كلمات لا تنسى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كلمات لا تنسى

  نشر في 31 يناير 2019 .

أنا عاجز عن المسامحة، كان هذا القرار قاسياً علي كثيراً. كان الجميع ينظرون إلي بعين الشفقة وأنا ألملم دموعي وكراساتي وأشيائي من المكتب الذي فنيت عمري فيه؛ أربعة وعشرون عاماً .. لقد قضيت عمري كله أدأب وأشقى من أجل أن يأتي اليوم الذي سيقدر فيه من حولي عملي وأكرم، حتى لو أتى هذا التكريم قبل وفاتي بلحظات.

كم كانت خيبتي كبيرة عندما وصلني ذلك البريد الذي يطلبون فيه مني بكل بساطة أن أقدم استقالتي وألتزم بيتي؛ لا تقلق حقوقك المادية محفوظة وسوف يصلك معاشك كل شهر لن تشعر بالعجز المادي أبداً. 

لكن ما الذي حصل؟! .. جريت نحو المدير العام أكاد لا أبصر أمامي، هل هي كذبة نيسان أم أنهم يحضرون لي مفاجأة ما .. 

كانت المرة الأولى التي يخاطبني فيها المدير بكلمة صديقي، بدأ حديثه بشيء من التعزية؛ " يا صديقي إن هذا الخطاب بمثابة تكريم استحقيته بجدارة بعد هذه السنوات الطويلة من العمل الكادح في شركتنا؛ وفضلك لا يمكن لأحد أن ينكره، لهذا قمنا أنا والرفقاء الطيبون في العمل بإعداد حفلة وداع تليق بسنوات عملك التي تكللت بالنجاح والاحترام". 

عندما قمت بإجراء حساب بسيط لعمري، أدركت أنني حقاً هرمت، أنه حان الوقت لاستبدالي .. من أنا يا ترى؟! سألت زوجتي التي كانت تحاول مواساتي ورياح الأسى تعصف بروحها.

"لقد حان الوقت لتسريح قليلاً، ربما حان الوقت لتفكر بحياتك." قال لي ابني الكبير وهو يعزيني. 

حياتي؟!

ربما فات الأوان يا بني، لكن بكل الأحوال يبدو أنهم اتخذوا قرارهم النهائي وقرروا أن يتخلوا عني. 

بعدها بدأ أصدقائي بالعمل انسحابهم التكتيكي، لم يعد أحد يدعوني لأمسيات الخميس، لماذا سيفعلون إن كانت كل الأحاديث التي تدور في تلك الأمسيات محصورة بالعمل ومشكلاته، وأحاديث لم يعد لي فائدة مرجوة منها. 

بعدها بدأ أبنائي كذلك يقلصون عدد زياراتهم، لقد تبدلت أحوالي وأصبحت أنساناً مملاً عصبياً لا أحد يطيق التحدث معه أو إليه. 

إن أصعب ما قد يشعر الإنسان به أنه ميت وهو ما يزال على قيد الحياة؛ بدأت صحتي تتهدور وعلاقتي بشريكة حياتي كذلك. لقد طلبت مني أن أسافر في رحلة استجمام حتى أخفف من توتري وحدة طباعي. بقيت كلماتها ذلك اليوم عالقة في ذهني، سمعتها وهي تطلب من ابنتنا الكبرى أن تتصل بها في المساء وتطلب منها أن تأتي لزيارتها بضعة أيام لأنها لم تعد تتحمل البقاء معي، وفي ذات الوقت لم تكن تجد أنه من اللائق أن تطلب ذلك منها بحضوري وأنا أمر بهذا الوقت الأليم.

في ذلك المساء شجعتها على ذلك، كنت أتجاهل الألم الذي يقتلني من الداخل، قلت لها كمن ليس له علم بشيء، لو كنت مكانك لذهبت في الحال، رفهي قليلاً عن نفسك أنت تستحقين إجازة!

عندما رحلت شعرت بفراغ كبير، بكيت كطفل صغير تائه في شوارع غريبة لا يعرفها؛ في نفس اليوم وردني اتصال من تلك صديقة قديمة كانت تعزيني بموت صديقنا؛ طلبت منها أن نلتقي أجابت بكل سرور. 

خرجنا في المساء إلى أحد المطاعم الفاخرة في حي قديم؛ كان ذلك اللقاء بمثابة القشة التي تمسكت فيها وأنا أغرق. تناولنا طعام العشاء سوية، تجرعنا كوبين أو ثلاثة من النبيذ الأحمر المز. عندها فقد كلانا احساسه بالوقت وبالعمر وتحدثنا بأشياء لم نكن لنجرأ على التحدث بها ونحن في زهوة شبابنا وبكامل قوانا العقلية. 

" تلك الحياة اللعينة، لا تستحق الأحترام، لو كنت مكانك لعبثت معها كما تعبث معنا، هل تصدق إن قلت لك أن زوجي اللعين تزوج علي بالسر من شابة تصغرني بعشرات الأعوام عندما دخلت سن الأياس .. عاهر .. نذل .. إن أكثر ما يحز في نفسي هو أنه وضعني في خانة الأموات وأنا ما أزال على قيد الحياة؛ لكن أتعلم شيء .. رغم كل هذا لم أصارحه بشيء، وهو لم يستطع أن يتخلى عني، وعندما حصلت على مبتغاه منه رمته كحذاء بالي. عاد إلي مكسور الخاطر، خائب الظن .. لقد أخذت لي الحياة حقي منه، أنا سعيدة جداً برؤيته ينهار عليها كمراهق أبله .. لعنة الله عليه".

خلعت الشعر المستعار الذي كانت تضعه على رأسها، وراحت تمسح جلدة رأسها الناعمة بعيون دامعة؛ 

" أنا مريضة بالسرطان، ولم يتبق من أيامي الكثير، لكنني لم أخبره بشيء، أريده أن يموت بحسرته، أن يقتله شعوره بالذنب هذا إن كان مايزال يملك ضميراً حي". 

في تلك اللحظة استيقظت من ثمالتي، ارتعشت أطرافي، شعرت بالدماء تمر مسرعةً بعروقي، يا إلهي .. وقفت الكلمات في جوفي، شعرت بالعجز؛ عندها أمسكت يدي وقالت لي بحنية مطلقة :" لا تحزن يا صديقي، الموت موجعٌ لمن نفارقهم وليس لنا، أحياناً يكون الموت رحمة، بل إنه أفضل بكثير من أن يكون بقاءك على قيد الحياة بلا معنى، وأنا أعتقد أنني كنت جيدة مع الحياة، ولا أعتبر أن إصابتي بالمرض هي عقوبة، بل إنها الرحمة التي كنت أنتظرها منذ سنوات طويلة، ومع هذا فأنا لم أنكسر لقد أعطيت نفسي فرصةً لأعيش، رغم أن رحلة العلاج المستحيلة كانت مؤلمة لكنني كنت سعيدة برحلة كفاحي في الحياة."

أخرجت من جيبها مجموعة أوراق وأعطتها إلي؛ "حاول أن تتابع ما تبقى من هذا الكتاب وانشره؛ إنني أشعر بدنو الأجل .. لقد أصبحت عاجزة عن كتابة الأمل، لكن القراء يستحقون هذا الأمل .. ألا تظن ذلك؟!".

كان الكتاب بلا عنوان، وكان الجزء الأصعب بالنسبة إلي أن أجد عنواناً مناسباً لتلك الكلمات التي حفرت أثرها بوجداني. كنتُ أشعرُ بالكثير من الأحيان بالضعف والعجز، وأقرر أن أنسحب من تكملة الكتاب، لكن سرعان ما كانت كلماتها تعصف في ذاكرتي لأهرع إلى آلتي الكاتبة وأخطو ما تبقى.

ارتديت أرقى بذة عندي، وتعطرت بأفضل العطور وأثمنها، خرجتُ وحيداً لأحضر حفل تكريمي على هذا الكتاب الذي سرعان ما انتشر في الأسواق وتم بيع آلاف النسخ منه. 

عندما صعدت إلى المنبر، شعرتُ بالتوتر والخوف، فألقيتُ بنظري بعيداً عن الجمهور، إلى ذلك النور الذي كان يشع في نهاية القاعة، حيثُ رأيتُ طيفها يشع وهي ما تزال في ريعان شبابها.. تذكرت حينها اللحظة التي خلعت فيها شعرها المستعار، ونظرات عينيها المتوسلة وهي تقدم إلي الأوراق، ابتسامتها المعلقة على شفتيها وهي ممددة في سريرها في المستشفى تحتضر .. كان زوجها يجلس في المقاعد الأمامية هزيل الجسد ميتاً على قيد الحياة .. 

" لطالما عملتُ بجد وتجاهلت نفسي وحياتي على أمل أن يأتي اليوم الذي سأكرمُ فيه على جهدي وتعبي؛ لكن خابت ظنوني في اللحظة التي استلمتُ فيها ورقة استقالتي؛ تحولتُ بعدها إلى إنسانٍ عاجزٍ، حتى أصدقائي وأهلي تخلوا عني .. لقد بتُ رجلاً ثقيل الظل على من حولي، قربي متعب، والتعامل معي لا يطاق. 

في تلك الليلة التي قابلتُ فيها هذه المرأة - فليتغمدها الله برحمته - قلبت بعيني موازين الحياة؛ في الحقيقة أنها من استحق هذا التكريم وبجدارة، لكن مع الأسف إنها لعبة الحياة القذرة كما كانت تحب أن تصفها دوماً، تحيلك إلى خانة الموت وأنت ما تزال على قيد الحياة؛ تهمشك عندما تنتهي مهمتك وحتى أقرب الناس إليك يتخلون عنك عندما تصبح مصدر ملل وإزعاج. 

إن كل كلمة خطتها هذه المرأة كانت بالنسبة إلي حياة، أنا مدينٌ لها بكل كلمة، فكلماتها لا تنسى. ولو كانت ماتزال حاضرةً .. كانت ستبتسم في وجوهكم وتعتذر عن هذا التكريم لأنها كانت تؤمن بأن الأمل حق وأن نشر الأمل واجب لا يستحق المرء أن يكرم عليه. ".

وقف الجميع يصفقون لخطابي الذي أتى من وحي طيفها؛ شعرتُ بيدٍ دافئة تتربع على كتفي، كانت زوجتي تقف خلفي، عانقتني بشدة وهي تعتذر مني على أنها قصرت في حقي .. أمسكتُ يدها وسرتُ مبتعداً .. 

"لكن سيدي أنت لم تستلم جائزتك بعد .." .. قال لي الرجل وهو يمد يده بالدرع. ابتسمتُ في وجهه وقلتُ لهُ " إن من تستحق هذه الجائزة رحلت .. أما أنا فقد حصلتُ حقي كاملاً، لكن إن كنت مصراً على هذا .. انظر إلى ذلك الرجل الهزيل الذي يجلس هناك شبه ميت - أشرتُ إلى زوجها بأصبعي -  يمكنك أن تسلمه الجائزة فلولاه لما استطاعت صاحبة هذا الانجاز العظيم أن تنجزه".!



  • 2

   نشر في 31 يناير 2019 .

التعليقات

مقال راقي كما هي عاداتك ريم
0
Rim atassi
كل الشكر لك وزاد المقال رقياً بتعليقك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا