ظل الله في الارض - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ظل الله في الارض

  نشر في 01 يناير 2017 .

بقلم

علي عبد الرضا حسون  

الاهداء ......

إلى العقول التي تعبد الفكرة ولا تعبد الأشخاص. فالأفكار تتغير وعليها يتغير العقل، أما الشخص فلا يتغير لان التغيير يؤذيه ولا يخدمه

إلى الذين يؤمنون بأن الله قد ارسال الأنبياء لكي يعرفوه للناس، وليس لكي يعرفوهم أنفسهم

إلى الذين يؤمنون بأن يكون تفكريهم ثورياً وليس تقليدياً

إلى الذين لا يؤمنون بمقولة لينين (من الغباء الاصطدام بعواطف الجماهير، والأكثر غباءً الوقوف في وجه العادة لدى الملايين)

إلى الذين يؤمنون بقول غاندي لجواهر لإل نهرو (لا تحاول أن تقنع أحداً بتغيير عاداته وأفكاره ... ان أقصى ما تستطيع فعله هو أن تقنعه بأن يبدأ في مراجعة العادات والأفكار. وإذا فعل فإنه هو الذي سيتغير، وليس أنت الذي غيرته)

إلى الذين يؤمنون أن طبقة رجال الدين هي طبقة برجوازية في المجتمع

(( يحق لرجل الدولة الأمين أن يغامر بحياته ومركزه وبكل ما يملك إذا أراد ذلك .. ولكن لا يجوز له قط أن يجازف بمقدرات وكيان الأمة التي يرعاها بأي حال من الأحوال......))

نوري السعيد / رئيس وزراء عراقي سابق

(( أن تتفهم جشع الديدان البشرية ، التي جمعت ثروتها من موائد تعففك ....... وستحرض عليك .... لتقتات بما بقي من جسدِ سبق أن أطعمت بعضه للثورة))

أحلام مستغانمي / رواية عابر سبيل

(يقول علي شريعتي: يصرح برشت في حياة غاليليو بأعلى صوته (ويل للأمة التي بحاجة للبطل) ....

عادل رؤوف / عراق بلا قيادة

(( .... منذ ذهب الشيخ الانصاري الى تقرير صارم ومن وجهة أصولية ب (بطلان عبادة تارك طريقة التقليد والاجتهاد ) وكان الرأي الاصولي القبلي يقضي بالاستناد على الدليل العقلي ب( رجوع الجاهل الى العالم))

عادل رؤوف / عراق بلا قيادة

((يقول محمد مهدي شمس الدين: نحن اخترعنا مصطلح المرجع الأعلى في الستينات مع مجموعة من الناس منهم محمد باقر الصدر .... وقبل مرحلة الستينات لا يوجد في ادبيات الفكر الإسلامي الشيعي هذا المصطلح على الاطلاق)

نقلاً عن كتاب محمد باقر الصدر / السيرة والمسيرة

مقدمة ......

موضوع هذا البحث يتعلق بالشخصية التي تمارس العمل الديني أو ما يطلق عليها رجل الدين 0 والتي وصلت الى درجةِ من العلم مما جعلها أقرب من باقي الشخصيات الأخرى التي تعيش في المجتمع الى الله، وبالتالي أصبحت نقطة جذبِ تتوصل عن طريقها هذه الشخصيات الى ربها المعبود، وتسير اليها بكل طمأنينة 0

(( فالدين يشمل الدوافع التي تحكم سلوك الانسان بدائياَ أو متحضراَ .... وعلاقات الانسان بالطبيعة وما وراء الطبيعة تخضع لاعتبارات دينية، ويصبح الدين عاملاً هاماً في حياة الانسان))

وهناك مفاهيم للدين منها:

1- المفهوم الفلسفي: وقد حاول أصحاب هذا المفهوم – أعنى المفكرين والفلاسفة – الربط بين الفلسفة والدين أو العقل والايمان، فالفيلسوف كانت يقول: أن الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر الهية سامية 0000 ويرى هيجل: أن الدين فن باطني يصور لنا الحقيقة الإلهية من الداخل عن طريق الشعور الباطني 0

2- المفهوم النفسي: هو الشعور الديني الذي يرى أن هناك قوى خفية يجب ان يخضع خضوعاً اعمى لأوامرها

3- المفهوم الاجتماعي: يرى القائمون ضمن هذا المفهوم بأن الدين هو علاقة بين الانسان وقوة اقوى منه 0 ويرى عالم الاجتماع الفرنسي دور كايم بأن الدن هو عبارة عن مجموعة متماسكة من العقائد والعبادات المتصلة بالعالم المقدس والتي تنظم سلوك الانسان حيال هذا العالم 0

والدين عامل مهم في خلق المناخ الروحي للفكر الا انه ليس العامل الوحيد، بل كان للمؤثرات الخارجية من اجتماعية واقتصادية وسياسية وجغرافية، فضلاً عن المؤثرات الداخلية مثل الفلسفة أو الاخلاق مقامها 0 مثل التداخل الشديد للمفاهيم الدينية وللمفاهيم الاجتماعية 0

والمتدين يظل دائماً بحاجةٍ الى إدراك الحضور الإلهي الدائم، الذي أكدته النبوات والرسالات الكبرى بعبارة أخرى، فأن المتدين بحاجةٍ الى الاتصال بالله، والتواصل معه، وهو ما يتم على نحوٍ عام عبر طقوس ومراسم العبادة، ويتم على نحوٍ محدودٍ وصفوي في التجارب الدينية العميقة: القبالا اليهودية، الرهبنة المسيحية، التصوف الإسلامي. غير أن هذه جميعاً تجارب محدودة أو صفوية، وهي ليست كافية بذاتها لعموم أهل الديانة، الذين يظلون دائماً محتاجين الى الصلة الدائمة بالإله، وهو الدور الذي يقوم به ممثلو الله في الأرض.

وفي الإسلام يوجد نواب عن الله ينطقون بالحق الذي أراده سبحانه وتعالى 0 ولهذه النيابة اشكال وانماط عدة، فقد يكون النائب هو: الصحابي ،التابع ، تابع التابع000وفي الاطار الشرعي العام والتعامل الاني مع المؤمنين ، فهناك الامام عند اهل السنة ، والامام المعصوم عند الشيعة، والقطب عند الصوفية 0 ومن تحت هؤلاء ن نواب لهم مقامات معلومة ، بحب اختلاف المذاهب والمشارب الإسلامية فمنهم : المجتهد، آية الله، الداعي ، البدل ، شيخ الطريقة 0 وهناك المفتي عند عموم المسلمين الذين يأتون اليه، طالبين الإجابات الإلهية الجاهزة عن اسئلتهم الدقيقة والجليلة، الاصلية والفرعية . .... لان اهل الإفتاء بحسب عنوان كتاب ابن القيم الموقعون عن رب العالمين.

والدين يرتبط بالشكل الاجتماعي العام ... فهو مرتبط بالنظم الاجتماعية الأخرى مثل السياسة والاقتصاد والاسرة

ولقوة الدين نجد حتى الرؤساء والملوك كانوا يتقربون إلى الرعية بالظهور في لباس المؤمن التدين، ويبنون العابد والمعاهد الدينية، ويقدسون العلماء، ويخضون لأمرهم، وينفذون أحكامهم لا لشيء إلا لقوة الدين وعظيم الدين وعظيم منزلته في نفوس الجماهير.

ومن قوة الدين نجد بأن أبو جعفر المنصور زعم ان السلطان هو سلطان الله في ارضه. ونظراً لشيوع هذا الراي وجريانه على الالسن مما سهل على الشعراء أن يصلوا في مبالغتهم الى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية أو قريباً منها حتى قال قائلهم:

ما شئت لا ما شاءت الاقدارُ فاحكم فأنت الواحدُ القهارُ

وانت إذا رجعت الى كثير مما ألف العلماء، خصوصاً بعد القرن الخامس الهجري. وجدتهم إذا ذكروا في اول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق صف البشر، ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية.

ونجد ان في الدين اليهودي مثلاً، أن طبقة الكهنة هي المسؤولة عن تفسير النصوص، ولم تكن القرابين مقبولة الا إذا قدمت على يد أحد الكهنة. وكانوا معفيين من الضرائب ويقدم لهم عشر الضأن. ويأخذون ما يبقى في الهيكل من القرابين، وتميزت هذه الثروة بأن أصبحت مقدسة وأصبحت شخصياتهم وسيلة الى الله. وجاء قت صار هؤلاء الكهنة أقوى من الملوك أنفسهم.

وأسس هؤلاء الكهنة مجمعاً يقومون عن طريقه يأمرون وينهون ويحللون ويحرمون، ولم يكتفوا بعد سيطرتهم على المسائل الدينية وانما راحوا يحولون كل مشكلات الحياة الاجتماعية الى مسائل دينية.

ونجد أيضا في الديانة المسيحية، عند تسلم الرؤساء الروحانيون تراث التشريع من الرسل، حيث انتقل حق التشريع التي المجامع التي لم تكتفي بالتقنين حول أمور الدنيا بل ذهبت تخلق الالهة وتقرر حق الغفران وعصمة البابا، حيث قرر مجمع روما عصمة البابا في سنة 1869 فانتقل اليه حق التشريع اليه بصفته رأس الكنيسة.

ونجد ذلك ايضاً في الديانة الإسلامية. فلو اخذنا الرسائل العلمية التي يشرح فيها فقهاء مذهب الشيعة الاثني عشري مسائل الحلال والحرام، حيث يقيدون الانسان العامي – الذي يسمونه بتعبيرهم المكلف الذي لم يصل الى رتبة الاجتهاد - بان عباداته نحو الله تكون باطلةً اذا لم يقلد احد الفقهاء . وفي حالة عدم تقليد المكلف فاذا رجع للمجتهد الجامع للشرائط – كما يعبرون عن هذه التسمية الفقهاء-وعرض عمله السابق عليه، فاذا افتى له بصحته أو بعدم وجوب اعادته اجتزا به، والا أعاد . والغريب ان نجد الشيخ محمد جواد مغنية في كتابيه فقه الامام الصادق و الفقه على المذاهب الخمسة لا يذكر باب التقليد .

والمصيبة التي ان أحب ذكرها، ان فقهاء الشيعة يذكرون في رسائلهم العملية ضمن كتاب التقليد: ان وظيفة العامي هي الرجوع الى المجتهد الحي الاعلم وتقليده

والسؤال المطروح هنا: كيف يعلم المكلف المسكين ان الذي يقلده اعلم من الباقين؟ وهنا يجب ان يسال اهل الخبرة، فاذا سال شخصاً من اهل الخبرة يقلد مرجعاً، يصبح العامي مقلداً للفقيه حسب راي ذلك الشخص. واني اعتبر ذلك من حسب فهمي للموضوع – ولك الخيار في رفضه-هي الانانية والاحتكارية في العلم، وتعطيل العقول، وبقاء عقل واحد يفكر ويعطي، والعقول الأخرى فيكون دورها الاخذ فقط. وفي هذا الصدد يقول الفقيه محمد حسين فضل الله:( ولعل ما يمكن أن يقوي حجتنا بحذف شرط الاعلمية في تقليد المرجع يكمن في أن السيرة العقلائية قد تكون على خلاف القول بالرجوع إلى الأعلم في الفقه أو الطب أو في الهندسة، فنحن نجد أن الناس في كل الفنون ترجع الى كل أنسان يملك ثقافة يأمن الإنسان من خلالها على ما يحتاج إليه منها ......ولم يتفق الناس على الأنبياء فكيف يتفقون على المرجع ... انني من الأشخاص الذين لا يقولون بالاعلمية شرطاً في المرجعية)

علما ان محمد الحسني البغدادي قد صرح بعدم جدوى طبع هذه الرسائل لان فيها مصطلحات لا تفهمها الامة، وفيها هدر للأموال الطائلة.

ويقول المفكر محمد مهدي شمس الدين (أن لا وجود للمرجعية أصلا في الإسلام) ويقول أيضاً في كتابه ( الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي ) وهو ينسف التقليد والمرجعية :

((أن مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية، هذان المصطلحان وما يرادفهما ويناسبهما غير موجودين في أي نص شرعي ، وأنما هما مستحدثان ، وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيران يدلان على مؤسسة هي مؤسسة التقليد ومرجعية هي مرجعية التقليد، ليس لهما في الأخبار والآثار ، فضلاً عن الكتاب الكريم، لا عين ولا أثر ، كل ما هو موجود بالنسبة لمادة قلد موجود في خبر ضعيف ، لا قيمة له من الناحية الاستنباطية ، إطلاقاً وهو المرسل الشهير عن أبي الحسن عن أبي محمد الحسن العسكري (ع) ومتداول على ألسنة الناس ، من كان من الفقهاء صائناً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه للعوام أن يقلدوه ، مادة قلد موجودة في هذا النص فقط ، ولكن لا نعتمد عليه أطلاقاً ، هذا التقليد، ومُقلِد أو مُقلد لا أساس له، ومرجع لا أساس له ، الموجود في الفكر الإسلامي ، وفي النص الإسلامي مصطلح الفقيه .

وكثيراً ما يقال أن الإسلام ليس فيه رجل دين على الطريقة المسيحية واليهودية وهذا صحيح من الجانب النظري، الا أنه في الواقع العملي قد نجد ما يطابق رجل الدين الإسلامي برجل الدين المسيحي واليهودي، سواء من حيث شعوره الذاتي التمايزي ....... فاذا كان الكلم في الإسلام رجال دين ودنيا من الناحية النظرية، فمن الناحية العملية ليست كذلك، حيث يتميز رجل الدين بلباسه عن باقي أبناء الامة، وبحيث تحول هذا اللباس بحد ذاته في الوعي العام الى خصوصية، لها طقوسها وامتيازاتها، في حين ان الدولة العباسية هي التي فرضت هذا اللباس على دارس العلوم الإسلامية لكي تميزهم عن باقي أبناء المجتمع ، ولم يكن اجراؤها دينياً بل سياسياً

ونجد ان العلماء قد لجأوا الى الإرهاب والتخويف الفكريين، فمن يخالف يكون جهنم مصيره ..... واي امة أو أي انسان يكون في حالة خوف ورهبة يكون انساناً سلبياً لا يتسم بالمبادرة او الابداع ن وتتكون عنده نتيجة الإرهاب المادي والنفسي نفسية العبيد

ولهذا نجد المفكر محمد حسن الأمين في كتابه (اصلاح الفكر الإسلامي) يقول:

((ومن هنا فإننا نرى أن شرعية السلطة أهم من إسلامية السلطة، كيف؟ القول بأن سلطتنا غير أسلامية قول غير صحيح، لأن عبر التاريخ الإسلامي كله سلطاتنا كانت إسلامية، لكن مشكلتنا أنها لم تكن شرعية .... وهذا ما يجب أن تتنبه له الحركات الإسلامية الآن ...... فأنا مواطن رغم كوني مسلماً وأن عقيدتي التي لا تتزعزع في الإسلام اذا خيرتني بين سلطة إسلامية غير منتخبة، وبين سلطة غير إسلامية منتخبة، سأختار السلطة غير الإسلامية المنتخبة، لأنني أعتقد أن السلطة في المرمى العميق للإسلام هي شأن بشري ، الشريعة شأن الهي ، ولكن اختيار السلطة هو شأن بشري فإذا لم يختره البشر فليس له شرعية على الإطلاق ..... الإسلاميون كانوا يستنبطون فكرة الانقلاب على السلطة القائمة، أي بمعنى أن تحل سلطة مكان سلطة أخرى، مع فارق أن هذه السلطة التي ستحل سوف تطبق أحكام الإسلام لكن في نفس المناهج وفي نفس البنية ، وبنفس عقلية الاستبداد

وإذا ذهبنا الى الجهة الأخرى – أي حسب مفهوم اهل السنة والجماعة-فنجد أن عنصر التقليد يبتدئ من القرن الرابع الهجري، حيث لم يوجد به فقيه مطلق كأبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل، حيث تهيب فقهاء هذا العصر النظر في المسائل التي اجتهد فيها الفقهاء السابقون، ولم يجيزوا لأنفسهم أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه وصار كل منهم يتلقى كتب امام معين ويدرس طريقته في الاستنباط

ويرجع أسباب التقليد الى :

1- انقسام الدولة الإسلامية الى عدة دول : نتيجة الحروب والفتن التي نشبت بين المسلمين أثر ذلك في فتور الهمم عن البحث والنظر في العلوم .

2- تدوين المذاهب الفقهية : حيث يوجد لكل مذهب مدونون قاموا بتدوين الاحكام الإسلامية .

3- التعصب المذهبي : حيث بالغ بعض اتباع المذاهب الفقهية في بيان مكانة إمام المذهب الذي ينتمون اليه.

4- الأمراض الخلقية : حيث فشت بين علماء ذلك العصر امراض التحاسد والانانية .

5- ولاية القضاء: قصرت ولاية القضاء على المقلدين وخاصة مذهب الخليفة أو الوالي فقد أدى ذلك الى أن الدارسين للفقه وأغلبهم إنما يحفزه إلى هذه الدراسة فرصة الوصول إلى هذا المنصب، فعدلوا عن الاجتهاد واتجهوا الى تقليد المذهب الذي يرتضيه الخليفة أو الوالي.

6- غلق باب الاجتهاد : حيث غلق هذا الباب بأفتاء علماء ذلك العصر على رأس المائة الرابعة الهجرية .

وقد عقد ابن القيم الجوزية في كتابه (اعلام الموقعين عن رب العالمين ) الجزء الثاني صفحة 447 تحت عنوان( نهي الائمة عن تقليدهم) فقال :

وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذموا من أخذ اقوالهم بغير حجة ، ..... وقال أبو داود : قلت لأحمد : الأوزاعي هو اتبع من مالك ؟ قال: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء .

أما الآمدي فقد اعتبر أن العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد وإن كان محصلاً لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد يلزمه اتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين.

وذكر السيد سابق في مقدمة كتابه (فقه السنة) : وكانوا – أي الائمة الأربعة- ينهون عن تقليدهم ويقولوا: لا يجوز لأحدٍ أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا ...... بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم فد فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيه غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهبٍ معين ينظر فيه، ويعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته، ..... وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ ...... واعتبر كل ما يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعاً لا يوثق بأقواله ، ولا يعتد بفتاويه ، وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس ، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة ، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تللك المذاهب ، والانصراف عن الاجتهاد ، محافظة على الأرزاق التي رتبت لهم

وهكذا نجد ان علماء أهل السنة ينظرون للتقليد، بعكس علماء الشيعة الذين يرونه أنه الباب الى صحة الأعمال التي يقوم بها العبد اتجاه ربه المعبود وبدونه تبقى هذه الاعمال كمن يرمي شبكته في الأرض اليابسة لصيد السمك !!!

وعند الولوج في علم الاجتماع نجد ان هناك علم الاجتماع الديني والذي يقوم بدراسة الظواهر الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية للدين في الداخل والخارج ... اذ معنى ذلك أن علم الاجتماع الديني يرتبط بعلاقة وثيقة بكل من علم الاجتماع وعلم الأديان ... ويتناول هذا العلم الكنايات والعمليات الاجتماعية التي تنتمي الى ميدان الظواهر الدينية، بهدف تحليل ابنيتها والقوانين التي تخضع لها

ومن خلال هذا السرد البسيط الذي لا يولج الى أعماق الديانة الإلهية، يمكن ان تفسر من قبل القارئ الكريم بأنك من غير ذوي الاختصاص في موضوع الدين. وأحب أن أوضح هنا، معرفة مدى التزام الشخصية العلمائية بالمبادئ الدينية التي دعا اليها الله سبحانه وتعالى، فالدين يعتبر ثورة دينية قام بها الأنبياء منذ القدم ضد الظلم والاستبداد والاستعباد ومحرومية الطبقات المسحوقة في المجتمع البشري، وعلى رجال الدين الذي حملوا شعلة الدين بعد الأنبياء أن يمشوا على نفس الطريق لغرض تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس 0 ولم أفرد بصفحات مستقلة قائمة بأسماء المراجع التي اعتمدت في كتابة هذا البحث، لأني قد ادرجتها في الحواشي السفلية للصفحات.

يقول تاي تنج: (لو كنت أنتظر الكمال لما فرغت من كتابي إلى الأبد)

يقول المؤرخ والشاعر العماد الأصفهاني :( إني رأيت أن لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أجمل، ولو ترك هذا لكان أفضل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النفص في جملة البشر )

(( انتبه إلى الفقهاء إنهم يكتبون الله وهم لا يعرفون قراءته ))

عبد الرزاق الجبران / كتاب لصوص الله

(( أخبرني أحد أساتذة العقيدة بإحدى الجامعات السعودية أن الآراء الإلحادية لها وجود عند بعض الطلاب أثناء فتح باب الحوار معهم وهم طلبة الأقسام الشرعية ))

حسن بن فرحان المالكي / كتاب قراءة في كتب العقائد / المذهب الحنبلي

((عجوز في سمرقند تسأل فقيه جيش فتح بلادها، بعد سلب ونهب: ما الذي جاء بكم إلينا؟

الفقيه؛ الله أرسلنا إليكم

العجوز؛ آه، لم أكن اعلم من قبل ان لله لصوصا !!!!)

عبد الرزاق الجبران / كتاب لصوص الله

((قال محمد باقر الصدر: إن مشكلة علماء السنة هي أنهم توظفوا عند الدولة، فهم عنها ساكتون، ومشكلتنا نحن أن وارداتنا من عامة الناس، فنسكت عنهم قليلاً))

عن كتاب / محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة

((يقول الخميني: إن خطر المتحجرين والمتظاهرين بالقداسة الحمقى في الحوزة العلمية ليس بالقليل))

عن كتاب / محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة

( لم يقتل الإسلام الا الفقه)

عبد الرزاق الجبران / جمهورية النبي

( قال مرتضى المطهري : أي شخص وأي شيء ، طالما هو ساكن فهو محترم ، طالما هو صامت فهو معظم ومبجل ، ولكن بمجرد أن يتحرك يصبح بلا معين ، بل يصبح مرمى للحجارة )

عن كتاب / محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة

المبحث الأول

الدين والسياسة:

هناك مقولة تقول بفصل الدين عن السياسة، وأنني من مناصري هذه المقولة، وليس كلامي يعني ضد الدين والعمل على ان تكون الاحكام في المجتمع هي احكاماً وضعيةً ن فنحنح لا نجد في القانون الوضعي بأن هناك مادة تحلل الزنا أو الكذب أو الدعارة .... وما الى ذلك، وليس (أن العيب في الدين ... أنما العيب في الذين أوتوا الدين، حملة الدين، علماء الدين بغياً وظلماً وعتوا منهم.... فالتلاعب بالدين إنما جاء من حملته من الذين أتوه بغياً، وهذا يعني، ضمناً، لابد من حفظ الدين من يد السوء، من علماء السوء الفادرين بالدين نفسه وبعقول الناس في آن واحد .

وبعد بناء الدولة القطرية في بدايات هذا القرن-القرن العشرين-حتى الآن قامت أنظمة غير أسلامية، وهي تدعي أنها علمانية، ولكنها كانت باستمرار أنظمة استبدادية، وتشكل عناصر المصادرة والاستبداد، وإلغاء الآخر مجمل البنية التي تقوم عليها هذه. أما ما يصدر عن بعض التيارات الإسلامية، من مؤشرات تأخذ شكل التشكيك ونفي الآخر ، فلا يمكنني إلا أن أصفها بالمعادل الموضوعي لأدبيات الاستبداد غير الديني وغير الإسلامي ، وأرى أن شرعية مثل هذه المصادرات المتسمة بتكفير الآخرين يوجد لها أساس تأريخي ، يتمثل بالأنظمة السياسية التي عاشها أو عايشها المسلمون وتسلط فيها الطغاة وسلاطين الجور على الناس ، كما يوجد له أساس في اتجاهات الفقه الإسلامي الذي عايش هذه الأنظمة ، وكان يمارس مضطراً أو مختاراً شكلاً من أشكال حماية السلطة، وكان أحد هذه الأشكال هو تهمة التكفير والزندقة والهرطقة ، التي لا أريد أن أنفي وجودها في الاجتماعي الإسلامي 0

ويذهب آية الله محمد مهدي شمس الدين الى أن (( المنهج المتبع غالباً لا ينهض بإثبات دعوى الإسلاميين على نحو مقنع قاطع للجدل في المسألة المبدأية، والنصوص المعتمدة لا تستطيع أن تجيب على التساؤلات الكثيرة المثارة حول ضرورة قيام حكم إسلامي بهذه الصيغة أو تللك من الصيغ المتداولة ، لأن الإسلام - كتاباً وسنة – لم يتضمن قسماً خاصاً بمسالة الحكم والنظام السياسي ، فضلاً عما عداه من مسائل وقضايا العقيدة والشريعة ، بعد وفاة النبي (ص) عند أهل السنة ، وبعد غيبة الإمام الثاني عشر ( عليه السلام) عند المسلمين الشيعة ))

وقد حرص سلاطين آل عثمان على تدعيم سلطة شيخ الإسلام (وهو مفتي إستانبول) بهدف استغلالها كلما حزبهم أمراً أو أقدموا على مشروع خطير وذلك باستصدار الفتاوي التي تخدم مآربهم وتضفي على تصرفاتهم صفة الشرعية ، ومن ذلك استناد السلطان سليم في دخوله الحرب مع الصفويين وقتله جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية على فتوى تعتبر هؤلاء الشيعة مرتدين عن الإسلام . كما استند اليها – أي الفتوى-في دخوله الحرب مع المماليك على الرغم من كونهم مسلمين وسنيين ..... لأنهم أيدوا الشيعة إبان المعارك التي دارت بين رحاها بين السلطان سليم والشاه إسماعيل الصفوي ..... وحرص هؤلاء السلاطين أن تكون قوانينهم الوضعية لا تتعارض مع الشريعة

وأدى تسابق رجال الهيئة الدينية في الدولة العثمانية فيما بينهم للحصول على إدارة الأوقاف واستغلالها وللحصول على الالتزامات وتملك الأراضي. وقد أصاب الكثير منهم ما أصاب رجال الإدارة والهيئة الحاكمة من انتشار الرشوة والفساد .

ومما يذكر في هذا الصدد نجد وحسب مفهوم الشيعة الاثني عشر ((الضرورة قاضية بان الأمة بعد غيبة الامام في تلك الأزمنة المتطاولة لم تترك سدى في أمر السياسة والقضاء ...... خصوصاً مع تحريم سلاطين الجور وقضاتهم ونسميه (رجوعاً الى الطاغوت) وأن المأخوذ بحكمهم سحت ولو كان الحق ثابتاً

ونجد ان المستمسك الذي يدل عليه علماء الشيعة على ان القضاء والحكومة للفقيه هي مقبولة عمر بن حنظلة المتضمنة (ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا، وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فأني قد جعلته عليكم حاكماً......) هي واهنة السند ، لكون قائلها عمر بن حنظلة فأنه لم يرد فيه توثيق يعتمد عليه . وهذه المقبولة يعتمد عليها المؤمنين بمصطلح (ولاية الفقيه) .

ويذهب مرشد الجمهورية الإيرانية الخميني بأنه إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فأنه يلي من أمور الدنيا ما كان يليه النبي منهم. ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا. ويستطرد قائلاً: ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملك الرسول وأمير المؤمنين (الامام علي) على ما يمتاز به الرسول والأمام من فضائل ومناقب خاصة .... وقد فوض الله الحكومة الإسلامية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي وأمير المؤمنين من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد ..... ثم يستدرك ويقول: ولا ينبغي أن يساء فهم ما تقدم، فيتصور أحد أن أهلية الفقيه للولاية ترفعه إلى منزلة النبوة، أو منزلة الإمامة .... وإنما يدور حول الوظيفة العملية. وعند تكوين الحكومة الإسلامية يصبح من غير الممكن وجود أحزاب سياسية متعددة، لأن الرافض لحزب الله، يكون إما جاهلاً أو خائناً ... وعند مجيء عدد من أركان المعارضة للتداول في مستقبل الحكم قال لهم: لا محل هنا لمباحثات الحكم. لقد شرحت ماهيته، وعليكم أن توافقوا... إنني أضع قواعد الحكم وشروطه التي تعبر عن رغبات وتطلعات الشعب الإيراني .... ولا أتوقع أن يتردد أحد في تأييد وجهة نظرنا، سواء وطنياً أم عالم دين ...

يقول الباحث فؤاد إبراهيم في كتابه (الفقيه والدولة / الفكر السياسي الشيعي) :

(أن العلماء والفقهاء تحولوا بالاتكال على طائفة النصوص الحاثة على التسليم لأوامرهم بوصفهم حجج الدين، إلى فئة كبيرة تزاول دورها الدعوي وتملي على العامة طاعة صلبة لا تتزعزع كونها تتخذ معنى دينياً، وستفرض على السلطان التوصل بتقنيات خاصة جداً في التعاطي مع العلماء كيما يضمن بدرجة أساسية استقرار حكمه، ومن ثم ضمان الحد الأدنى من المشروعية)

وقال الشيخ مرتضى الأنصاري-من فقهاء الشيعة في كتابه المكاسب: لا دليل على وجوب طاعة الفقيه ..... وربما يتخيل من أخبار واردة في شأن العلماء – ان الفقهاء كالأئمة -

ويقول أيضا: لكن الأنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها أي – الروايات – يقتضي الجزم بأنها في مقام البيان لوظيفة الفقهاء من حيث نشر الاحكام الشرعية.... فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلف فلا دليل على وجوب العطاء اليه شرعاً

ويقول السيد محمد بحر العلوم في كتابه بلغة الفقيه (لا شك في قصور الأدلة عن اثبات أولوية الفقيه بالناس ... فالمعروف إن أعمال الدولة ليست كلها دينية ومسجدية، فمنها إدارية ومنها اجتماعية لم يرد فيها نص، فتترك للعرف والعقلاء، يقومون بها في حدود المصلحة حتى ولو كانت تقليداً للغرب ما دامت لا تحلل حراماً وتحرم حلالا ..... ويا ليت عند المسلمين ما عند غيرهم من علوم، وفنون، ومعامل، ومصانع. وأي دولة أحسنت العمل فهي مسلمة حتى ولو كان رجالها من غير الفقهاء، وأن أساءت فما هي من الأسلام في شيء حتى ولو تخرج أعضاؤها من النجف أو الأزهر

وموضوع تقليد الاعلم في مذهب الاثني عشري يتجاوز فيه كثيراً من الذيول والأتباع كل حد، ويغالون فيمن رضوا عنه، ويوهمون البسطاء عن قصد أو غير قصد أن صاحبهم أعلم من أهل الأرض ومن أين جاءهم هذا العلم؟ .... والقول بالأعلم يستدعي حتماً حصر التقليد به وحده لا شريك له. علما أن لا عين أو إثر له في فقه القدامى ... وخصوصاً ان المحقق القمي يقول في هذا الصدد: (الأظهر جواز خلو العصر من المجتهد)

ونجد أن مفكري أوروبا من أمثال جان جاك روسو وفولتير وديدروت وهلفيسيوس ، كانوا من الداعين الى أبعاد الدين وفصله عن السياسة ... فقد انطلقوا أن العقائد الدينية – هنا نستطيع القول أننا هنا نستعرض الديانة المسيحية كما صورها القس أو الكاهن والمتمثلة أن الملك ظل الله على الأرض , وان سلطته من سلطة الله – دوراً رئيسياً في تريس سلطة الاستبداد ومنها نظرية الأصل الإلهي للسلطة ، وهي في نظرهم مثل من أمثلة تكريس الكنيسة لمؤسسة الدولة وما الإصلاح الديني البروتستانتي الذي قاده مارتن لوثر الا مثل صارخ لما ذكر آنفاً 0

وعندما ننظر إلى الإسلام كدين نؤمن به، ستجد أن من أهم الركائز التي أثبتها رفض الخرافات والدجل، وايضاً العمل على تحرير العقل منها. الا أن الواقع الموجود فعلاً هو أنك تجد ما لا يحصى من مظاهر التخلف سواء في مستوى التفكير، أو في تركيب المجتمع الذي يعيش في كنف الإسلام، أو في قوى وأشخاص وجماعات تتطفل عليه، بل وتفرض نفسها عليها.

ولقد أكد الإسلام على رفض العبودية إلا لله، لكي يخلص البشر من استبعاد بعضهم لبعض، كما قال عز وجل: (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله) ولا يرفعه فوق مكناته البشرية فيها جميعاً. لكنك عندما تنظر الى الواقع؛ ستجد وضعاً آخر، وأمرا مختلفاً. ستجد تقديس الحكام والفقهاء قد وصل إما قد وصل حدا تجاوز كل حد. فتجد هناك من يبرر طاعة السلطان بشكل مطلق إما بدعوى أنها واجبة شرعاً، وإما من باب وجوب الإيمان بالقضاء والقدر كما يفهما هؤلاء. بينما هناك من جعل طاعة الفقيه-كما هو متبع في المذهب الشيعي -تصل الى حد عدم جواز رد قوله، لأنه رد قوله هو رد على الله. وهذا يوجد أيضا في الديانة المسيحية، حيث كان لها سلطة مطلقة وحق التشريع.

وبسبب البدع التي أكلت الدين وغطت عليه، تكون بين الجمهور فهم متخلف للدين، وهو فهم يعتمد على الطقوس، ونشر التخلف، ومنع التفكير، بل وعد أي تفكير في شيء من ذلك يعد هرطقة وضلالة، وربما تعرض صاحبها الى القتل والتنكيل.

ونجد أن الحوزة العلمية يقول عنها فقيه إيران الأول علي الخامنئي ((لكن وضع الحوزة يختلف اليوم عما كان في الماضي، فهي اليوم متخلفة كثيراً عن زمانها، ومساحة هذا التخلف ليست صغيرة

ويتحدث مرتضى المطهري عن وضع العلماء ونظرة الناس عليهم بقوله :( إن بعض الناس يتصور أن تأثير الذنب على الأنسان بتفاوت بين فرد وآخر، بحيث تؤثر المعصية في الأنسان العادي وتخرجه من حالة التقوى والعدالة، ولكنه لا تؤثر في طبقة العلماء، لأنهم يتمتعون بحالة من الكرية والاعتصام، نظير ما في الماء القليل والكثير... ويقول ايضاً (وقد صرحت في بعض كتاباتي بأن المراجع ليسوا فوق النقد بحسب المفهوم الصحيح لهذه الكلمة، وكنتُ ولا أزل أعتقد بأن كل من ليس معصوماً ويترفع بنفسه عن الانتقاد ففي ذلك خطر عليه وعلى الاسلام ويذكر محمد جواد مغنية عند دراسته في النجف عند طهارة اهل الكتاب (وأنا على يقين بأن كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل !!!!! والله أحق أن يخشوه؟

ويقول محمد جواد مغنية في تفسيره الكاشف عند سورة يوسف (( قال أولاد بني إسرائيل ( إن أبانا لفي ضلال مبين) ، وبهذا الوصف ينعت بعض أولاد العلماء آباءهم إذا قالوا كلمة أو تصرفوا تصرفاً لا يعجبهم ولا يتفق مع أهوائهم ويسترسل في الحديث فيقول عند الآية الكريمة ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) : وهكذا يفعل أولاد العلماء ، يتأمرون على الناصح الأمين ، ويدسون عليه الدسائس والمفتريات ليخلو لهم وجه أبيهم وللشياطين أمثالهم ، ثم يوحون إليه بما استوحوه من وسطاء البشر وعملاء الشيطان ، ويقبضون الأجر بالعملة الصعبة والنقد النادر ، وكلما كان التأثير بالغا تضاعف الآجر . وجاء أولاد إسرائيل على قميص يوسف (بدم كذب) وفي كل يوم يحمل بعض أولاد العلماء لأباءهم أحاديث وروايات ابتدعوها ظلما وزورا ينالون بها من مقام المخلص الأمين، ويرفعون من شأن الخائن العميل عند الوالد الكريم، ليأخذ منه ومنهم دون مراقب ومعاتب.

ويعترف مرتضى المطهري بأن العناصر الإيجابية للعامل المالي لدى الشيعة هو استقلال المؤسسة الدينية وقدرتها على الوقوف بوجهها، ولكن من عناصره السلبية حمل العلماء على مراعاة أذواق عوام الناس ومعتقداتهم، والحفاظ على حسن ظن هؤلاء الناس بهم

وهناك أمثلة عدة عن العلاقة بين العلماء أنفسهم وبينهم والعوام منها:

1- عند ادخال تدريس اللغة الإنكليزية كمادة للتعليم في مدرسة الخان الذي بناءها من قبل حسين البروجردي ، وسرعان ما التقى به أحد الأشخاص وقال له: إذا علم الناس انك تبذل أموالهم في سبيل تدريس اللغة الأجنبية فتسقط من أعينهم ، فاقتنع بذلك وأعرض عن الفكرة

2- مدح محمد حسن النجفي – المرجع النجفي – صاحب الجواهر حسن دلدار علي النقوي صاحب كتاب مناهج التحقيق، لمراعاة المصلحة العامة، حيث يرسل بواسطته ثمانين ألف ليرة عثمانية للشيخ لإيصال الماء الى النجف، والوف الروبيات لتفضيض ضريح العباس، وتعمير قبري مسلم وهانئ، فلا حرج على الشيخ في ما كتب)

3- الخلاف بين المحقق الكركي والشيخ إبراهيم القطيفي الذي عارضه بشدة حول دخوله في سلطان الدولة الصفوية، حيث عاب عليه – أي الشيخ – للمحقق قبوله جوائز السلاطين .... وحيث قال للمحقق: أشهد بالله أن جهاد مثل هذا الرجل على الغلط والاغلاط في المسائل أفضل من الجهاد بالضرب بالسيف في سبيل الله

4- يقول مرتضى الانصاري: وأما ما وقع من بعض الأعلام بالنسبة إلى من تقدم عليه منهم من الجهر بالسوء من القول، فلم يعرف له وجه، مع شيوعه بينهم من قديم الأيام

5- يقول محمد حسن النجفي صاحب كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام وهو يتحدث عن رسالة الكاشاني: لكن لا يبعد أن تكون الرسالة وما شابهها من كتب الضلالة التي يجب إتلافها، اللهم إلا أن يرجح بقاءها أنها أشنع شيء على مصنفيها لما فيها من مخالفة الواقع في النقل وغيره

6- الخلاف الأصولي الأخباري الحاد الذي تجاوز ميادين الصناعة العلمية، حتى أن الشيخ عبد الله المامقاني يقول – نقلاً عن ثقات مشايخه بحس ظاهر عبارته-: ومن غريب ما نقلوا مما يكشف ..... أن المرجع الوحيد كان يحكم ببطلان الصلاة خلف المرجع يوسف البحراني، ولكن الأخير يقول بصحتها

7- قتل الميرزا محمد الاخباري المعروف بالمقتول نتيجة الخلاف بين المدرسة الإخبارية والاصولية، حيث افتى الشيخ موسى كاشف الغطاء على سؤال وجه له (ما رأي حجة الله على خلقه وأمينه في ارضه في رجل يؤلب على العلماء الصالحين، ويسعى في قتلهم إطفاء لنور الدين) فأجاب: يجب على كل محب وموال أن يبذل في قتله النفس والمال، وإلا فلا صلاة ولا صيام له، وليتبوأ في جهنم منزله 0 فهجم الناس عليه وتم قتله مع ولده الكبير وأحد تلامذته

8- الحالة المضطربة بين الشيخ محمد حسن النجفي والشيخ محسن المفكي نتيجة كما يقول محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة: كان العفكي ينكر فضيلة بعض الأساطين، وكان يقول للنجفي: (اعطِ جواهرك هذه – المقصود كتابه المسمى جواهر الكلام في شرح شرائع الأسلام – لبائعي الفلفل والكمون يصرون بها) وكان يسمى العفكي باعوجاج السليقة، ويقال إن صاحب الجواهر يرميه بذلك، حتى ان مرتضى الانصاري كان يُرمى من بعضهم بمثل ذلك

9- إصرار علماء عصر الشيخ هادي الطهراني على الطعن بهذا الشيخ حسداً لمكانته حتى وصل الامر الى تكفيره

10-الخلاف بين أنصار الآخوند الخراساني وبين أنصار محمد كاظم اليزدي نتيجة ظهور أمر المشروطة في إيران- حيث منح الشاه مظفر الدين الدستور لإيران ، الذي أدى إلى انقسامات وأحزاب ، وكان رجال الدين الإيرانيين القسط الأكبر من هذا الانقسام بين محبذ وساخط . فقد أعلن هذا النوع من الحكم الشعبي ، والحكم الاقطاعي ونفوذ أشباه وأبنائهم وأبناء الآسر الشريفة الملقبين بالآغايين مما تعاف نفوسهم مثل هذا النوع من الأحكام ، وفيه القضاء على ميزاتهم على العامة والدهماء من الشعب الإيراني ، اضف إلى ذلك فريقاً من علماء الدين الذين شبه عليهم أن هذا الدستور حرب على الدين وسيف ذو حدين للملحدين - وكان اليزدي ضد المشروطة، مما جعل أنصارها قتله لولا دفاع رؤساء عرب النجف وشيوخهم ...... وكان أكثر العامة من دعاة الاستبداد ، ويعدون الخراساني هو وأتباعه كفاراً ولا يكادون يسمعون عن أحد العلماء أنه (مشروطة) حتى ينفضوا عنه ويلعنوه ويتركوا الصلاة خلفه ، وبعد أن انقلب موقف الدولة العثمانية لصالح الخراساني نظم الشيخ علي الشرقي قصيدة يهجو بها اليزدي ويتشفى به ، كما نظم صالح الحلي بعض الابيات اللاذعة من الشعر قارن فيها بين اليزدي ويزيد :

فو الله ما أدري غداً في جهنم ( أيزديها ) أشقى أو يزيدُها

10- الحملة التي تعرض لها محسن الأمين، بعد تحريمه الضرب بالسلاسل والسيوف يوم عاشوراء، ودعا إلى مقاومة من يستعمل الطبول والصنوج والأبواق، حتى قورن بينه وبين الوهابية في تهديم قبور أئمة المذهب الشيعي في المدين المنورة بقول الشيخ عبد الحسين صادق ((ولا ريب أن هذه العصا من تلك العصية) وقد رد محسن الأمين على هذه الحملة برسالة أسمها (التنزيه)، ومن العلماء الذين وقفوا ضده، الميرزا النائيني وعبد الحسين شرف الدين ونور الدين شرف الدين وعبد الله السبيتي ومرتضى آل ياسين. أما المرجع أبو الحسن الاصفهاني فقد أصدر فتواه (إن استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق، وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء باسم الحزن على الحسين، إنما هم محرم وغير شرعي) وأثر ذلك انقسم الناس الى فريقين أطلق عليه العوام: الامويون وهم أنصار محسن الأمين، والفريق الاخر هم (العلويون) ... ويؤكد جعفر الخليلي أن العامليين – الذين ينتمي إليهم محسن الأمين – الذين يسكنون النجف كانوا السبب الأكبر في توتر الجو ضد محسن الأمين، حتى أطلق الخطيب المعروف صالح الحلي شعراً منه:

يا راحلاً أما مررت بجلقِ فابصق بوجه أمينها المتزندقِ

وقد تطاول هذا الخطيب أيضاً على المرجع الاصفهاني، فأقدم الأخير على تحريم مجالسه مفتياً بفسقه، ويقول محسن الأمين: لقد أشاعوا في العوام أن فلانا حرم إقامة العزاء، بل زادوا على ذلك أن نسبونا إلى الخروج من الدين، واستغلوا بذلك بعض الجامدين من المعممين

12-الخلاف الذي حدث بين المرجع حسين البروجردي وبين محمد حسين الطبطبائي، بقيام الأخير بتدريس مادة (الأسفار) واجتماع أكثر من مئة طالب في درسه؛ فقد أمر البروجردي بقطع رواتب من يحضر هذا الدرس، وأرسل للطبطبائي بان هذا الدرس قد درسه بنفسه ولكن بشكل مخفي، لأنه ليس من الدروس المتعارفة في الحوزة، فأجاب الطبطبائي بأنه درس ما هو متعارف في الحوزة من فقه وأصول، وقد انقطع الامر عند هذا الحد، ولم يعترض عليه البر وجردي

13-في عام 1949 حدثت خلافات بين الطلاب الرشتيين وبين الطلاب الاتراك، هجموا خلالها على بعضهم البعض – أي طلاب الحوزة في -إيران-في المدرسة الفيضية

14-كان العلماء في إيران عندما كان يريدون أن يمسكوا كتاب المنظومة للمرجع الخميني يستعينون بخرقة لئلا يتنجسوا، أو أنهم يعتبرون الشخص الذي يدرس الفلسفة عديم الدين ... وفي هذا المجال يقول نجله أحمد: أعتقد أن نضال الامام ضد المتظاهرين بالقداسة داخل الحوزة كان أصعب بكثير من نضاله في ساحة الصراع السياسي

15-تعرض المرجع محسن الحكيم الى نقد شديد أثر إفتائه بطهارة أهل الكتاب، فقد كتب محمد مهدي الخالصي: أفتى الحكيم بكذا وثبت كفره) وقال: إنه في الوقت الذي نواجه فيه اليهود، فإن فتوى من هذا القبيل تدل على كفر ونفاق مفتيها

16-وقد سأل المرجع محمد باقر الصدر السؤال التالي: لماذا تعيش الحوزة في هذا البلد – يقصد النجف-مئات السنيين، ثم بعد ذلك يظهر إفلاسها في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه ؟! وإذا بأبناء هذا البلد أو ببعض أبناء هذا البلد يظهرون بمظهر الأعداء والحاقدين والمتربصين بهذه الحوزة ... ألا تفكرون في أن هذه جريمتنا قبل أن تكون جريمتهم؟ في أن هذه هي مسؤوليتنا قبل أن تكون مسؤوليتهم؟ لأننا لم نتعامل معهم، نحن تعاملنا مع أجدادهم ولم نتعامل معهم. هذه الأجيال التي تحفد علينا، التي تتربص بنا اليوم، تشعر بأننا نتعامل مع الموتى، لا نتعامل مع الأحياء، ولهذا يحقدون علينا، ولهذا يتربصون بنا؛ لأننا لم نقدم لهم شيئاً، لأننا لم نتفاعل معهم

ومنذ عصر الشيخ الانصاري المتوفي سنة 1281 هجرية؛ دأب فقهاء الامامية على بحث مسألة الولاية العامة للفقهاء في باب البيع من مؤلفاتهم الفقهية، ومكث الفقهاء عقوداً متواليةً يبحثون هذه المسألة من منظور فردي لا يعاين متطلبات إدارة الدولة ومؤسساتها ، لذلك لا نلاحظ فقهياً في تلك الفترة حاول أن يقدم صياغة نظرية فقهية محددة المعالم، تكشف عن الأبعاد السياسية والاجتماعية لولاية الفقيه في عصر الغيبة ، وظل بحثهم يجول في مدارات الإشكالات والردود، من دون ان يتخطى ذلك ويتسلح برؤية بناءة تنبثق عنها رؤية لصياغة الدولة ونظمها. كما لم يتجذر القول بولاية الفقيه، وانما تمسك الفقهاء بنقد أدلتها، وعدم التسليم بها. وقد خلص الشيخ الانصاري في كتابه المكاسب ( أن إقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلا ما خرج بالدليل دونه خرط القتاد ) وشدد الشيخ محمد كاظم الخراساني على ان ثبوت الولاية للفقيه في عصر الغيبة محل اشكال ، ويناقش أبرز الأدلة على ثبوت الولاية للفقيه فلا يقبل أيا منها ، وينتهي إلى ما انتهى الأنصاري في نفي الولاية المطلقة للفقيه ، وعلى طول التاريخ لا نلتقي بجهود تهدف إلى اسقاط السلاطين ودولهم ، أو تدعو لذلك من الفقهاء ، من أجل بناء دولة تجسد روح الشريعة وتطبق أحكام الإسلام ، بالرغم من اجماع الفقهاء على غصبية إمارة التغلب .

حتى نهاية القرن التاسع عشر، لا نعثر على أية دعوة أو محاولة لإقامة دولة إسلامية بديلة ً للملكية القاجارية؛ ففي سنة 1891 ميلادية وقع الشاه ناصر الدين امتياز احتكار تجارة التبغ الإيراني لمدة خمسين سنة، مع شركة الميجر تالبوت، مقابل 25 ألف جنيه تدفع للشاه، و15 ألف للصدر الأعظم أمين السلطان، إضافة الى رسم سنوي يبلغ 15 ألف جنيه، وحصة من أرباح الشركة تصل الى 25 بالمائة. فرضت هذه الشركة هيمنتها على كل ما يتصل بزراعة وتجارة التبوغ، وتعسفت في فرض أسعار متدنية جداً، مما أدى إلى اندلاع انتفاضة قادها رجال الدين في شيراز واصفهان وطهران، فلجأ رجال الدين للمرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء واستغاثوا به؛ فأصدر فتواه الشهيرة: (اليوم استعمال التبغ والتنباك بأي نحو كان، في حكم محاربة إمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه. حرره الأقل محمد حسن الحسني) وأدت هذه الفتوى الى انهيار امتياز الشركة البريطانية وانسحابها من إيران.

ويستنتج عبد الجبار الرفاعي مما ورد آنفاً، أن المرجعية لم ترفع شعاراً للقضاء على السلطنة القاجارية، ولم تنطلق أية لاستبعاد الشاه أو استبداله بسواه، بل ان رسائل المرجع محمد حسن الشيرازي الى ناصر الدين قبل صدوره فتواه، التي تضمنت معارضته والعلماء لامتياز شركة التبغ، لم تغفل عبارات الثناء والمجاملة، ولم تشر الى اعتزامهم خلعه عن العرش. وتوضح الرسائل بأن الميرزا كان يفضل ان يستجيب الشاه ويلغي امتياز الشركة، كيما لا يضطر لإصدار فتواه. وتكشف رسائل وجهها آية الله محمد الطبطبائي أبرز قادة المشروطة في إيران، عند وضع الدستور، كتب للشاه مظفر الدين: (يستحيل أن نكون من مريدي السوء للحكومة ....) وقال له في رسالة أخرى :( الإصلاح آت عما قريب، لكنا نريده على يد ملكنا وزعيمنا، لا على يد الروس والعثمانيين والانجليز....)

وإذا ذهبنا بعيداً في موضوع له صلة بما نقوله في هذا البحث – يمكن القارئ الكريم يوافقني عليه أم لا أو ينكره -وهو هل يؤدي الدين نفسه الى الألحاد؟ كيف؟ ، نحن قلنا من بداية هذا البحث، أن الحديث ينصب كله على حملة الدين وهم رجاله، ولا يفوتنا أن نقول إن الكل – العوام والعلماء – هم متساوون أمام الله ومطالبون بأداء الواجبات الدينية، وهنا يجب كلهم علماء، لآن العبادة مفروضة على جاهلهم وعالمهم 0

هناك من يقول أن سبب الالحاد هم اليهود، وفريق أخر يقول الشيطان. لأنهم لا ينظرون الى المجتمع الذي أفرز هذه الظاهرة، ولا ينقدون الطرح الديني السائد. أن مشكلة سوء الفهم تظهر في أن هناك من يصر على فهم معين للظاهرة لا يريد، بل لا يستطيع فقر منهجه.

ما معنى الإلحاد؟

يقول النحاس في معاني القران: أصل الالحاد في اللغة الميل عن القصد ومنه قوله (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)

ويقول ايضاً في اعراب القران: ومعنى يلحدون في أسمائه على ضربين: أحدهما أ، يسموا غيره إلهاً والآخر أن يسموه بغير أسمائه، ويقول في موضع اخر في سورة النحل عند الآية ( إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ) ومنه يقال : رجل ملحِد أي مائل عن الحق

أما الاصطلاح فهو: فهو الاعتقاد بعد وجود إله في الكون، أو الإيمان بأن سبب الكون يتضمنه الكون في ذاته وأنه ليس هناك شيء وراء هذا العالم. وأحيانا ينظر إلى تعدد الألهة أو الزندقة باعتبارها إلحادا، وهي ليس كذلك، لكونها لا تتضمن نفياً لوجود الله .... وكذلك نفي النبوة ... فمثلا هناك من ذكر أن أبن سينا أنكر علم الله بالجزيئات، ونسب إليه إنكار بعث الأجساد، علما أنه كان متألها في فلسفته، ولكن الفقهاء لم يفهموه، لأنه تكلم بغير لغتهم

ونسأل ما هي أسباب الإلحاد وهي من منظور الدين ككل وليس دين بعينه:

1- نزاع العلم والدين: ولا يعني هذا أن هناك تناقض بينهما، ولكن المقصود هنا، والسبب أن لدى الناس فهم ديني معين لظاهرة سماوية في الكون، فمثلاً هناك اعتقاد أن مركز الكون هو الأرض، وأيضا يوجد في الوقت الحالي، بعض من يقول: أن الشمس تدور حول ارض أو أن الأرض غير كروية.

2- التدين المنحرف: وذلك بسبب البدع التي أكلت الدين وغطت عليه، حيث يوجد مثلا في الديانة المسيحية صكوك الغفران، حتى صار رجال الدين يمثلون أثرى طبقات المجتمع، وكل هذا دفع كثير من المفكرين والأدباء إلى ترك الدين حتى أن الشاعر الانكليزي وليم بليك قال: أن الدين أبعد الانسان من انسانيته بفرضه قوانين تعارض طبيعة البشر من ناحية الحرية والسعادة، وأن الدين جعل الأنسان يفقد حريته واعتماده على نفسه في تغير واقعه.

3- المفاهيم المتخلفة: مثل التخلف وتمزق المجتمع ونشر الكراهية والقتل والذبح والاغتصاب باسم الدين.

4- التقديس: وهي المبالغة في تقديس الأشخاص وكثير ما تجد ذلك في رجال الدين.

5- فساد المؤسسة الدينية: حيث تجد أن رجل الدين يدعو الناس للزهد، بينما هو في الواقع أغناهم ويتمرغ في الجاه، بل صار الدين مصدراً للنفوذ والسلطة، مما جعل الناس ينفرون منهم.

6- تخلف المؤسسة الدينية: حيث تنظر هذه المؤسسة أن ما انتجه القدماء من نظريات مثل الكسب والتقليد وعدالة الصحابة وغيرها أمور مقدسة لا يمكن مناقشتها، حتى قال ميكا فيلي: إن أول ما ندين به نحن الإيطاليين للكنيسة ورجالها، هو أننا صرنا ملحدين ومنحرفين. وقال ايضاً: كلما أقترب الناسُ من كنيسة روما التي تمثل قمة الدين عندنا قل تدينهم وهو كلام للأسف يحكي عن الواقع تماماً، حيث لم يخرج الإلحاد من بيئة سليمة أو متدينة تدينا حقيقياً، فهو ينشاً في بيئة تتسم بتفشي ظلم وطغيان الرؤساء والحكام، ورجال دين يداهنون ويبررون.

7- عدم إدراك حدود الدين: الدين يهدف الى زرع قيم تعتمد العدالة والقيم الأخلاقية، حيث التصور الذي يقول أن الدين فيه كل شيء فليس صحيحاً.

8- اضطراب الدين: حيث يقول أبن المقفع في كتابه كليلة ودمنة: (وجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم، واخرين مكرهين عليها، وآخرون يبتغون بها الدنيا ومنزلتها) حيث يقوم حملة كل دين بأسقاط الدين، بل في مذاهب الدين الواحد كما هو موجود في الديانة الإسلامية، ويوجد أيضا في المذهب الواحد.

9- العنف الديني: كما هو موجود في الكنيسة سابقاً يصل الى الاحراق كل من يختلف معها، وما هو موجود في الإسلام ولا يزال.

10- سلوك المؤمنين: نجد أن سلوك بعض المتدينين هم ما يدفع بعض الناس الى الإلحاد، فيمكن أن ترى شخصاً ملتزم، وهو يقوم بنقد تصرفات الناس، وإذا نظرت الى سلوكه يكون أبعد الناس عن الدين.

11- تخدير المجتمع: وذلك يكمن باستغلال الدين سياسيا أو سلطوياً.

12- الاستبداد: سواء استبداد سياسي كان أم استبداد ديني.

13- فرض الدين: حيث تحاول بعض الأنظمة بفرض فهم خاص للدين على المجتمع

وصار الألحاد تهمة يلجأ اليها الحكام عن التخلص من اعدائهم. وكان المهدي العباسي أول من أنشأ ديوان الزنادقة يتتبع أعلامهم ويحصي ألفاظهم ويرصد تحركاتهم، فقتل الكثيرون جراء ذلك، منهم من كان من الزنادقة والمارقين من الدين، ومنهم من كان بريئاً التصقت به تهمة الزندقة لبواعث سياسية وألاعيب قذرة كاتهام المهدي شريكاً القاضي بالزندقة لموقفه المعادي للعباسيين، ومنهم من رمي بالزندقة لوشاية من عدو أو سوء فهم لعبارة أو كلمة حملت على أسوء المحامل وأخبث المقاصد، لهذا كثرت البلاغات والتهم فمن صاحب متهماً ألحق به ومن أفرط في اللهو والمجون كان عرضة للاتهام. لقد كان اتهام الناس بالزندقة كاتهام الآخرين اليوم بالعمانية والتبشير بالحداثة والدعوة إلى تحرير المرأة. فسهل اضطهاد أي مفكر وعالم بمجرد أن يوجه إليه الاتهام بالزندقة والإلحاد ، وزاد الأمر بلاء ما ذهب إليه بعض الفقهاء من قتل الداعي إلى البدعة ، فأصبح كلما نبغ عالم وبرز مفكر يخالف المذاهب المتبعة والسياسات المستقرة كان مآله التضليل والتكفير ثم التضييق والسجن أو القتل ، فكان أعظم المستفيدين من هذا القانون هم بعض الفقهاء الرسميين والملوك حتى إذا ضعف أمرهم وانفرط عقدهم لم يجدوا أحسن من قتل كل مخالف بدعوى أنه من الدعاة إلى البدع .... وقد كان عاملا القرابة والسياسة، يتداخلان أحياناً فيتغاضى صاحب الأمر عن إيقاع العقاب بمن تثبت في حقه تهمة المروق من الدين .... حيث بقي الحلاج متمتعاً بحريته إلى اليوم الذي ثبت فيه للخليفة وجود اتفاق سري بينه وبين رئيس القرامطة على الثورة المسلحة والخروج على الخلافة ، وظل أحمد بن نصر الخزاعي حراً طليقاً يشنع على بني العباس في مجالسه ويعلن كفرهم لامتحانهم الناس على خلق القرآن حتى جمع للثورة وأعد خروجه على الواثق ... وراق لبعضهم أن يتألى على الله ويحجر رحمته فقال : بعدم قبول توبة الزنديق ؟

وبالإضافة الى ما ذكر آنفاً، رب شخص يسأل، هل صحيح أن رسول الله (ص) قد أنشا دولة دينية ولم ينشئ دولة سياسية؟

يوجد فرق كبير بين الدولة الدينية والدولة السياسية وذلك للأسباب التالية:

1- فالدولة الدينية يختار رأسها الله جل وعلا، بينما الدولة السياسية ينتخب الشعب أو الحزب رئيسها، أو يرث الملك عن أبيه أو عمه أو أحد قرابته، او يستولى على السلطة بانقلاب دموي أو أبيض.

2- الدولة الدينية يقف على قمتها رسول يوحى إليه من قبل الله تعالى والدولة السياسية يحكمها بشر عاديون.

3- الدولة الدينية يظل رئيسها طيلة حياته على اتصال بالسماء في كل وقت، بينما رأس الدولة السياسية بالسماء منقطعة، فلا وحي ينزل عليه، كأي مخلوق آخر بخالقه.

4- في الدولة الدينية رأس الدولة يبقى محروساً من السماء، أما رأس الدولة السياسية فلا يستغنى عن حرسه.

5- في الدولة الدينية توالي رئيسها بالمشورة في معضلة صغيرة أو كبيرة، أما رأس الدولة السياسية فهو يعتمد في حل ما يصادفه من مشكلات على عقله وتفكيره وعلى الوزراء والمستشارين.

6- في الدولة الدينية مدد السماء لا ينقطع عن رئيسها، في حين رأس الدولة السياسية يعتمد على ملكاته وقدرات شعبه.

7- طاعة رأس الدولة الدينية فرض ديني، وليس الامر كذلك في الدولة السياسية.

8- المعارضون لرأس الدولة الدينية إما كفار مصيرهم جهنم، إما منافقون في الدرك الأسفل من النار، أما المعارضون في الدولة السياسية فقد يعرضون أنفسهم لعقاب دنيوي.

9- رأس الدولة الدينية معه كتاب أوحى به إليه، أما في الدولة السياسية فلا ينزل على رئيسها كتاب مقدس والدستور الذي يحكم به هو من صنع شعبه.

10-الكتاب المقدس الذي أنزله الله على رأس الدولة الدينية خالد لا يتغير منه شيئاً، أما رأس الدولة الدينية فإن الدستور الذي صنعه الشعب والذي يتعين عليه احترمه – ما لم يكن دكتاتوراً – معرض للصواب والخطأ، وفيه الحق والباطل.

11-رأس الدولة الدينية عينه الله، ورأس الدولة السياسية عينه الشعب.

12 – رأس الدولة الدينية مدة رئاسته غير محدودة إلا بأجله، أما رأس الدولة المدنية فرئاسته موقوتة ورهن بمشيئة الشعب الذي انتخبه، وأما الحاكم المستبد فان جماهير الشعب هي التي تطيح بحكمه بالثورة عليه.

14- رأس الدولة الدينية هاجسه الأمثل هو رضا الله – عز وجل – لأنه هو الذي صنعه على عينه وأيده بروح منه، وأما رئيس الدولة السياسية همه الأكبر هو رضا الناس ورعاية شؤونهم.

15- لرئيس الدولة الدينية الحق في أن يأخذ خمس الغنائم، وليس لرأس الدولة السياسية هذا الحق، وكل ما يتقاضاه راتبه فقط.

ويتحدث سورين كير كجارد المتوفي سنة 1855وهو فيلسوف ولاهوتي دنماركي كبير- كان لفلسفته تأثيرا على الفلسفات الوجودية المؤمنة (عكس الوجودية الملحدة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر) عن ازمته مع الكنيسة والدين بقوله : اذا كان من يستحق اللوم اكثر من غيره ،فهم القساوسة الذين زيفوا المسيحية ،وبدلوا في عقيدتها حول الموت والشهادة ،وسعيا وراء وظيفة وإقامة حياة رغيدة، فالألاف من هؤلاء القساوسة حصلوا على مناصب ، وكونوا اسراً ، ونعموا مع أطفالهم وزوجاتهم، وأن المسيحية لم تعد موجودة ، وأن هذا العالم المسيحي بما فيه من مناصب دينية وقساوسة وملايين من المسيحين ، ليس إلا سخرية وقحة إذا ما قسناه بمقاييس المسيحية الحقة .

ويقول ايضاً: وأن ثقافة العالم المسيحي أسوء عدو للمسيحية .. وأن الشعب المسيحي ليس سوى مجرد نسخة رديئة فحسب من الطبعة، أو نسخة مليئة بالأخطاء المطبعية. وحولت المؤسسة الدينية التدين مجموعة من الشكليات والطقوس الميتة ... وأصبحت وسيلة لأكل العيش. وقال ايضاً: احذروا القساوسة أولئك الذين يسيرون في اردية طويلة، ويضعون زياً رسمياً، ويقلبون المسيحية الى ما يضاد المسيح ... حتى أصبحت المسيحية أشد مقتاً من السرقة، وانتهاك المحرمات

واصدر كير كجارد فتوىً بقوله :( اذا امتنع المرءُ عن الذهاب الى الكنيسة، فأنه يقلل من عدد خطاياه) ولما وعاه من النعيم التاريخي الذي يعيشه رجال الدين والترف الكبير وممارساتهم الاستبدادية، وتزويرهم لعقيدة المسيح، وكل ما كان معهم في استحمار البشرية، ... ووجودهم التاريخي الى جنب السلطان، وما رافق ذلك من تجويع الناس وتشريدهم ..... وقد وصل كير كجارد بحسرته عندما يقول: (القساوسة هم من أكلة لحوم البشر والحق انهم من ذلك الصنف الكريه) وقال قبل أن يموت: (إذا رأيت قسيساً، فعليك أن تصيح؛ حرامي، حرامي) وله قول آخر: مهمة الرسول أن يعمل على نشر المسيحية، وأن يضم اليها أناساً .... في حين أن مهمتي أن أنزع من الناس الوهم بأنهم مسيحيون). والغريب أن نجد انتشار مقولة (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس) أثناء الثورة الفرنسية هي قول كاهن ورئيس دير اسمه جان ميليه ‘علما أن النص الأصلي هو؛ (لن أكون راضياً قبل أن يشنق ويخنق جميع النبلاء، بأمعاء الكهنة)

وللشيخ محمد عبده مقولة تشبه ما ورد آنفاً أثناء مناقشته مع كبار مشيخة الازهر بقوله (ما أصبحتُ علماً فرداً حتى تخلصت مما علق بي من اوساخ الازهر، واحتاج عشر سنين آخرى لذلك) وللشيخ تقي الدين النبهاني داعية الخلافة الإسلامية وجهة نظر مختلفة عن العلماء السنة في القرون الأخيرة الذين تساهلوا فيمن يأخذ الخلافة أو الإمارة قهراً المتضمنة ( إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين ، لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين ) إذ ثمة مخرج من هذا المأزق الشرعي ، فإذا استطاع هذا المتسلط أن يقنع الناس بإن مصلحة المسلمين في بيعته ، وقنعوا بذلك ورضوا ثم بايعوه عن رضا واختيار ، فإنه يُصبح خليفة منذ اللحظة التي بويع فيها عن رضا واختيار ، ولو كان أخذ السلطان ابتداءً بالتسلط والقوة . ويرى النبهاني أن مبدأ الديمقراطية هو مبدأ كفر في الإسلام وامريكا، وهو يعني مبدأ فصل الدين عن الدولة، وفصل الدين عن الحياة.

ويلتقي سيد قطب مع النبهاني فيما ورد آنفاً، حيث يرى ضمن مفهوم الحاكمية رفضاً صريحاً لكل اشكال النظم الديمقراطية بمضمونها الحديث ويرى أن الدولة الاستبدادية نموذجاً للجاهلية حيث إن الجاهلية هي مجتمع يحكمه حاكم ظالم جعل من نفسه موضوعاً للعبادة في مكانة الله ويحكم وفقاً لأهوائه الشخصية وهو بذلك حدد أن أي نظام قائم لا يحكم بالقرآن مباشرة يكفي لتحديد موقفه بأنه غير شرعي وجاهلي دون الحاجة للنظر في حيثيات النظام ونقده وطرح البدائل له.

ولمواجهة هذا المجتمع الجاهلي تكوين عصبة مؤمنة تتسلح بعقيدة الحاكمية وترفض الجاهلية، وتمشي على خُطى الدعوة الإسلامية، ولا بد للمسلم الحق أن يتحلل من جميع الروابط الاجتماعية وأن يرتبط بربه ودينه، وجنسيته هي عقيدته ووطنه دار السلام حيث الحاكمية لله وحده. وعندما يكتمل بناء هذه العصبة تأتي مواجهة هذا المجتمع الجاهلي ب (الجهاد) وذلك لغرض قيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده الى الله وحده.

ويؤكد سيد قطب على أن الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات:

الأول " هو مجتمع إسلامي وهو يطبق فيه الإسلام، والثاني " مجتمع جاهلي عكس الإسلامي. كما لا يمكن أن يوصف بالمجتمع الإسلامي المجتمع الذي يضم أفراداً مسلمين بينما لا يطبقون مبادئ الإسلام، فليس المجتمع الإسلامي الذي يبتدع لنفسه إسلاماً من عند البشر، غير ما شرعه الله سبحانه أو ما يسمى (الإسلام المتطور). والمجتمع، ويعتبر المجتمع جاهلياً حتى لو كان يعبد الله، لأنه لا يُحكم شريعة الله في كل الحياة.

واذا عرجنا الى الحروب التي تعرف في التاريخ الحروب الصليبية ، تعتبر هذه الحروب هي وسيلة من وسائل الكنيسة لغرض معالجة لمشاكل العصر ، هو إيجاد محاولة يتم فيها تركيز الانتباه بعيداً عن التحولات الاجتماعية الهائلة ، وذلك بالاتجاه نحو عدو خارجي ، ففي عام 1095م دعا البابا أوريان الثاني فرسان اوربا الى الاتحاد والزحف الى القدس ، لتخليص الأرض المقدسة من المسلمين الكفرة ، وهيأت الحروب الصليبية فرصة لتوسيع نفوذ الكنيسة الكاثوليكية ، كما أفادت في تحقيق غايات سياسية أكثر ، وكانت وسيلة لتوحيد قسم كبير من أوربا باسم المسيحية .

ولم تكن وجهة هذه الحروب للقدس فقط، فقد قام افراد الحملة الصليبية الأولى سنة 1096 م بنهب بلغراد وهي المدينة الثانية بعد القسطنطينية – والتي تعتبر عاصمة الكنيسة الشرقية – والسبب يعود لذلك، هو الاختلاف بين الكنيسة الغربية ممثلةً بروما والكنيسة الشرقية ممثلةً بالقسطنطينية، حيث كانت الكنيسة الشرقية قد أعطت احتراما أكبر للفنون، والآداب، والتعليم، كما كانت أكثر صقلاً ونضوجاً من الثقافة الغربية، واحتفظ الشرق باحترام كتابات الإغريق القدماء، وبقيت اللغة الاغريقية هي اللغة الرسمية للقانون، والحكومة ، أما في الغرب فقد ضاعت حتى الأبجدية الإغريقية، وكانت لكل كنيسة طقوساً خاصة ، وفي عام 1054 م بعدما أخفقت محاولات جبر الخلافات بينهما ، وبمساعدة الكهنة الذين طوروا فكرةً أن المنشقين الإغريق اتباع الشيطان ، وقبل عام 1096 م أرسل البابا أنونسنت الثالث في عام 1024 م جماعات من الصليبين إلى القسطنطينية ، وأنقض جند المسيح عليها بروح انتقامية ... يغتصبون ، وينهبون المدينة ويحرقونها

وبالنسبة للبابا كان اغتصاب القسطنطينية عقوبةً عادلةً لأنها رفضت الانصياع والطاعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وثم تولى بطريرك لاتيني خاضع للبابا الحكم عليها لغاية 1261م، وتركت ضعيفة حتى سقطت في عام 1453 م إلى الفاتح التركي السلطان محمد

أن الدين ظاهرة قطعية حدية في حياة الانسان، وهو لا يميل إلى أي موقف جامد متزمت، إن من أعطى مثل هذا الانطباع عن الدين هم المتظاهرون بالتمسك به إما عن جهل أو لغرض الجمع بين الدين والدنيا، وهما ضدان لا يجتمعان. وما أصدق فكتور هيجو حين قال: نحن مع الدين على رجاله. ولقد دهشت – والكلام للفيلسوف الهولندي سبينوزا – مراراً من روية أناس يفتخرون بإيمانهم بالدين المسيحي أي يؤمنون بالحب والسعادة والسلام والعفة والإخلاص لجميع الناس، وينازعون مع ذلك بخبث شديد ويظهرون أشد أنواع الحقد، بحيث يظهر إيمانهم في عدائهم لا في ممارستهم للفضيلة. .... ولقد بحثت عن سبب هذا الشر ووجدته دون عناء في النظر إلى مهام تنظيم الكنيسة على أنها شرف وإلى وظائف القائمين بالعبادة على أنها مصدر للدخل)

ويستخلص سبينوزا الى أن من الخطورة على الدين والدولة على السواء إعطاء من يقومون بشؤون الدين الحق في اصدار القرارات، أيا كانت، أو التدخل في شؤون الدولة. وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على أسئلة المقدمة إليهم، والتزموا في أثناء ذلك، في تعاليمهم وفي أدائهم لشعائر العبادة.

والتاريخ يخبرنا بأن الامبراطور الروماني قسطنطين عندما صار مسيحياً، اعتبر نفسه رجلاً أرسلته العناية الإلهية لإنقاذ الإمبراطورية والكنيسة المسيحية. وكان يرى أن الإمبراطورية والكنيسة ترتبط أحدهما بالأخرى، وبذل محاولات مستميتة في سبيل الحفاظ على وحدة الكنيسة، انطلاقاً من إيمانه بأن الرب قد اختاره لهذه المهمة. وقد حفظت جهوده الدينية والسياسية الإمبراطورية من السقوط حوالي مائة سنة قام بمساعدة الكنيسة عن طريق منح الامتيازات الخاصة للأساقفة، وقام بتنظيم مجلساً يضم كل أساقفة الإمبراطورية الرومانية ن وسمي مجمه نيقية الذي انعقد في عام 325 ميلادية وقد رأسه بنفسه.

ومنذ عصر قسطنطين اخذ الامبراطور المسيحي يلعب دوراً هاماُ في حياة الكنيسة، وكان الاسقف ايوزيبيوس – اسقف قيصرية بفلسطين وهو صديق قسطنطين ومؤرخ حياته وقد وضع كتاباً عن حياة قسطنطين - يظن أن الامبراطور تفويض الهي على الأرض يعلو في مكانته على الكنيسة بأسرها ، وحجب الإمبراطورية خلف ضبابية مقدسة، الذي أدى الى ظهور النموذج البيزنطي في القرن السادس الميلادي عن الملك – الكاهن ، وهو النموذج الذي يجمع فيه الامبراطور حقاً بين القيصر والبابا ، وما أن اهل القرن السادس حتى كان الامبراطور يوجه السياسة الكنسية وفقاً للنظرية القيصرية – البابوية تلك التي تقول بأن الامبراطور هو نائب الله على الأرض ، وأنه يتفوق في سلطته الدينية على بطريرك القسطنطينية وجميع رجال الكنيسة ومن خلال الانعامات الجديدة التي تلقتها الكنيسة من الأباطرة الأرثوذكس أواخر القرن الرابع الميلادي ، تمتعت الكنيسة بعدد كبير من الامتيازات القانونية والمالية التي رفعتها فوق القانون العام في الإمبراطورية وجعلت منها دولة داخل دولة . فمنذ عهد قسطنطين تمتع أفراد الإكليروس المسيحي وهم (النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية ولم يظهر هذا النظام إلا في القرن الثالث الميلادي وتتفق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مع الكنائس الأرثوذكسية في درجات النظام الكهنوتي إلا أن البابا في الكنيسة الكاثوليكية يتمتع بسلطات اعلى من نظيره في الكنيسة الارثوذكسية

. أما البروتستانت فلا يعترفون إلا بدرجتين فقط من درجات هذا النظام وهما (القس والشماس) في الكنيسة البروتستانتية حيث يمتنع رجال الإكليروس في الكاثوليكية عن الحقوق الزوجية التي يترتب على مخالفتها العقوبات الصارمة بينما لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بذلك أما في الكنيسة الأرثوذكسية القبطية فيحظر الزواج على البطريرك والراهب فقط) بالإعفاء من الضرائب المفروضة على سائر المواطنين ، وفي العقدين الأخيرين من القرن الرابع ذهب الاباطرة الأرثوذكس خطوات أبعد في طريق الإعفاءات المالية للكنيسة ، وسمح الاباطرة لملتزمي الضرائب في المدن بترك الخدمة وأعفوهم من كل الالتزامات الضريبية المفروضة على برجوازية المدن ، لكي يدخلوا في عداد الإكليروس ، حيث لا تكون عليهم أي التزامات مالية تجاه الدولة .... وأضيفت إليهم ايضاً امتيازات قضائية. فقد سمح بأن يكون للكنيسة محاكمها الخاصة وبأن تطور قانونها الخاص وهو القانون الكنسي. واستطاع الأساقفة بطريق غير مباشر أن يخففوا من الأحكام التي أصدرتها المحاكم العادية في الإمبراطورية، لدرجة أن تخلت الدولة الرومانية تماماً عن سلطاتها القضائية على الكنيسة المسيحية. وهكذا جعل الأباطرة الرومان المسيحيون في القرن الرابع – وثيودوسيوس الأول على الخصوص – من الكنيسة كياناً مستقلاً عن سلطان الدولة الرومانية القضائي

ويمكن أن يقال ما ورد آنفاً عن انتشار المذاهب الإسلامية وعلاقتها بالسلطان، فقد استطاعت المذاهب الأربعة (الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية) أن تصعد سلم الرقي وتكسب قيمتها المعنوية، لأنها موضع عناية الخلفاء والولاة المتعاقبين بالرغم مما رافقها من خلافات ومنافرات، وإن عناية السلطة تكسب الشيء لوناً من الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي، فعوامل الترغيب وأداة القوة جعلتها تأخذ بالتوسع شيئاً فشيئاً، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء حتى تصبح قادرة على مزاحمة غيرها.... وصارت الرغبة بالمذهب منوطة بالقضاء ورغبة السلطة، حتى كثر التحول من مذهب إلى مذهب تقرباً للسلطان وطلباً لرفده، وتحول كثير من الشافعية إلى الحنفية لأجل الدنيا، ، وذلك أن الأمير بلبغا بن عبد الله الخاصكي الناصري كان يتعصب لمذهب إبي حنيفة ، ويعطي لمن تحول إليه العطاء الجزيل ، ولما أنتقل أبو البركات الحنفي إلى المذهب الحنبلي فآذاه الحنفية فانتقل إلى مذهب الشافعي ، وهذا أبو بكر البغدادي الحنبلي تحول شافعياً لأجل الدنيا ، وولي القضاء , وكان أبو المظفر يوسف بن قرغلي سبط ابن الجوزي حنبلياً نقله الملك المعظم إلى مذهب أبي حنيفة

ويقول د. أحمد شلبي في كتابه موسوعة النظم والحضارة الإسلامية: (عندما تولى الخلافة خلفاء جهلة، يحيط بهم أعوان جهلة، ظهر بجانبهم العلماء للقضاء والفتيا، وكان ذلك مطلع فصل الدين عن السياسة)

وأن الخلفاء العباسيين الأوائل قد عملوا على صبغ الخلافة بصبغة دينية، تعظيماً لشأنها في نفوس الناس، لا سيما في عهد الخليفة المنصور حيث لاحظ كثرة الخارجين على الدولة العباسية في عهده، وكان من مظاهر تلك الصبغة الدينية التي صبغن بها الخلافة في العصر العباسي مظاهر القدسية التي كانت تحاط بها البيعة للخلافة.

يقول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين إن كثيراً من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)

القران الكريم الآية / 23/ سورة الزخرف

(( .... وانا سمعت من فم السيد (محسن الحكيم) الى أذني مباشرة وهو يتحدث بصوت هادئ :( نحن لا علاقة لنا بالحقوق الشرعية وإنما نحن افراد مؤتمنين عليها ...... وسمعت من السيد الروحاني وهو يتحدث في مجلس خاص وليس للنشر: ( نحن لا يوجد لدينا دليل واحد حاكم على علاقة المرجع بالحقوق الشرعية والأخماس فالتقليد شيء ودفع الحقوق شيء آخر))

مقطع من رسالة حسن الكشميري الى عادل رؤوف / عراق بلا قيادة

((يقول مرشد الثورة الإيرانية الخميني: وإذا أردنا تخمين اخماس أرباح المكاسب لتبين لنا أن هذه الأموال الطائلة ليست لسد حاجات سيد أو طالب علم، بل لأمر أكبر وأوسع من هذا، لسد احتياجات أمة بأكملها .... ومتى كان السادة بحاجة إلى مثل هذا المال؟ إن خمس أسواق بغداد يكفي لسد احتياجات جميع السادة، ولجميع نفقات المجامع العلمية الدينية، ولجميع فقراء المسلمين، فضلاً عن أسواق طهران واستنبول وطهران))

كتاب (علماء إيران من العهد الصفوي الى العهد القاجاري)

(( ونجعل مرقدك مليئاً بالمال بشتى العملات التي يتعامل بها الشيعة ..... ))

حصارات علي / عادل رؤوف

المبحث الثاني

الدين والمال :

أن واحدة من أكبر الطبقات العقائدية على مر التاريخ هي طبقة رجال الدين التي كانت تعد الطبقة الفضلى في مجتمعات ما قبل التاريخ الإسلامي وما بعده، وهي الطبقة الوحيدة التي حافظت على مكانتها في الصدارة ونفوذها، عبر التاريخ

الأساس في ظهور هذه الطبقة رواج فكرة أن ارتباط الناس بالآلهة وقيامهم بالطقوس العبادية لا يستقيم إلا عبر وسائط تؤمن هذا الارتباط وتشرف على عقائد العوام وتصوغ لهم أفكارهم، وظلت طبقة رجال الدين (على شتى أنواعهم من سحرة وكهنة وأحبار وقساوسة وموابدة) هي الأكثر نفوذاً في حياة الناس. وعندما تلتحق الطبقية الاقتصادية المالية بطبقية رجل الدين المنحرف، هنا تحصل أكبر كارثة في البشرية إذا ما عزز ذلك برعاية سلطانية علنية أو سرية ....

نجد تاريخياً، بروز المعبد خلال العصر البابلي الحديث بعد العصر البابلي القديم، والآشوري القديم كمؤسسة اقتصادية كبيرة لها أثرها في المجتمع، يمتلك المقاطعات الزراعية الضخمة ويمارس تجارة واسعة. إذ لم يقتصر أهمية المعبد في العهد البابلي الحديث بل شملت كذلك الأمور الاقتصادية للمجتمع البابلي. وقد ازدهرت المعابد في هذه الفترة وازداد ثرائها، حيث تمكن الكهنة من توحيد أنفسهم اجتماعيا واقتصاديا، ليكونوا شريحة تكاد تكون مستقلة عن الحكومة المركزية. وكانت سلطة الملك المركزية في هذا العهد اقل بكثير من سلطة المعبد ..... وتشير الوثائق الاقتصادية الكثيرة التي وجدت في معابد هذا العصر مثل منطقة المعابد في الوركاء إلى ازدياد أملاك المعبد واتساع نشاطه في داخل البلاد وخارجها.

وأصبح رجال الدين مزارعين، وأصحاب مشاغل، وصيارفة على نطاق واسع، كما أصبحوا كتاب عقود ... وقام المعبد باستئجار العمال والعبيد، وحرث الحقول، وحصد وكري الأنهار وحفرها، في الأراضي الزراعية العائدة له، كما كان للمعبد ضريبة يفرضها تعرف بالكارو تعطى مقابل مرور السفن عبر القنوات التابعة له .... وقد عمل الملك البابلي نابونائيد على جعل المعتقد الديني تبريراً سياسياً لتحركاته من اجل صد الاندفاع الفارسي

ويذكرني هذا الموقف الذي وقفه الملك البابلي نابوئيد، بموقف الشيخ جعفر كاشف الغطاء والمتوفي 1228 هجرية عندما طلب منه الشاه القاجاري تأييده في محاربة الروس، فوض المجاهدين القيام في الجهاد الدفاعي في حالة غيبة الامام، ونص على وجوب (طاعة الناس لهم، من خالفهم فقد خالف الامام) وذهب الى ان (الفقيه الجامع للشرائط قائم حقيقة مقام الامام)

وبما أن لا بد للامة أن تقلد عالماً دينياً، وإلا ستكون أعماله تكون غير مقبولة عند الله، وسيكون مصيره جهنم، وكما هو معمول به في الفقه الشيعي. وهناك حق من حقوق القيادة المرجعية فيتمثل بالمال بعدما ربط المال بالتقليد قسراً ... فالمجتهد الذي يُقلد سيكون دائماً وأبداً المستلم للحقوق الشرعية والأخماس، حتى أصبح ذلك حقاً من حقوقه الثابتة، وأصبح التسليم المباشر لهذه الأموال بيد المرجع مشفوعاً بلذة العبادة وأداء الواجب الشرعي والاطمئنان النفسي، لا سيما مع وصل الاستلام، الذي يستلمه دافع الحقوق الشرعية للذكرى أو التباهي أو الاعتزاز، والذي صار أشبه، بل أقسى من صك الغفران

وأن استلام هذه الحقوق ستترتب عليه حقوقاً فرعية مثل حق عدم مساءلة المرجع عن هذه الأموال وحق أولاد المرجع في وراثة هذه الأموال أو التصرف بها أو الاشراف عليها ... بل صار الامر مألوفا ومعروفاً من أن مؤسسة دينية تصل ميزانيتها مئات الآلاف من الدولارات شهرياً يشرف عليها مالياً ابن المرجع بغض النظر عن علمه وعمره

وعندما نذهب للديانة المسيحية نجد أن الكنيسة في عصور الظلام قد جمعت من الثروات ما لا هو محدود ، وبالنسبة الأملاك الموقوفة ، استحوذت الكنيسة على أراضٍ كانت معفاة وحرة لا تدفع الضرائب أو تؤدي الخدمات العسكرية المتوجبة إلى الملك ، وقد بلغ حجم هذه الأملاك ما بين ربع الى ثلث أوربا الغربية ، وبالإضافة إلى الأوقاف ، غالباً ما استحوذ الأساقفة على مناطق كانت مشمولة بنظام الاستثمار الإقطاعي ، بحيث كان من المتوجب عليهم مثل أي كونت أو بارون تزويد الملك بالجنود عندما يدعو إلى ذلك ، وحصلت الكنيسة على المال بجمع الموارد من الحكام الإمبراطوريين ، وبمصادرة الممتلكات كنتيجة لأحكام صادرة عن المحاكم ، وبيع التحليلات من الذنوب ، وبيع المناصب الكنسية ، وفي بعض الأحيان بالاستيلاء بكل بساطة ، على الأرض بالقوة . وكان التحالف مع الدولة ضرورياً بالنسبة إلى الكنيسة لضمان نفوذها العلماني ولتحصيل الثروة، وربحت كل من الكنيسة والدولة من تحالفهما، حيث لم يؤمن الحكام الإمبراطوريين الإمداد بالموارد العسكرية فقط، بل أمنوا مراكز ووظائف مربحة لرجال اللاهوت، وبوساطة الإشراف الأعلى على الشؤون الإدارية للحكام، أصبح الأساقفة منوطاً بهم وموكلاً إليهم كل من السلطة المدنية والعسكرية، وصاروا أقوياء وقادرين وأصحاب نفوذ مثل أعظم السادة الإقطاعيين قوة ونفوذاً

وكتب المؤرخ جيفري بيرتون رسل: فكلما ازداد الأساقفة قوة وثروة، كلما ازدادت حاجة الملوك إلى تعيين أشخاص مخلصين، ولكم حتى يضمن الملوك مثل هؤلاء الرجال والحفاظ على ذلك كلما توجب عليهم منحهم المزيد من السلطة والثروة، لذلك لا أعجب أن أبقى الأساقفة أعينهم مسلطة بتركيز وعناية أكبر على العرش، أكثر مما فعلوه بالنسبة إلى الصليب

ويقول ديورا نت إن الربا قد بلغ من الانتشار حداً جعل البابا (انو سنت الثالث) يجهر عام 1208م بأنه لو طرد جميع المرابين من الكنيسة كما يتطلب ذلك القانون الكنسي لوجب أغلاق الكنائس جميعاً.

وكان الأساقفة يفرضون الضريبة على الثروات الخاصة تصاعدية. وهم يقولون إن الفقراء سعداء، وذلك لأنهم سيرثون مملكة في الجنة، ولأنهم يريدون النجاة للجميع، فهم يحرصون على بقاء الجميع فقراء .... ولأيمكن قراءة تاريخ الباباوات دون أن نكره ما حدث منهم من بطش وخيانة أكثر من مرة. ويمكننا أن نرى في ذلك التاريخ أن الطموحات المقدسة للباباوات كانت تستخدم لزيادة قوتهم الروحية المؤقتة، ونهمهم في الاحتفاظ بخيرات الشعب لأسرهم حتى يصبح أبناء عمومتهم من الأغنياء، وكذلك خليلاتهم أو أبناء الزنا الذين تقول القوانين الدينية إنهم ليس لهم حق في ذلك.

ويقول مرتضى مطهري – وهو مفكر شيعي -: (أن المال مصدر فساد الحوزة) ... ولم تكن النجف بمدارسها ومؤسستها الشيعية الكبرى (الحوزة العلمية) في أي وقت، بمنجى من الشكاوى المريرة التي تخص المال المتلاعب به. ويقول الكشميري : حتى ذهب بعض الفقهاء الكبار خصوصاً المتأخرين من مراجع النجف إلى التشدد في تسليم الحقوق للمقلدين بل وحتى بالنسبة الى سهم السادة ( الاحوط وجوباً أخذ الاذن من المقلد) تعالى ديننا ومذهبنا عن هذه البدع والمداخلات علوا كبيرا ولولا هذه الخدع لما ابتزت المليارات من أموال هذه الطائفة لتبسط بها الموائد الفخمة والقلائد والملابس الثمينة ويعيش المدللون من ذوي المراجع وغلمانهم وبصيانهم أسعد أنواع الحياة والرغد ينتقلون بين مساكنهم في ايران ولبنان وسوريا وأوربا وأمريكا والعزاء كل العزاء لهذه الطائفة المغشوشة

أن مفعول السياسة التاريخي قبل وبعد استقرار نشوء المذاهب في هذا التاريخ، جعل من المال مطلباً ضرورياً لمجرد بروز رجل الدين أو الفقيه ..... حيث أن الاثنين (المال ورجل الدين) سارا تاريخياً متوازيين أو متقاربين زمنياً .... لكن مع مرور الزمن واستمرارية العامل السياسي ودوره، تصالح التأصيليان النظريان للتقليد والمال، بما ينسجم مع دور التقليد الشيعي ..... فأصبح كتاب الخمس والحقوق الشرعية من الكتب المهمة في الرسائل العملية.

ولكي أعطي للقارئ الكريم احاطة كاملة، وجه السيد حسن الكشميري رسالة الى أحد الباحثين رسالة سأذكرها هنا:

(( ثق وأعتقد بأني ومنذ بواكير صباي بدأت اكتشف هذه اللعب والحيل ، وكيف يتم إغراء العامة بالجهل ، وكنت أبصر الوجه الاخر للأمور تماماً باعتباري ابن النجف الأشرف ووليد هذه المؤسسة وترعرعت في جحورها وكهوفها ولاحظت كيف أثرى من أثرى على حساب هذه التشريعات التي ما أنزل الله بها من سلطان لكنها اكتسبت قالب التعبد والتقديس لتكون أخطر مؤامرة لامتصاص أموال الناس واستعبادها وحتى خلاصة اتعابها ، وشاهدت وأنا في الوسط العقد الثاني من العمر كيف كان بعض زملائي في الدراسة يكابدون الجوع والفقر وقسوته ثم ساقهم الحظ الى مصاهرة المرجع أو صهره أو ولده وإذا بالواحد منهم يقفز من فقير مدقع الى شاب ميسور مغامر يغلق باب بيته وأكداس الملايين تحت تصرفه وشاهدت الاغا الفلاني ... كيف كان حائرا في تدبير مبلغ (600) فلس لسداد فاتورة كهرباء منزله ثم طبخت له الشبكة الفلانية المرجعية بالتنسيق مع السفارة .... ومع تلك الجهة الدولية وتلك الجماعة وصار مرجعاً لهذه الطائفة ثم مات عن مليارات من الدولارات ورثها للمراهقين من أبنائه وأسباطه وأحفاده ليصبحوا أباطرة المال وتقدم لهم إدارة البنوك في سويسرا ولندن وأميركا اليوبيلات الذهبية باعتبارهم أكبر أصحاب ودائع ثابتة في بنوكهم وهي ليست إلا من الحقوق الشرعية والأخماس .... هذا بالإضافة إلى أكثر من 80 ثروة باطلة حظي بها أحفاده وأصدقاؤه ومرتزقة حواشيه وكل هذا الابتزاز والنصب يتم باسم القداسة وباسم العقيدة والدين وذر الرماد في العيون))

والحقوق الشرعية ستقودنا، ولو بشكل محدود، إلى اختلاف رؤية فقهاء الامامية (أي مذهب الشيعة) في ذلك، إذ أن هناك خلافاً بين فقهاء المدرسة الشيعية بالنفي والاثبات، أما الذين قالوا بنفي مسألة الخمس، وأن المتبادر من الغنيمة بالمعنى الأخص وذلك لوحدة السياق أي سياق مسالة آية الخمس، فهو المحدث السبزواري المتوفي 1090 هجرية، والمحقق العامل المتوفي 1226 هجرية ، وهما من أكابر فقهاء الأمامية ، والمشهور خلاف ذلك ، أي وجوب الخمس قبل الغنيمة وبعدها ، والخمس كما هو معلوم ينقسم الى قسمين ، حق السادة وحق الإمام ، وحق الإمام كما هو معروف بين فقهاء الطائفة الشيعية لا يجوز التصرف به الإ بإذن الحاكم الجامع لشرائط الفتوى ، إلا أن هذه الفتوى ليس لها أصل لا في القرآن ولا في السنة ، فكيف يجوز لفقهاء الشيعة أن يصدروا الفتاوى بلا دليل ؟ والدليل هو الحاكم؟

يقول آية الله نجفي قوجاني ((.... ولكن لو أن احداً من الناس أمتلك الجرأة للاعتراض على الأعذار التي يقدمها علماء السوء أو مؤاخذاتهم فإنهم يخرجونه من رقبة الإسلام ويهدرون دمه، إضافة الى أن عوام هذا العصر غالباً ما يقلدون هذا السيد لمجرد تنفيذ مأربه الفاسدة، ولو أفتى السيد بغر ما ترجيه مأربهم انصرفوا عنه، وعلى هذا فإنه يؤيد أهدافه الفاسدة لمجرد ابقائهم حوله وصرفهم عن الذهاب إلى غيره، بل هو مستعد لأن يظهر لهم أن ذلك مما يرضي الله ورسوله. إذن فحضرته في قرارة نفسه مقلد للأهواء النفسانية لأولئك العوام، حيث يتخذ الامر بينه وبينهم شكل التفاعل المتبادل.

ويقول ايضاً ((والمثير للسخرية هو أنه مع وجود أكثر من خمس مراجع للتقليد القدماء كبار السن. رأيت ما بين العشرة إلى خمسة عشر من الفضلاء من تلامذة المرحوم الآخوند يسعون بجد واجتهاد لنيل درجة الإفتاء والتقليد ليعطي سهم الإمام وبقية الحقوق وليصبح بعدها مشهوراً .... ومن البديهي أنه مع وجود هؤلاء الشيوخ المسنين لا يستتب الأمر لصغار السن. ولذا ينبغي عليهم أن يسقطوهم من تلك المقامات الشامخة إما بالذم والاتهام والافتراء والغيبة، أو باللعن وإيصالهم إلى الموت، فإن لم يتيسر لهم ذلك حاولوا إثارة الشكوك بعلاقتهم مع الله وإلقاء الشبهات وتكفيرهم. ويوجد الكثير من هذا .... ولذا رأيت أن خلف الوعد والحنث بالقسم من نتائج العلم والتقديس الذي يتظاهر به هؤلاء العلماء المتظاهرون ... لو عشت مع تلك الوحوش لكان لي طريق الى النجاة.

ويتحدث القوجاني عن أحد الأساتذة بقوله ((يحضرون درسه ولما يكملوا درسه كتاب السيوطي فينعشون مجلسه، بينما لا يعلم المسكين أنه لا يفهم شيئاً، فهؤلاء الأساتذة لا يهتمون بتربية الطلاب بأن يمتحنونهم ليروا إن كانوا يستطيعون حضور البحث الخارج أم لا، بل كانوا يفكرون في إحياء حوزاتهم بغض النظر عما إذا كان هذا الطالب يفهم شيئاً أم لا. والظاهر أن الطلاب هم طلاب دنيا، فحيثما وجد المال وأثمرت معرفتهم بشخص ما، قصدوا ذلك المال، وبالمقابل فإن السيد يوزع نعمته على أهل حوزته ولا يعرف سواهم أو ربما اعتبرهم عابثين. ولأجل هذا فإن العلم والتعليم قد اجتثا من جذورهما ولم يبق منهما إلا الظاهر))

ونجد أن ظاهرة أموال مرجعية الخوئي تتجلى في الفنادق الضخمة، أو المؤسسات، أو المدارس .... في العديد من محافظات إيران (وليس في العراق) وإذا سافر العراقي إلى لبنان أو الباكستان، أو الهند أو بريطانيا أو كندا، سيجد أمامه مشروعاً للخوئي ... وإدارة هذه المؤسسات – مدارس وفنادق وما شابه – مناطة بأشخاص محددين، ومسجلة بأسمائهم، فهم موزعون بين أولاد المراجع والمقربين منهم، بما يجعل منها ملكاً عضوضاً. وليس من حق أحد مهما كان أن يتدخل أو يسأل عن كيفية التصرف بهذا الملك العضوض .... وأن هذه الظاهرة في تصريف المال كما تجلت ... ترتبط جوهرياً بعلاقة القائد بالمكان، فعندما لا يكون القائد ابناً لهذا المكان لماذا يقدم هذا المكان؟ أنه لا يعرف قراه ولم يزرها ولم يطلع عليها اصلاً

ويقول مختار الاسدي في مذكراته ((قال لي أحد كبار الحوزة وفضلائها المعروفين عام 1984 ميلادية (إنك أذا دخلت الحوزة إما ان تفسد أو تتزندق) .... وقائل هذه الجملة يعتبر نفسه اليوم علما من اعلام هذه الحوزة ويعد نفسه للمرجعية فيا بعد أن فسد فعلاً ولم يعد فاضلاً، ولا أقول تزندق لأنه ما زال يصوم ويصلي... وكيف غرق في المال والترف وأصبح من أصحاب القلاع والقصور) ويقول ايضاً في معرض حديثه مع الشيخ فاضل المالكي وهو يتحدث معه عن التصدي لعملية القيادة والتغير، فقال المالكي: لو كنت أقدر المصلحة في التصدي، لما بخلت بنفسي حتى عبر الاستشهاد بحزام ناسف أضعه على قلبي، ولكنني لا أرى وضوحاً في القيام بمثل هذا التكليف .... وانتهى هذا التكليف والوضوح في التكليف بقصر منيف في أرقى منطقة بقم في إيران بلغ سعره (400مليون ونصف مليون تومان) في سنة 2000. ويذكر في حواره مع السيد جاسم الطويرجاوي بأن الدين يحتاج الى دماء جديدة لأحيائه وانقاذه من هذا السبات ما دام ليس فينا مثل محمد باقر الصدر، حيث قال له: لماذا لا تكون أنت الشهيد، وأنا الصحفي الشهيد فأجاب مازحاً: (( خوب بويه أنت روح واستشهد بالاول حتى أنا أرثيك واقرأ عليك وأنا أذهب بعدك إن شاء الله )) ويضيف مختار الاسدي بقوله : قد لا أكون مبالغا إذا قلتُ أني لم أرَ أو أسمع بواحد من القادة والرموز الكبار قد جازف بحياته مجازفة حقيقة في ميدان أو ساحة من سواح المواجهة والجهاد وعلى امتداد معرفتي ومعايشتي لهم .

وأقول: أن أمثال هؤلاء وكما يدعون في خطبهم مدار أيام السنة وخصوصاً في شهري محرم وصفر عبارات (هيهات منا الذلة .... يا ليتنا كنا معكم ..... اللهم ارزقنا الشهادة) لان المال قد أُشرب في قلوبهم، وصار الوعظ والإرشاد طريقاً للوصول لهذا المال.

حيث تأتي زوجات وبنات كبار المعارضين العراقيين في إيران وهن يرتدين البدلات السوداء الحريرية الغالية الثمن، ومعطرات بالعطور الفرنسية ليمارسن اللطم والعزاء ونفش الشعور (المميشة) في أرقى صالونات قم وطهران.

وما دمنا ذكرنا قبل قليل اللطم والعزاء في شهر محرم، نجد أن قصة مقتل الحسين بن علي في كربلاء سنة 61 هجرية قد طالها التحريف، كيف؟

هناك أنواع عديدة للتحريف أهمها: التحريف اللفظي والتحريف المعنوي. فالتحريف اللفظي عبارة عن تغيير الشكل الظاهري لموضوع ما، كأن تضاف عبارة إلى حديث أو موضوع أو تحذف عبارة منه. والتحريف اللفظي أنك لا تتصرف في اللفظ. إذ يبقى اللفظ على حاله. لكنك تقوم بتفسير ذلك اللفظ بشكل يؤدي إلى مفهوم مخالف للمفهوم الذي قصده المتكلم. أي أنك تفسر الموضوع بشكل يطابق وجهة نظرك ولا يطابق وجهة نظر المتكلم الأصلي.

أننا وللأسف الشديد قد حرفنا حادثة عاشوراء ألف مرة ومرة، أثناء عرضنا لها ... حرفناها لفظياً أي في الشكل والظاهر ... أن التحريفات التي أصابت هذه القضية على أيدينا كانت كلها باتجاه التقليل من الحادثة ومسخها وتحويلها إلى حادثة لا طعم لها ولا معنى. والمسؤولية تقع على الرواة والعلماء، كما تقع على العامة من الناس، وذلك عدم الجلوس في المجالس عندما يعرفون أن هناك كذب وافتراء لأنه عمل حرام والواجب يتطلب منهم مقاومة هذا الكذب وفضحه. ولا بد من قهر هذه الرغبة اللامسؤولة المنتشرة بين الناس والخطباء. ويذكر أن أحد العلماء الكبار في إيران كان على الدوام يعترض على هذه الأكاذيب ويقول: ما هذه السموم التي تنفث فوق المنابر؟ وجاءه مرة أحد الوعاظ وقال له: أتعلم أننا لو تخيلنا عن مثل هذه الحكايات لتوجب علينا إغلاق هذه الدكان؟

يقول السيد محمد سعيد الحكيم أن :(أمر المال الذي يتعرض رجال الدين والتبليغ لتحصيله، والذي لم يُحسن البعض منهم التصرف فيه، حيث ينتظر منهم انفاقه في ترويج الدين، ورفع أعلامه، والدعوة له، أو في إغاثة ذوي الحاجة المضطرين من المؤمنين. بينما لم يلمس الناس منهم ذلك، بل بدا منهم كسبه لأنفسهم يتنعمون به، ويتوسعون في انفاقه، حتى يتعدى بعضهم فيه لمصارف الترف والبطر حسب منظور الناس. مما أوجب انعكاس صورة سيئة لرجال الدين والتبليغ عند كثير من الناس، وضاع الصالح في هذا الخضم. حتى اعتقدوا أنهم لم يدخلوا في هذا المجال من أجل القيام بالوظيفة الشرعية، وأداء الواجب في الدعوة إلى الله تعالى، بل من أجل تحصيل المال والكسب غير المشروع، وشاع سوء الظن فيهم .... فالواجب على رجال الدين والمبلغين الصحيحين المخلصين في عملهم ... أن يبتعدوا عن مواقع التهمة، ويتعففوا عن الناس، فلا يطلبوا المال، وإن عرض عليهم المال تنزهوا عن قبوله إن كان من سنخ الهدايا والمساعدات الشخصية إباءً وترفعاً. وإن كان من سنخ الحقوق الشرعية لم يقبلوه لأنفسهم، بل للمرجع الذي يقتنع به دافع المال، أو يقتنعوا به أنفسهم -أن أوكل دافع المال الأمر إليهم...... ثم ينسقوا مع المرجع من اجل إنفاق المال في مصارفه المرضية لله تعالى، بما في ذلك سد الحاجة الشخصية لرجل الدين والتبليغ، الذي هو واسطة بين المرجع والناس، من أجل أن يستغني عن الناس، ويترفع عن الطلب إليهم ، ويتعفف عما في أيديهم )

إن الصورة التي يعطيها النص المتقدم، لم تمثل إلا اعترافاً – بدرجة من الدرجات – بوجود الإشكالية في هذا الجانب المالي، وإن نصوص الكثير من المثقفين والمفكرين الإسلاميين تجاوزت هذه الدرجة الاعترافية إلى العمق.

والانكى من ذلك عبارة أحد رجال الدين، فهو يقول متهكماً: ((قلت: أثمة رزق ساقه الله فلا علاقة له بالقيم والمبادئ فاذا حرمنا من حقنا من بيت المال فلعل الله قد فتح انا باب الرزق من (البيت الأبيض) وإذا لم نعد من أصحاب سهم الأمام فعسى أن يطالنا شيء من سهم كلنتون))

أي حل للقضية الشيعية يجب ويستدعي اشراك طبقة (الانتلجست) الشيعية. من ذوي العقلية الإدارية والاقتصادية والسياسية وطبقة الشيعة ذات الاختصاصات العلمية المعاصرة، ومن أكبر أخطاء المرجعية الدينية أنها عزلت نفسها عن هذا الجو العلمي. إن الحلول التي طرحها (الروحانيون) لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى الخطورة التي تمثلها المحنة إذ هي تستند إلى مقاييس أرسطية في أكثر الأحيان، تعتمد تصورات الممكن والواجب والمستحيل

وسوف تبقى المؤسسات الشيعية – كمؤسسة السيد الخوئي – قاصرة ما دامت خاضعة للنمط الحوزوي القائم على صراع المراجع ورجال الدين، والقائمة على بنية برجوازية ....

وفي هذا الصدد، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: (.... أما الإنفاق من سهم الإمام على المتطفلين والمرتزقة وعلى الذين يتاجرون بالدين فإنه من أعظم المحرمات، وأكبر الكبائر والموبقات، وفي عقيدتي أن الغاء سهم الأمام أفضل ألف مرة من أن يأخذه أحد هؤلاء، ومن إليهم، لأنه تشجيع للجاهل على جهله، وللمغرور على غروره، وللضال على ضلاله. وقد اطلعت، وأنا ابحث وانقب عن مصادر هذه المسألة وأقوال الفقهاء القدامى والجدد، وأرائهم في سهم الامام في حالة غيابه، اطلعت على كلمات لصاحب الجواهر – الشيخ محمد حسن النجفي ويعتبر من مجددي القرن الثالث عشر للمذهب الشيعي – ...... حيث قال: ان مثلنا ممن تزهد نفسه بالدنيا لا يمكنه الإحاطة بالمصالح والمفاسد، كما هي في نظر الإمام، فكيف يقطع برضاه، مع عدم خلوص النفس من الملكات الرديئة، كالصداقة والقرابة-ونحوهما من المصالح الدنيوية، فقد يفضل البعض لذلك، ويترك الباقي)

ويسترسل الشيخ مغنية بقوله (المشهور على وجوب الرجوع إلى الحاكم، ولكن هذا من المشهورات التي لا اصل لها، ولا دليل عليها من كتاب، أو سنة، أو عقل ..... ذلك أن الواجب هو الأداء والوفاء بسهم الإمام، واشتراط الرجوع إلى الحاكم قيد زائد، ..... هذا، إلى أنه لا واسطة في الإسلام بين الله والانسان , وان الله جل وعلا يتقبل من العبد عباداته وأعماله بدون شفيع ، ما دام مخلصاً ، مؤدياً لحقه، مطيعاً لأوامره ..... ان نيابة الفقيه عن الإمام انما هي في القضاء والافتاء، لا في قبض الأموال)

وبقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن فترة الخمسينات :( كنت إذ ذاك في بداية الشباب، وفي ذروة الحياة الدراسية في النجف وحلقاتها العلمية، حيث الفقر -حينذاك – والحاجة إلى حد الجوع، وطي الليالي والأيام بلا طعام، وحيث البحث في ليالي الجوع الظلماء عن نفايات الخبز في شُرفات غرف الطلبة في المدرسة، ..... وحيث الثياب الممزقة المرقعة، ولبس ثياب الصيف، والشتاء في بعض السنين، ولبس ثياب الشتاء، والصيف في بعض سنين أخرى ..... وقلما كنا نحصل على الجريدة ، لأننا على نقدر على ثمنها ، أو لا نجرؤ على التظاهر باقتنائها ، فكانت من قراءات السر ، لأن الجريدة والمجلة كانت في عُرف النجف الصارم الحاسم من الأمور (العصرية) التي تحمل في ثناياها الكفر والضلال وأفكار الأجانب من دول الغرب الكافر الذي غزانا واستعمرنا، وأطاح بالإسلام ..... وفي الخمسينات كما في الثمانينات كما الآن، بقيت المؤسسة الدينية، أسيرة لفوارق طبقية مرعبة حتى في داخلها، وتحولت الكثير من الحقوق الشرعية إلى أموال شخصية تنتقل بالوراثة من المرجع إلى أولاده أو المقربين منه، وتحول هؤلاء الأولاد إلى زعماء بالقوة .... قوة المال يكفرون من يتفوه بكلمة، ويطلقون الشائعات إزاء أي صوت معترض، ويلصقون التهم به، باسم الإسلام من خلال (حاشية) جاهزة على الدوام لذلك، ما دام الفقر والعوز موجوداً وقائماً، فيتحول المال بذلك إلى منشأ خطير من مناشيء الطاغوتية والدكتاتورية لدى بعض رجال الدين، مصوراً بصورة عملية علاقة الطغيان بالمال التي أكدها القران الكريم (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)

وأخذ عدد الواعظين يزداد في ظل الدولة العباسية وينمو نمواً فظيعاً. وكان كل وزير أو أمير يخصص جزءاً كبيراً من الأموال التي ينهبها لبناء المساجد والتكايا وللترفيه عن المرتزقة الذين يأوون اليها من طلاب الفه والعبادة. وكان الواعظ يُعطى على مقدار ما يتحذلق به من جيد اللفظ وبلاغة الأسلوب. وإذا اشتهر أحد الواعظين ببلاغة وعظه، جاء الخليفة هو وأهل بيته ووزرائه وحاشيته يستمعون إليه، ويبدون بين يديه من مظاهر التوقير والاحترام ما يشجع غيره على اتباع طريقه. ويحدثنا الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي زار بغداد في القرن السادس الهجري عن مجالس الوعظ هذه فيأتي في وصفها بالعجب العجاب. يأتي أولاً على وصف أخلاق البغداديين فيصفها بالسوء، ويعتبرهم من ألعن خلق الله، ثم يأتي بعد ذلك على وصف وعاظهم فيمجد طريقتهم ويبدي اعجابه بها.

حيث يقول ابن جبير في ذلك ما نصه: ((ولا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير، ومداومة التنبيه والتبصير، والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير، مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيراً من أوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة الصماء أن تحل بديارهم، لكنهم معهم يضربون في حديد بارد، ويرمون تفجير الجلامد ....)) ويعقب علي الوردي بقوله:( يبدو من كلام ابن جبير هذا أن البكاء عند سماع الوعظ أصبح في نظر البغداديين غايةً لذاته. فهم لا يبالون أن يفعلوا ما يشاؤون في السوق فينقصون الكيل ويستغلون الغريب كما قال ابن جبير. ولكنهم في مجلس الوعظ يبكون ويشهقون ثم يغمى عليهم ويذوبون شوقاً إلى الله وخشية منه. وأني أعقب على كلام الوردي الأخير بقولي: ما اشبه اليوم بالبارحة، فكلام ابن جبير في القرن السادس الهجري ونحن الآن القرن الخامس عشر الهجري، وكلام الوعظ نفسه، وردود أفعال الناس نفسها، وما يحدث في حياتهم الاعتيادية يتنافى وما موجود فعلاً في اشرع ، وما يدعو اليه وعاظهم شيئاً آخر ، فهم – أي آهل الوعظ و الناس – طريقان لا ولن يلتقيان .

ويحكى أن نظام الملك وزير السلجوقيين كان ينفق أموالاً طائلةً على المساجد والمدارس والتكايا. فعاتبه سيده شاه على ذلك. فأجابه نظام الملك بالجواب التالي: ((.... أنت منشغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك ......... وجيوشك الذين تعدهم للنوائب...... مستغرقون في العاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور. وأنا أقمت لك جيشاً يسمى (جيش الليل) .... إذا نامت جيوشك ليلاً قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفاً بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم وأطلقوا ألسنتهم ومدوا إلى الله أكفهم للدعاء لك ولجيوشك. فأنت وجيوشك تعيشون، وبدعائهم تبيتون، وببركاتهم تمطرون وترزقون فقبل ملك شاه من وزيره هذا الجواب المفحم وسكت))

يتضح من هذا الجواب أن مشكلة الدين عند الناس أصبحت هينة للغاية. فالفرد يجوز له أن يعمل ما يشاء وينهب من يشاء. ولكي يرضى عنه الله تعالى يجب أن يعطي جزءاً مما ينهب إلى العباد والزهاد والوعاظ لينوبوا عنه أمام الله يستغفرونه له.

وما ورد أنفاً يذكرني بقول آية الله نجفي قوجاني حيث يقومون رفاقه الطلبة – أي طلبة الحوزة العلمية ومراجع المستقبل -:( ...... الذين يهجمون على الزوار المساكين الذين لم يكونوا قد حطوا رحالهم بعد على الأرض ويستلبون منهم أموالهم بل حتى طعامهم الذي اعدوه لسفرهم بأنواع الحيل والخداع ، ليأخذوا بدلاً منها وصولات بالاستلام من أولئك المتحذلقين عديمي الحياء وطالبي الرئاسة بحجة أن لهم إذناً بذلك من أمين الشريعة أو موفق الشريعة أو كشخان الشريعة ... وهكذا تضيع كل الطبقات الاجتماعية بضياع هذا الصنف من المتظاهرين بالديانة ويضيع الإسلام. والعجيب أن هؤلاء الطفيليين قد أعطوا لأنفسهم صفة مروجي الإسلام، لأنهم يأمرون الزوار بالمعروف ويقولون: أعطونا الخمس والزكاة اللذين هما حق الإمام. وصالحني على كل مالك المشكوك فيه كي يصبح حلالاً ولتأكله ذلك طيباً وإلا فلن تقبل زيارتك أو عبادتك وحجك وطوافك.والأنكى من ذلك أنهم يأملون من الله سبحانه وبسبب ترويجهم لأحكامه، الدرجات العالية.

يقول مؤلف هذا البحث: أني قد مررت بهذا الموقف عندما لم اخمس أموالي منذ بداية بلوغي الشرعي بحسب النظرة العلمائية للعمر البشري، وذلك في فترة أيام الجاهلية التي مررت بها حينها، حيث تم المصالحة مع وكيل الحاكم الشرعي، وقام بمصالحة مبلغ الخمس عن طريقين: اولاهما: اسقاط نصف المبلغ ولا أعلم لماذا؟ هل لديه صلاحية من الله أو الإمام أو أن الامام قال لمرجعه، وهو قال لوكيله، والثاني: تقسيط المبلغ على شكل دفعات. أدفعها اليه حسب استطاعتي المالية، حيث أن العبادات التي أقوم بها، والرواتب التي احصل عليها بدوام من الساعة الثامنة صباحاً الى الساعة الثالثة ظهراً، وبشكل يومي، وعلى أيام السنة صيفاً وشتاءً، لا يحسب هذا التعب كثمن لهذا الخمس؟ إلا بعد أن اعطي تصبب عرق جبيني صيفاً، وارتعاد فرائصي شتاءً، للطبقة الاستهلاكية التي تقوم بالتهامه. وكأن الله لا يقبل أن يتعب رجال دينه، وكأن الله يقبل أن يعيش رجال دينه على سواعد العوام بحجة أنهم يعلمون الناس أحكام دينهم، وكأن ثمن هذا التعليم يقوم على هذه السواعد.

ويرى علي الوردي أن كلما كان الظلم الاجتماعي أشد كان بناء المساجد وتشجيع الوعظ أكثر. فإذا بنى الظالم الغاصب مسجداً بنى الله له في الجنة قصراً فخماً، وإذا هو أغدق النعم على الوعاظ أعطاه الله من الحور العين والوالدان المخلدين، ما يعوض عما فقده في هذه الدنيا الفانية من الجواري والغلمان. وصار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الأموال، وتمنحه مركزاً اجتماعياً لا بأس به. وأخذ يحترف مهنة الوعظ كل من فشل في الحصول على مهنة أخرى. إنها مهنة سهلة على أي حال. فهي لا تحتاج إلا إلى حفظ بعض الآيات والأحاديث ثم ارتداء الألبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه. ويستحسن في الواعظ أن يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بأن الله قد رضي عنهم وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس، ويأتي المترفون والأغنياء والحكام، فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفاً سعيداً.

وظهر القصاصون وهم – طبقة من الناس وصفوا بالكذبين واتصلوا بالحكام وأصحاب النفوذ -تجنب العلماء معارضتهم، والرد عليهم تقية وخوفاً على أنفسهم، لأنهم استطاعوا ان يؤثروا على العامة، حتى قال ابن الجوزي: وكان القصاص في أواخر القرن الرابع أكبر مثيري الفتن بين السنة والشيعة، وقال حبيب بن الحرث الثمالي: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء، انا جمعنا الناس على أمرين. فقلت: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصباح والعصر

وقد ارتبطت العامة بهم، وأقبلوا عليهم وتقبلوا كل ما يلقونه من الموضوعات، والقصص الخرافية. وقد قام أحد القصاصين فحدث عن النبي أنه قال: من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار. فلم يبق أحد منهم إلا وقد أخرج لسانه يومئ بها إلى أرنبة أنفه. ومن هذا الباب تسربت أكثر الأحاديث المرغبة في كثير من الاعمال. ودخلت أذهان العامة تلك الخرافات والأباطيل، وأصبحت وكأنها حقائق لا تقبل الشك ولا تخضع للجدل، كما أدخلوا كثيراً من العقائد المفتعلة ضمن أحاديث مكذوبة أحدثوها، وربما خلقوا لها اسانيد من أنفسهم. ودخل نشاط القصاصين في أغلب زوايا المجتمع، واستخدمه الناس في اغراضهم المختلفة، ولجأ إليه أصحاب المذاهب ......

(في النهاية الإسلام ليس فيه مؤسسة دينية، من يعرف الأصول وبعرف اللغة العربية، ويعرف مصالح الأمة يحق له الاجتهاد سواء كان معمماً أو مطربشاً)

المفكر المصري حسن حنفي / عن كتاب صناعة العقول

(لقد قاموا بعمل ما من شأنه جعل القرآن وهو كتاب قراءة وفكر وفهم وتنوير وحصول على طريق ونهوض وعمل ... مجال تبرك بحيث إن عمله الواقعي في هداية أتباعه وبيان الحلول ومسؤولية الخيار الإنساني. انحصر فحسب في الاستخارة وأصبح واجب أتباعه نحوه هو التعظيم والتكريم والتبجيل والتقبيل وعدم اللمس دون وضوء ووضعه في الأطر، وإلى جوار المرايا ... وفي رباط القماط وفي سفرة لمجلس العقد والمنزل الجديد وفوق رأس المسافر...وبعض سوره وآياته كأوراد وأعمال وشعائر خاصة للتعزيم والطلسمات لمنع الجن ورفع الورم، وربط العزائم، وتعليقه في رقبة الوالدة والبقرة الحلوب والإنسان المختل عقلياً !!قال أحدهم في أحد السجون السياسية _ حيث كان هناك سبعون من الإسلاميين المستنيرين جداً – طلبتُ مصحفاً لبحث نقطة ما... فلم أجده، وأحصيتُ ما لديهم من كتب فوجدت من كتب فوجدت عند هؤلاء السبعين مائة نسخة من أحد كتب الأدعية بقطع مختلفة وطبعات مختلفة!!)

علي شريعتي عن كتاب / أبي أمي أننا متهمون

وفي الختام "

كثير ما نسمع عبارة (الفقه يلبي حاجات جميع العصور)، ولكن هذا صحيح؟ يقول محمد مجتهدي شبستري :(إن النظم والتشكيلات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية للمسلمين، والتي يجري الحديث عنها في الفقه ليست وليدة علم الفقه. بعض النظم هذه النظم لها أصولها في أساليب الحياة الاجتماعية للعرب في مكة والمدينة، وبعضها مستمد من البلدان التي فتحها المسلمون. فالبيعة والشورى مثلاً كلاهما كان موجوداً ومستخدماً لدى العرب قبل ظهور الإسلام، والوزارات والدواوين وما الى ذلك دخلت الحياة السياسية الإسلامية عبر تجارب المكتسبة من الأقوام الأخرى، كما أن جميع أنواع المعاملات تقريباً، من عقود وإيقاعات، كالبيع والإجارة والهبة والصلح والرهن والمضاربة والمزارعة والمساقاة والنكاح والطلاق وبعض أحكام القصاص والديات كانت معروفة لدى العرب أو الأقوام الأخرى قبل الإسلام. وحول الحرب والسلم كانت هناك أعراف واصول معينة، أما دور الكتاب والسنة ومن ثم الفقه في هذه الظواهر، فكان من نوع التنظيم والتوجيه لصالح متطلبات الأخلاق والعقيدة الإسلامية، والتشذيب من الأعراف والتقاليد المنافية لتعاليم الإسلام، ولم يكن دور النصوص والفقه ذا طابع تأسيسي بحال من الأحوال)

ويسترسل شبستري في حديثه قائلاً: (لم يشدد القرآن الكريم على أساليب وأنظمة الحكم، وإنما شدد على عدالة الحكومات، وكأن القرآن لا يرى من شأن الدين والوحي تحديد أساليب الحكم وأنظمته، وإنما يرى من شأنه تعيين القيم ذات العلاقة بمسألة الحكومة، فالأساليب والنظم تكتسب أشكالاً متنوعة باختلاف المجتمعات والأقوام، وقد كان الأمر على هذا المنوال طوال أحقاب التاريخ، وما يجب أن يبقى ثابتاً ولا يتبدل بتبدل المجتمعات هو المبدأ الرئيسي الذي يحتم على الحكام أن يسلكوا طريق العدل وهذا ما أكد عليه القرآن. فلو جاء زمن يصل فيه الناس وفق تجاربهم إلى ضرورة قيام حكومة شوروية منتخبة، وتصوروا أن العدل يتحقق بواسطة هكذا حكومة، عندها سيكون واجبهم الديني تأسيس مثل هذه الحكومة ودعمها. المهم هو أن دور الكتاب والسنة والفقه في المعاملات والسياسة دور التنظيم والتوجيه، وليس دوره التأسيس والابداع....)

ويدعو شبستري الى بأن (لا يستأثر علماء الدين بحق أبداء الرأي حول القيم الدينية العامة وعلاقتها بالسياسات والقوانين، وإنما من حق كل الناس أن يطلقوا آراءهم في هذا إفطار، بل أن القول بأن علماء الدين هم وحدهم ذوو الحق في الدين، قول لا مبرر له أساساً. إن الدين يدعو إلى عقلنة المعتقدات، لا يمكن أن يحصر إبداء وجهات النظر الدينية بالمتخصصين، فإذا كان المطلوب من الجميع أن يكونوا متدينين بطريقة عقلانية، فإن من حق الجميع أيضاً البحث والتحدث بآرائهم في شؤون الدين)

ويقول ايضاً :( إن ما يطرح كإسلام في وسائل الاعلام ويمثل بياناً رسمياً للدين في بلداننا ليس من هذا التيار الديني ولا ذلك – الإسلام والإيمان في هذه الوسائل الإعلامية أصبح عبارة عن الوفاء لجملة من العقائد والآداب والأحكام والقناعات، تكونت بمرور الزمن، وتراكمت في التقاليد الدينية للمسلمين، ويجري الحفاظ عليها بواسطة الدعاية والتلقين، وصناعة الايديولوجيا، وإغلاق الأجواء الدينية، ومنع تسرب معلومات جديدة للمؤمنين، بذريعة حفظ الإسلام والإيمان ....)

أن الرسالات الإلهية تتشابه إلى حد ما، في جدلها التاريخي الاجتماعي، إذ لمجرد استقرارها تبرز طبقات مصلحة تحاول إرجاع المجتمع على ما كان يألفه، وهذا تحقق جزء منه بالنسبة لرسالة الإسلام حيث جاءت موجهة الناس وجهة مخالفة لما نشا عليه الناس وارتضوه فهي إذن، إذ تراعي المألوف، لا تقف عنده أو تزكيه، ولولا نسفها لآراء ومعتقدات وأخلاق يؤمن بها الناس لأنهم وجدوا عليها آباءهم، واستقرت في وجدانهم على أنها بديهية ....... ومن الطبيعي أن الآراء الموروثة والقيم والأخلاق والمصالح لا تضمحل بمجرد ظهور الرسالة النبوية، إنها في الغالب تنحني انحناء القصبة عند هبوب الريح ولا تنكسر، أو تموت، فهي تنتظر مرور العاصفة لتنتصب قائمة من جديد وتبرز إلى السطح في ثوب غير ثوبها القديم

ونجد أن تشويه عقول الناس ومضامين الدين تتجسد بأساليب لا حد لها من خلال المطبوعات تلك التي تدعي العلمية فيما هي تشيع الخرافة إذ المأساة قد تصل إلى ذروتها عندما تعرف أن نسبة لا بأس بها من العلماء المتخصصين، في معاهد البحوث والجامعات يعتقدون فيما يعتقدون فيه عامة الناس، وكأنما هم نبذوا معادلاتهم ونظرياتهم وقوانينهم، وتركوها وراءهم في معاملهم، وعن هذه الفئة يذكر لنا وكي نجيب محمود في كتابه ( التجديد الفكري العربي) فقرة يقول فيها بحسرة إنك في يومنا هذا ليأخذك العجب أشد العجب، إذا ما أتيح أن تجالس طائفة من رجال العلوم الطبيعية، لتستمع إلى ما يديرونه بينهم من أحاديث عن تصديق وإيمان إذا ما فتح لهم موضوع الخوارق والكرامات، إنهم عندئذ يقبلون وهم في نشوة السعادة والرضى أن يحكى عن أصحاب الصلاح والطيبة والتقوى، كل الخوارق التي تبطل أي قانون شئت من قوانين الطبيعة، كأن الله تعالى يرضيه أن تكون سنته في كونه لهواً وعبثاً، إن هؤلاء العلماء وهم في معاملهم لا يقبلون إلا أن تكون قوانين العلم حاسمة وصارمة، فما الذي يصيبهم إذ اما تركوا معاملهم وعادوا إلى منازلهم يسمرون؟ أيتركون عقولهم في معاطفهم البيضاء في حجرات المعامل، ليعودوا إلى منازلهم وقد فرغت رؤوسهم إلا من الخرافة وانعدام النقد والتصديق

وكمثال لما ورد أنفاً ما حدث في مصر بظهور مريم المقدسة والدة المسيح عيسى، إذ طلعت علينا جريدة الاهرام في 5 آيار 1968حاملة بيان أعلن فيه البابا كيرلس السادس حقيقة ظهور لعذراء في كنيسة الزيتون وأكده، كما نشرت الاهرام على صفحتها الأولى، صورة اعتبرتها تسجيلاً فوتوغرافياً للعذراء أو لطيفها الذي ظهر. أذاع البابا هذا النبأ في مؤتمر صحفي حافل حشدت له جميع إمكانات الصحافة المصرية ووسائل الإعلام في الجمهورية. وبعد ذلك انغمست الصحافة المصرية بأسرها تقريباً في هوس ديني مفاجئ فتبنت هذه القضية الوطنية الكبرى، وأخذت تروج لها وتجهد نفسها في البحث عن البراهين العلمية القاطعة على حقيقة المعجزات، والتنقيب عن العلماء وأساتذة الجامعات ليشهدوا بان ظهور العذراء حقيقة واقعة لا يمكن ان يشك فيها، وحشد الشهود والوثائق والتقارير الطبية للتدليل على أن القضية التي احتضنتها الصحافة ووسائل الإعلام حقيقة موضوعية ثابتة وبينت الصحافة بكل وضوح أن ظهور العذراء يتضمن مغازٍ سياسية واجتماعية وكفاحية وسياحية بعيدة المدى بالنسبة للشعب العربي في مصر وبالنسبة لاستعادة الأراضي المحتلة بعد الخامس من حزيران.

أن قصص وحكايات وقوع المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة والشافية للبشر من الآمهم وأوجاعهم قديمة قدم الانسان نفسه، ولبست وقفاً على دين دون غيره، والكتب الدينية مليئة بأمثال هذه القصص والأساطير. والأمر الخطير في هذا الموضوع هو أن تحرك أبناء الشعب، بدافع اعتقاداتهم الدينية المتوارثة، لم يأخذ مجرى عفوياً حج بموجبه المؤمنون إلى الكنيسة المعنية فشفي من شفي وتوفي من توفي وآمن من آمن ثم انتهى الموضوع بصورة طبيعية كما يجب أن تنتهي هذه الظواهر عادة.... حيث تبنت أجهزة الدولة – بصحافتها ووسائل اعلامها ووزرائها – قصة ظهور العذراء ...... ولم يرتفع صوت مثقف واحد أو اشتراكي واحد أو مفكر واحد أو علماني واحد أو اديب واحد أو كاتب واحد أو صحافي واحد في الوطن العربي ليرد هذه المزاعم الهستيرية وفي آخر هذه الهستيريا الدينية نفى رؤساء الكنيسة القبطية في مصر اليوم الاشاعات عن ظهور السيدة العذراء مرة أخرى، بعد أن توفي 15 شخصاً دوساً تحت الأقدام .... عندما تدفق جمهور كبير على ضاحية شبرا أثر إشاعة عن ظهور جديد هناك .... وقالت الشرطة أن ثلاثين شخصاً على الأقل أصيبوا بجراح وتوالت السلطات اغلاق الكنيسة ....

فعندما يقهر الدين الحقيقي قهراً قسرياً، ويؤسس له نظاماً معرفياً لا علاقة له بمضمونه... يكون المجتمع ضحية النخبة .... وقدم لنا حسن أحمد إبراهيم من خلال كتابه (العقل الإيماني، مصداقية الوعد بالخلاص) نموذجاً ليس فقط لإساءة التوظيف، أو خلل في المنهج إنما استغلالاً بشعاً لتحريف الدين على أساس التقليد، وبلورة فهم كيفي لهذا الدين فهو يقول :( (فمن الحقل المسيحي نورد آراء وتعريفات يقدمها (ندره اليازجي) – يقول:

1-الإيمان هو تلقائية الروح، أي انجذاب الروح وتوقها الى حقيقتها، أي فعل الروح في ذاتها، أي عودة الروح إلى حالتها الأولى.

2-الإيمان هو إشراق داخلي.

3-الإيمان هو حالة فوق عقلية.

هذه التعريفات الثلاثة، تؤكد جميعها المعنى الباطني العميق أو المستوى القلبي واليقيني للإيمان باعتباره فعل من أفعال الروح.... حيث يقول (الدين هو تجربة روحية عميقة داخلية في الإنسان، ونستطيع أن نقول هو حضور دائم للروح الإلهية في الإنسان. فهو إذن تحقيق لهذا الحضور، والتحقيق هو تجربة روحية) ثم يسأل: (ما هذه الأديان) ويجيب:( هي كل تجربة روحية يتحقق فيها الحضور الإلهي في الإنسان) .... ويقول الدكتور محمد شحرور وهو يخلص :( إلى تلخيص ما فعلته الأدبيات الإسلامية بالثقافة العربية وبالفكر الإسلامي اليوم؛ حين ربطت مفهوم الدين والمتدينون بشعائر الإيمان باعتبارها من أركان الإسلام بعيداً عن المعيار الأخلاقي ... فأصبح الحكم على دين الإنسان يتم بدلالة صلاته وصيامه... فأخذ الوجه العشائري من الدين الأولوية المطلقة على الوجه الأخلاقي، حتى انعكس ذلك في التربية المنزلية... فأصبح إفطار يوم رمضان، أكبر كثيراً من الكذب)

إن أعداء الأديان الحقيقين أو الملحدين أو المأزومين بحقيقة وجود خالق لهذا الكون، رأوا في التقليد كثقافة مادة حيوية للطعن بالدين الحقيقي، والدين الإسلامي بالذات، يقول حسن احمد إبراهيم– وبالمناسبة هو مفكر سوداني -في هذا الإطار: (يبدو تحرك هذا العقل الجمعي سهلاً في بعض الأحيان، ايجابياً فاعلاً تجاه أحداث ما، خاملاً بارداً فاقداً للحس تجاه أحداث أخرى، في بلاد أخرى، في زمن أخر، وحتى في البلاد ذاتها أو في الزمن ذاته، من يتحكم بتوجيه هذا العقل ويسيطر عليه؟ هل المشكلات المطروحة هي التي تحركه؟ هل الأشخاص وقدراتهم؟ وهؤلاء الأشخاص هل هم الساسة أم رجال الدين؟ إن تحركه يمكن أن يكون ايجابياً تقدمياً فاعلاً، ويمكن أن يكون رجعياً سلبياً يصنف في خانة تغييب العقل وتخدير الناس. في آية خانة نصنف تحرك الحشود الكبيرة للقاء بابا الفاتيكان؟ ....... كيف نفهم اجتماع عشرات الآلاف في كل ليلة من ليالي عاشوراء؟ ....... يندبون ويعولون ويدمون رؤوسهم وصدورهم العارية من شدة اللطم.... على الحسين الشهيد، ومعاقبة لأنفسهم عندما تتلى عذاباته وسيرته...... وفي الباب ذاته نذكر باستعارة عذابات المسيح من قبل جماهير المؤمنين الذي يصل الأمر ببعضهم إلى حد تثبيت أجسادهم على الصلبان بمسامير ضخمة تخترق أطرافهم، استعارة للحظة، واستحضاراً للألم الذي عاناه المسيح. وهذه العذابات يشار إلى أنها متوارثة، ومتناسلة من تجارب أقدم في تاريخ المنطقة، فقد أشار الكثير من المؤرخين...... إلى مثل هذه العذابات .... في ذكرى غياب أدونيس الإله الكنعاني أو ذكرى عودته إلى الحياة.... كما كانت تجري في مصر في الذكرى المشابهة للأله المصري أوزيريس ....

ولقد تحول الفقيه إلى حامل للتقليد، والحاضنة الطبيعية له، وانتهى الأمر إلى طبقة (رجال دين) (وطبقية علمية) في حين ((كان العلم قبل الإسلام حكراً على طبقات معينة، تحتكر به السلطة والدولة. هكذا كان عند اليونان واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. فصيره الإسلام متاحاً للعامة والخاصة على السواء.... وقبل مجيء الإسلام أقام اليهود في المدينة (المدارش)، ومهمة المدارش التخصص، في تلاوة التوراة، وكان هذا التخصص يكسب الأحبار نفوذاً دينياً واجتماعياً، في الوقت الذي تُضيق فيه تدقيقات هذا العلم من دائرة القائمين على التوراة، ليجري توارثها وتفسيرها على يد قلة قليلة من هؤلاء المتخصصين، الذين يعطيهم ذلك سلطة دينية ضخمة، لتمكنوا من عمل أي شيء بما في ذلك تحريف الكلام عن مواضعه. وقد أدى هذا الاحتكار إلى الجمود والتخلف، الذي أدى بدوره إلى حركات التنوير والثورات الأوربية، التي آلت في نتائجها، إلى المذاهب العلمانية، التي تُسقط القيم وتنحي الدين وتعاليمه، من العلم وتطبيقاته، فتقع في أنواع أخرى من الجمود والجحود، بإعلان موت(الإله) وتأليه الإنسان الفرد)

((ومن هنا فإن من أخوف ما يجب أن نخافه، أن يتحول المتخصصون في علم الشريعة من المسلمين إلى طبقة (رجال الدين)، يحتكرون العلم ويحرفون الكلم عن مواضعه باسم الدين، ولعل شيئاً من هذا بدأ يحدث منذ وقت طويل .... ))

ويقول سبينوزا :(يعترف جميع الناس بأن الكتاب المقدس كتاب الله، وأنه يعلم الناس السعادة الروحية الحقة أو طريق الخلاص. غير أن سلوك الناس يكشف عما يغاير ذلك تماماً لأن العامة لا يحرصون أبداً على أن يعيشوا وفقاً لتعاليم الكتاب المقدس، وترى جميع الناس تقريباً وقد استبدلوا بكلام الله بدعهم الخاصة، ويبذلون قصارى جهودهم باسم الدين من أجل إرغام الآخرين على أن يفكروا مثلهم. أقول: إننا نرى معظم اللاهوتيين وقد انشغلوا بالبحث عن وسيلة لاستخلاص بدعهم الخاصة وأحكامهم التعسفية من الكتب المقدسة بتأويلها قسراً وبتبرير هذه البدع والأحكام بالسلطة الإلهية، وهم لا يكونوا أقل حرصاً وأكثر جرأة في أي موضع آخر، بقدر ما يكونون في تفسير الكتاب، أي تفسير فكر الروح القدس. والأمر الوحيد الذي يخشونه بعملهم هذا ليس الخوف من أن ينسبوا إلى الروح القدس عقيدة باطلة أو أن يحيدوا عن طري الخلاص، بل أن يقنعهم الآخرون بخطئهم وأن يروا أعدائهم وقد قضوا على سلطتهم، وأن يكونوا موضع احتقار الآخرين...)

كما لاحظنا، ومن خلال أقوال رجال الدين السماوي، ومن خلال أفعالهم، ومن خلال نفسياتهم، كيف تم تشويه هذا الدين؟ ومن أين؟ من آهل بيته. من حفظته. من أكثر الناس التصاقاً به. وفي الأخير، يقولون لك لماذا تبتعد عن الله!!!؟ الآن، تقول –عزيزي القارئ – ليس كلهم؟

أني ذكرت أقوال المشاهير من العلماء، فمن أين تعرف أن القلة الباقية لا توجد فيهم ما ذكرته في هذا البحث؟ فهل نترك هؤلاء لمجرد أنك قلت لنا ذلك؟

يجب على معتنقي الأديان السماوية عدم اتخاذ أي شخص كصنم له، ولا يتخذه واسطة بين الله وبينه. يجب عليه أن يقرأ ولا يعتمد على مقولة العوام (ذبه برقبة عالم واطلع منها سالم)، هذا كلام العاجزين، فالله يسأل العبد العامي، ويسأل العبد العالم، وكلاهما واحد امام الله. ويقول لهم: من أين لكم هذا؟ ولو فعلوا ستخلوا مجالس الوعظ من روادها.

وأخيراً، أذكر هذه الرواية المتضمنة الخلافات السرية التي لا تتسرب للعامة بين فقدان المرجع و اختيار المرجع الجديد:

وهي الرواية التي ذكرها حسن الكشميري الخطيب المعروف في أوساط المؤسسة القيادية والعارف بأسرارها، حيث نشب الخلاف ذات مرة على الأموال بين الشاهرودي وبين أحد الحواشي الذي أصر على عدم تسليم فواتير الحسابات المالية العائدة إلى مرجع آخر بعد وفاته وهو عبد الهادي الشيرازي، هذا الشخص يلقب بالنقشواني، وهو معروف في الأوساط النجفية انه من المؤثرين في ترشيح المرجعيات في العراق، إذ عندما أصر الشاهرودي على رأيه، وأصر النقشواني على رفضه، نشب خلاف حاد بينهما، انتهى بتهديد النقشواني للشاهرودي من خلال قوله :( أيها المعيدي، انا قادر على أن أسحقك وادمرك وانك تعلم انني قادر على أن أصنع من جذع النخلة مرجعاً )فأجابه الشاهرودي كما يقول حسن الكشميري نقلاً عن محمد الروحاني (( اذهب انت وجذع النخلة الى جهنم، ماذا تريد ان تفعل، شيئان لا تستطيع ان تفعلهما أولاً: لا تستطيع ان تخلع لباسي وعمامتي، وثانياً : لا تستطيع أن تنفي سيادتي)) وذلك في إشارة _ كما يقول الكشميري – الى عدم سيادة الخوئي الذي كان النقشواني داعيةً له آنذاك. 



   نشر في 01 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا