإلصاق قطعة معدنية مخروطية مأخوذة من رأس القلم في كلٍ من طرفي الفرجار سيكون هناك احتمالية جيدة أن ينسل رأس الفرجار بعد إحداثه الضرر مبقيًا القطعة المخروطية تسرب الهواء مما يعطي الأداة فرصة أخرى للإضرار بالإطار الذي يليه، “هذا ذكي حقًا” لم أتمالك نفسي بأن أعبر عن إعجابي بما ذكرت. “أنا عندي سؤال لك إذا ممكن” سألتني على استحياء ورحبت بسؤالها، “كيف عرفت أنه أنا؟ نظرت إلي وقتها نظرة شك اضطرتني لأن ابتسم ابتسامة الجانية”، أجبتها باستلطاف شديد أنه في الوقت الذي حدث فيه الارتباك وصدر صوت انفجار الإطارات؛ توجهت كل الأنظار ناحية الحدث باستثناءك أنت، فلم تصدر منك أي ردة فعل أو فزع، “ممممم سأحرص على أن لا أقع مجددًا في ذات الخطأ وسأندمج جيدًا مع محيطي”.

******

في اليوم التالي تم استدعاء الفتاتين لارا وتارا لمكتب شؤون الطالبات، وكانت السيدة سماح تنتظرهم مع المشرفة، وما إن دخلوا حتى خطت إليهم بحنية وجثت على ركبتيها واحتضنتهم بأمومة وهي تكفكف دموعها، أوضحت لهما أن ابنتها أسمهان أبلغتها بما يتعرضن له، وأن إدارة المدرسة ستتخذ كافة الإجراءات المناسبة بما فيها التواصل مع والديهم، وطمأنتهن أنهن لن يتعرضن للأذى ولا للوم، ثم ختمت حديثها بدعوتهن يومًا لمنزلها وقضاء الوقت مع ابنتها.

******

قبل رحيلي من منزل أسمهان بالأمس كنت قد أبديت إعجابي الشديد بما فعلت، وامتد الحوار لأسألها مجددًا عن والديها وحياتها ولم تكن تضيف الكثير، حتى قالت “سأريك شيئًا” غابت لحظات ثم عادت ومعها صندوق صغير أخبرتني أن محتوياته قد تحمل بعض الإجابات، منها أشرطة ڤيديو لكاميرا منزلية قديمة جدًا لم تجد طريقة لمعرفة محتواهم ومن الصعوبة بمكان أن يتوفر مشغل لهم حاليًا، ثم اتجهت للطاولة والتقطت القطعة الممغنطة -التي استعملتها سابقًا وأرادت استعادتها- ووضعتها ضمن المحتويات.

(انتهت هذه القصة، ولكن هناك ملحق لمن يريد أن يعرف “اسْمُ اَسْمَهَان”)



   نشر في 21 يوليوز 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا