يسمعون حسيسها - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يسمعون حسيسها

العائد من الجحيم

  نشر في 13 مارس 2019 .

بطبيعة كل الثوار الذين قاوموا الأستعمار الأجنبي في الدول العربية كانوا نسيج من كل أطياف الشعب فنتج عن هذا النسيج مكونات أو جبهات أو أحزاب، وبالطبع جميعها قاتلت جنباً إلى جنب لطرد المستعمر من بلادها، ولكن المستعمر حين كان يشعر بقرب الهزيمة لا يقبلها ولا يستسلم لها إلا بعد أن يفتن بين تلك المكونات والجبهات والكتل، وبعد أن يشعل فتيل الحقد، ويشحن القلوب، يسلم الدولة لأحدها ويدعمها لتقوم بتصفية الجبهات الأخرى، فيرحل المستعمر ويبقى نظام الحكم الجديد خليفته ( الجلاد ) وباقي الجبهات الأخرى ( الضحية ) وبينهما شعب مطحون، لا يملك خيار إلا أن ينصاع إلى السلطة الحاكمة ( وكذلك كان سيكون الحال لو سلم المستعمر الدولة لتكتل آخر أو حزب أو جبهة أخرى كان لتكون هي الجلاد والباقيات الضحايا ويبقى الشعب بين حجري الرحى)

ومن هنا كانت بداية ولادة الأنظمة العربية المستبدة التي استعبدت رعاياها وحكمتهم بالحديد والنار وأحاطتهم بسجون كبيرة أطلقوا عليها دولٌ ديمقراطية.

*يسمعون حسيسها :

رواية للكاتب أيمن العتوم نُشرت في شهر اكتوبر من عام 2012م عن حياة طبيب سوري قضى سبعة عشر عاماً في سجن تدمر الشهير ،في زمن القمع والحيونة لأنظمة متوحشة حولت حياة البشر إلى جحيم، أنظمة كانت ولا زالت تقول : أنا أو الدمار

يستقبلك العائد من الجحيم في الصفحة الأولى من سيرته ببعض التسائلات فيقول :( من يتحكم بماضيه ليصنع مستقبله؟! من يعلم موعد العاصفة القادمة لكي يقف على قارعة الطريق فيتنحى جانباً، ويسمح لها بالمرور قبل أن تقتلعه معها إلى الفضائات الذاهلة، فيصبح نثارة في مهب الريح؟

لو كنت يومها أعرف قيمة القلم والورقة، لرسمت غدي الحالم بيدي قبل أن ترسمه كائنات خارج الإنسانية لا تعترف بالبشرية مُطلقاً، إنها كائنات قادمة من الجحيم نفسه.)

بعد هذا الأستقبال لا تحاول أن تتخيل أنواع العذاب في هذا الجحيم" سجن تدمر " لأنك مهما اجتهدت فلن تبلغ بخيالك جزء من الأحداث المرعبة التي سردها أيمن العتوم على لسان العائد من الجحيم الدكتور أياد عبدالقادر أسعد بطل هذه الرواية.

في السنوات الأخيرة صار من الطبيعي أن تصادف مقاطع فيديو كثيرة منتشرة في مواقع التواصل الإجتماعي تتضمن تعذيب بطرق كثيرة، أو إعدام بوسائل حديثة عجيبة، أو انتهاك لحقوق الإنسان في مناطقنا العربية، ولا ننكر أن بعضاً من خلايا المخ المسؤلة عن التأثر قد تبلدت من هول ما نرى ونسمع، إلا أن الكاتب هنا استطاع بطريقة فريدة أن يزيد من دقات قلبك، واستطاع أن يشرك السجن والجلادين في أحلامك عنوة، ويجعلك تتسائل حقاً كما تسائلت الضاحيا بالسجن أي وحوش هؤلاء الذين يفعلون هذا؟! أي سادية هذه التي يتمتع بها هذا الصنف من المخلوقات؟! من يستطيع أن يحدد ما هية هؤلاء السفاحين؟ فهل ولدوا لأم وأب!! أم لشيطانة وإبليس؟ هل هم كائنات أُخرى تلبس ثياب البشر حتى يفعلوا ما فعلوا؟.

كان أسم سجن تدمر لوحده في الثمانيات والتسعينات يثير الرعب ويرتبط فعلياً بالجحيم. يقول الشاعر /فرج بيرقدار في كتابه خيانات اللغة والصمت عندما نقل من التحقيق إلى السجن : بدأ المساجين يتحسسون طول الطريق مع بلوغ الطريق الصحراوي قال أحد الشعراء الذي يرافقه ( تدمراه ) بصرخة رهيبة صرخة الذاهب إلى الجحيم.

وذكر ياسين الحاج مؤلف كتاب بالخلاص ياشباب وهو أيضاً أحد العائدين من جحيم سجن تدمر : أن سنة واحدة في تدمر تعادل خمسة عشر سنة في ما سواها، وأنه صُمم من أجل كسر أعين السجناء. ويقول كنا نعيش في خوف وجوع، وكثيرون دُمروا وفقدوا القدرة على التعامل مع المجتمع، وبعضهم أصبحوا متطرفين، علاوة على المساجين الذين ماتوا أو فقدوا عقولهم.

* الزمن يدور

يقول بطل الرواية الدكتور أياد : كان الزمن في سجن تدمر شيطاناً ذا أربعة وعشرين قرناً يدور في مكانه، كتلة من اللهب المندثرة باللظى، كان رحى يمسك إبليس بمقودها ويضعنا جميعاً تحت حجريها، فيطحننا كحبات قمح صدئة سرعان ما تنسحق وتتحول إلى دقيق. لم يكن الزمن يدور! من قال إن الأزمنة تدور؟! الزمن غلاف يحيط بفضائنا المقهور هنا ونحن الذين نتخطاه إلى وادي الموت، هو ظل مغلفاً حياتنا دون أن يتحرك ملِمتراً واحداً.

دفعنا بيد من حديد فسقطنا في هوة الغياب، لم يكن من أحد خلف غلافه يرانا لكي يبكي على أحوالنا، أو يرق قلباً لنا، كنا وحدنا نواجه المصير المرعب دون أسى. وحده الله كان حاضراً لربما لم يصل إيماننا إلى الحد الذي تتدخل في قدرته لتغيير ما يحدث من أجلنا، ولربما وصل إيماننا إلى الحد الذي كان فيه اصطفاؤنا في هذه المحنة التي لم يواجه مستواها من الرعب والفظاعة أحد من البشر قبلنا!!.

كلما كنت أتعمق أكثر في الرواية يخبرني العائد من الجحيم أن أُهدِئ من روعي قليلاً فإن الأخطر لم يأتي بعد! لذلك كنت اتوقف كثيراً عند قرائتي للرواية فأنهيتها في اثنا عشر يوماً. خلال القراءة أرى سجون محاكم التفتيش القشتالية ماثلة أمامي في ثلاثية رضوى عاشور: حين يحاصرك المحققون المتسربلون بالأسود، تنفذ نظراتهم إلى روح روحك ويطلقون عليك أسئلتهم وآلات التعذيب، يشدون وثاقك إلى ذلك السلم الخشبي، ويضخون الماء في جوفك، الماء الذي يروي، ماء الله الزلال الذي تطلبه نفسك حلالاً يدخلك ناراً موقدة. تمتلئ، تنتفخ، تختنق، تستعصي الصرخة ولكنها تلح فتطلع حشرجة كأنما هي الروح تخرج في عناء.

يحدقون بك، العيون مصمتة، والوجوه مصمتة، وقلوبهم مدرعة بالثياب السوداء. الأسياخ المحماة تحرق باطن قدميك، والحجارة الساخنة تلهب ظهرك وبطنك وعجزك، والآلة الخشبية تختزل جهنم في دولابها الضاغط الذي يسحق عظامك، فتخور كثور ذبيح، والقلب في بيت القلب يعتصر كأنما تقبضه يد الموت ويموت، يحدقون فيك ولا يرف لهم جفن يلقون بك في قبو وحدك لا تقدر حتى على البكاء، وعندما تقدر تذرف الدمع الغزير، ليس لإن البدن يوجع، ولكنك تبكي على تلك المزق الآدمية التي تعرف أنها أنت.

فينبهني العائد من الجحيم بأن أعود إلى هنا إلى جحيم تدمر فيقول : أن محاكم التفتيش كانت صراعاً بين عقيدتين ودولتين، وهم هنا يدّعون الإسلام ويعتنقون سورية وطناً فلماذا تأكلنا أوطاننا وينهشنا من هم مسلمون مثلنا؟

فسرد لنا من موقعه الذي وصفه بالأستراتيجي في المهجع ما كان يجري في الساحة من حفلات التعذيب، وحفلات الإعدام فقد كان من موقعه شاهداً من خلال شقوق الباب على ماكان هناك من جحيم، فكان بذلك شاهداً على ماكان يدور داخل المهجع من ويلات وما يدور خارجه من انتهاك صارخ للإنسانية. وهذا كان التشابه الأكبر بينه وبين بطل رواية القوقعة للكاتب / مصطفى خليفة. الذي عاش طوال فترة تواجده في سجن تدمر داخل قوقعة، وكان يتلصص من خلال قوقعته على باقي المساجين داخل المهجع، ويتلصص أيضاً على ما يجري في ساحة السجن من تنفيذ لإعدامات ميدانية وغيرها من الأحداث وذلك من خلال فتحة في الحائط المجاور للموضع الذي كان ينام فيه داخل المهجع.

من المفارقات العجيبة أن من هدم وفجر سجن تدمر هم نسخة أخرى من إدارة السجن وجلاديه ( داعش ) عام 2015م الذين مارسوا كل تلك الويلات وأبشع منها في العلن.



  • محمد سيف الداعري
    جسدي يعيش بأرضٍ والفؤاد ومالكيه بأرض. من جنوب اليمن تحديداً من منطقة ردفان ( ردفان الثورة كما تعرف تاريخياً ) مقيم في الرياض.
   نشر في 13 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا