عشقي لم يكن عاقا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عشقي لم يكن عاقا

  نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

إهداء

إلى كلّ روح عشقت التضحية.

إلى كلّ قطرة دم سالت على تربة القبلة الأولى ناشدة الحريّة.

إلى الذين جرحت أبدانهم وأصيبت أجسادهم طالبين إجهاض الاحتلال.

إلى الذين فقدوا آباءهم وأظلّوا أزواجهم وخسروا فلذات أكبادهم

في سبيل الاستقلال.

إنّ التحرير قضاء الشعوب. وإنّ الزمن دوّار ، والقمم ما تلبث أن يأتي عليها الخسف فتصبح قاعا صفصفا وخرابا تذروه الرّياح.

فلا تيأسوا...ستهبّ نسائم الحريّة قريبا.

في المطار

أمي:- ياسمين أرجوك كوني حذرة.

- أمي كفى رجاء كفكفي هذه الدموع الحزينة وابتسمي. لا تقلقي سأكون بخير.

أمي:- لم عليك أن تذهبي بنيّتي؟ هناك الكثيرون للذّهاب فلتبقي.

- أمي أنا ذاهبة لأؤدي واجبي تجاه إنسانيتي وديني وعروبتي. تأمّلي وجوهنا جميعا، نبدو مبتسمين رغم أننا ندرك حجم المخاطر التي تنتظرنا هل تعرفين لماذا؟ لأنّ شعورنا بعظم ما نفعل يولّد فينا الراحة والطمأنينة.

أمي: - سليم انتبه لها جيدا. هي أمانة في عهدتك حتى تعودا.

سليم: - اطمئني خالتي سأكون بجانبها دوما

أمي: - كان من المفروض أن يعقد قرانكما في الأسبوع المقبل.

- لا بأس إن أجّلنا الأمر لفترة أمي، ألا ترين أنّ شعب فلسطين الأبيّ أهمّ من زواجنا بكثير. آه ستقلع الطائرة عن قريب وداعا عزيزتي سأحاول

الاتصال بك فور وصولي.

ارتميت في أحضان أمي أنعم برائحتها الدافئة قبل الذهاب ، محاولة

التّماسك أمامها كي لا أذرف دموع الفراق. قبّلت يدها ثم التفتّ إلى سليم وقلت له “فلنذهب”. صعد الجميع على متن الطائرة وربطنا الأحزمة. جلست بجانب سليم وجلس أمامنا كلّ من طارق ومريم.

نظرت إليهم بابتسامة ثم قلت:

- آمل أن نوفّق في الوصول إلى هناك.

سليم: - المرحلة الأولى مضمونة، بعد سويعات سنكون في الأردن ولكن الخطر يكمن في الانتقال من عمان إلى فلسطين.

طارق: - ما دمنا مبعوثين من طرف جمعية حقوقية أجنبية فسنكون محميين بإذن الله.

مريم: - أتساءل كيف خطرت ببالك هذه الفكرة دكتورة ياسمين؟

- أحسست بالرغبة الجامحة لدى الكثيرين منّا ولكنّ الدّافع هو الذي

كان يعوزنا. نحن الإثنا عشر وغيرنا ممّن لم يتسنّى لهم الذهاب جميعنا لمسنا حاجة ذلك الشعب المقاوم إلينا فكان لا بد لنا من التحرّك. حين أيقنت هذا طرحت الفكرة على سليم فشجعني.

مريم: - هل سيكون عددنا كافيا؟

طارق: - بالطبع لا !

سليـم : - للأسف لم نتمكن من إقناع بقية الأطباء والممرّضين.

- سنحاول تقسيم العمل بالقدر الممكن. ما يهمّنا هو أن نوفّق في الوصول أوّلا كي نمدهم بالأدوية والمعدات المنوطة بعهدتنا.

بقينا نتحاور خلال السفرة حتى حطّت الطائرة وجثمت في مطار عمّان أين نزلنا لنمتطي الحافلة التي ستنقلنا إلى الميناء البحري.

وهناك أمام الباخرة التي ستحملنا، وقفنا وأخذنا نفرغ صناديق الأدوية وأكياس الدّم المجمدة ومواد التعقيم وأدوات الجراحة ثم انتقلنا إلى ظهرها بحذر حتى ثبتنا جميعا على سطحها. توسطتهم بوجه مفعم بالأمل والتفاؤل ثم أردفت:“ أشكركم جزيل الشكر على تلبية النداء والاستجابة لطلب الإغاثة. هذا الثبات في أعينكم وهذه العزيمة في خطواتكم وهذا النقاء والصفاء في سرائركم لن يذهب سدى. وسنتمكن بإذن الله من مداواة المرضى وإنقاذ الجرحى والمصابين. قد نلاقي الكثير من التعب والشقاء والكد والعناء ولن تتوفر لدينا الإمكانيات اللازمة ولكننا سنسعى في إيجاد الحلول ما استطعنا. عددنا ليس كبيرا ولكن الأمانة الملقاة على عاتقنا جد ثقيلة فلنتشارك حملها ولنكن في توادنا وتراحمنا كالجسد الواحد ولنسأل

الله القدير أن يؤلف بين قلوبنا ويثبت عزائمنا ويسدّد خطانا ”

نهال : - باسم يسوع وباسم العذراء أسأل الرب أن يبارك خطانا.

فاطمة : - عملنا سيكون صعبا لأن معنا جرّاحة واحدة وهي الطبيبة ياسمين أنا والطبيب سليم طبيبا تخدير ومريم وطارق فنّيا جراحة، جاسر ونهال معدان، الطبيب عمر جراح مساعد والطبيبة نور طبيبة عادية وحنين وآدم وفرح ممرضون كيف سننقسم؟

سليم: - نحتاج إلى تغيير في المهام. سننقسم إلى فريقين: الفريق الأول ستكون ياسمين جراحته وأنا طبيب التخدير مريم فنية جراحة و... جاسر معد غرف العمليّات

عمر: - ماذا عن الجراح المساعد؟

- لا بأس عمر سأتدبّر الأمر بمفردي. عليك أن تكون جرّاحا أساسيا للفريق الثاني

عمر : - كلا لا يمكنني هذا

سليم : - عمر الأمر يقتضي هذا الآن، لقد حظرت مع ياسمين مئات العمليات وصرت بالتأكيد قادرا على القيام بها. فاطمة ستكون ضمن فريقك كطبيبة تخدير وطارق فني الجراحة ونهال معدة

العمليات ونور جراحة مساعدة.

نور : - ولكن.. أنا مجرد طبيبة عادية.. لا أستطيع

- كلا تستطيعين. أنا أثق بقدراتك جيدا نور أما آدم وفرح وحنين فكلّ

عملنا يتوقف عليكم بالأساس فلنكن يدا واحدة.

حنين: - ألم يكن من المفروض أن يأتي الطبيب خليل معنا؟

فرح: - كان سيأتي ولكنه كلّف بإجراء عملية الوزير فبقي هناك

حنين: - يا له من انتهازي! كيف يتخلى عن...

- كفى حنين أنا التي طلبت منه ذلك. لأن جراحة الوزير كانت من المفروض مهمتي فسلمتها إياه كي أتمكن من الذهاب

طارق: - لأنه وزير قام على الفور بالمجيء إلى مصحة خاصة واختارك بنفسه باعتبارك أفضل جرّاحة عربية. لمَ لمْ يذهب للعلاج في المستشفيات الحكومية التي أسّسها لأفراد الطبقة الوسطى فالسفلى؟ أجيبكم؟ لأنه الأدرى برداءتها وبتدنّي الخدمات وندرة الكفاءات فيها.

آدم : - كما حدث مع أختي الصغرى

سليـم : - ما الذي حدث لها؟

- كفاك فضولا سليم!

آدم : - أظنك ستكون من الذين تتحكم بهم نساؤهم عن قريب سليم. ههههه كل الحكاية أننا كنا نقطن في حي فقير. لم يكن معنا المال الكافي كي نجري عملية في مستشفى خاص لأختي المصابة بالورم فاصطحبناها إلى مصحة عمومية، كانت أشبه ما يكون بإصطبل للأحصنة أو بمرعى للأغنام. فازدادت حالة أختي سوءا بعد الجراحة وأوشكت على الموت ثم..

جاسر: - ماذا حدث في ما بعد؟

نظر آدم إليّ مبتسما فربتت على كتفه قائلة:“ ثم شفيت أخته وعادت سليمة معافاة والحمد لله فلنغلق هذا الموضوع عن إذنكم” مضيت إلى الطابق السفلي للسفينة بينما بقي آدم يخبرهم ببقية القصة

آدم: - الدكتورة ياسمين هي التي رأتني يوما هائما وكنت متربّصا حينها فلما أخبرتها بمصابي وقفت إلى جانبي وقامت بالجراحة متخلّية عن أجرتها بل ودفعت بقيّة مصاريف المصحة.

مريم: - هي حقا مذهلة استطاعت أن تجمع بين العلم والخلق. تعيينها

كأفضل طبيبة عربية وفوزها بجائزة نوبل للطب لم يجعلا منها شخصا مختالا ولا مغرورا بل بالعكس زاداها تواضعا. ورغم أنها تصغرنا سنا إلا أننا نعتبرها قدوة يحتذى بها. سليم أنت محظوظ جدا بضفرك بخطيبة مثلها.

سليم: - هذا مؤكد. ياسمين أفضل هدية وهبها الله لي، هي خطيبتي وابنة عمّي وحبيبتي وصديقتي. أروع ما في حبنا أنه ليس له عقل ولا منطق. أجمل ما في حبنا أنه يمشي على الماء ولا يغرق.

طارق: - ما هذا سليم أصبحت شاعرا! أحسنت كلماتك تبدو مؤثّرة.

مريم: - إن كانت تروقك هذه الكلمات وتبدي إعجابا بها فلمَ لمْ أسمعك تتفوه بها قط منذ أن تزوجنا؟

طارق: - عزيزتي لا تغضبي. هل عندك شكّ أنك أحلى امرأة في الدنيا وأهم امرأة في الدنيا وأني حين عثرت عليك ملكت مفاتيح الدنيا. ما رأيك في هذه الكلمات ألا تبدو شاعرية أكثر من عبارات سليم؟

مريم: - وكأنّها كلماتك وليست كلمات نزار. كفاك سخفا وانظر إلى سليم

كيف يتغزل بحبيبته وتعلم منه.

سليم: - آه... مريم... ما أود أن أقوله...لأكون صريحا ... ما قلته أيضا كان من كلمات نزار وليست كلماتي.

طارق: - شكرا لك سليم أنقذتني هذه المرة.

في المعسكر الإسرائيلي

وقف جاكوب أمام مكتب الجنرال روبن ثم طرق الباب.

روبن: - أدخل.

جاكوب: - احترامي سيدي. بلغني أنك طلبتني.

روبن: - أجل اجلس جاكوب.

نهض روبن من مكانه وأتى جاكوب فربّت على كتفه ثم جلس على كرسي مقابل له.

روبن: - لقد قدّمت لنا عديد الخدمات جاكوب وبينت إخلاصك الكامل وولاءك التام للجيش الإسرائيلي. وفي كل مرة تكلف بمهمة إلا وقمت بتأديتها على أكمل وجه غير أني الآن أرى أنها أصبحت مهاما بسيطة لا تليق بقائدنا الشجاع وحان الوقت لنكافئك بمهام ترقى إلى قدراتك الجسيمة. ما رأيك؟

جاكوب: - سأقوم بكل شيء في سبيل أراضينا المقدسة.

روبن: - ممتاز! فلنبدأ بالعمل. اللّيلة على ضفة الساحل هناك باخرة

ستصل حاملة على متنها أطباء وأدوية ومرفقات علاجية. وأنت بالطبع أعلم مني بحالة العقيد بنيامين أليس كذلك؟ فقدنا الأمل تقريبا وعجز كل مختصّينا عن مداواته، ولكنّ على متن تلك الباخرة من هي قادرة على تحقيق هذه المعجزة. عليك أن...

جاكوب: - حاضر سيدي.عن إذنك.

خرج جاكوب من مكتب روبن قاصدا مكتبه وحينها رنّ هاتفه

جاكوب: - أجل ميريكا

ميريكا: - أنا عند أبي في المستشفى العسكري، تعال لاصطحابي في طريقك للعودة.

جاكوب: - لن أعود الليلة، لدي مهمة سأغلق الخط

ميريكا: - جاكوب ...جاك..ألو.. تبا لك!

مضى جاكوب إلى الثكنة كي يجهز فريقه بينما كنا لا نزال على متن الباخرة

أين وقفتُ بجانب سليم متمسّكة بالحاجز أتأمل زرقة مياه البحر وأمواجه

الغاضبة

سليم: - ما بكِ؟

- لا أعلم سبب تشاؤمي ولكني لست مرتاحة أبدا. إحساس غريب يداهمني بين الحين والآخر

سليم: - كفي عن التشاؤم ياسمين لم أعهدتك هكذا أبدا، ماذا دهاك؟

أنظري لم يعد يفصل بيننا وبين فلسطين سوى مسافة ساعة تقريبا

- آمل ذلك!

مضت تلك الساعة هادئة على متن الباخرة وقلوب من عليها تنبض إمّا خوفا وإمّا فخرا وإمّا إحساسا بعظم المسؤولية التي عهدت إلينا. بين متفائل باقتراب الوصول وبين متشائم بانعدام القبول مرت تلك الساعة أخيرا. ورست الباخرة وحطت رحالها في الميناء أين نزلنا وهنأنا بعضنا البعض على السلامة. هناك حيث كان جاكوب رفقة جنوده بانتظارنا لتنفيذ الخطة. فلما رأى الصحافة العالمية تهب نحونا خيّر تأجيل الأمر حتى لا يثير بلبلة. فتظاهر بالقيام بإجراءات أمنية اعتباطية وعمد إلى التثبّت من جوازاتنا تباعا. فلما وصل إلى سليم لمح الكوفية بعنقه فهمس في أذنه مبتسما: “ كم سيكون لطيفا لو نزعتها بطواعية ” تجاهله سليم ومرّ إلى الأمام. وأتى دوري فلما تثبّت من هويتي بقي يحدّق النظر بي وجعل يشير خلسة إلى جنوده أنّي أنا الهدف. ثم مضينا جميعا وصعدنا الحافلة التي نقلتنا إلى غزة بينما ركب جاكوب سيارته وسار في طريق مختصر فما كدنا نبلغ المعبر حتى وجدناه قد سبقنا إلى هناك.

مريم: - لمَ أتوا؟ ما الذي جاء بهم ثانية؟

جاكوب: - انزلوا جميعا هيا تحركوا!

نزلنا فمدّ الجنود أسلحتهم نحونا وأمرونا بالجلوس على ركبتينا رافعين أيادينا إلى الأعلى ففعلنا. وبقي بعض العساكر يشيرون إلينا بالبندقيات نصب أعيننا في حين عمد البقية إلى إنزال المعدات بأمر من جاكوب الذي فتحهم برجله فصاح فيه سليم “ ما الذي تفعله؟ ” ضحك حينها ولم يجبه ثم التفت إلى أحد الجنود وأمره بأن يأخذ الصناديق إلى سياراتهم فصرخت فيه: “ دع هذه الأدوية حالا فهي ليست من حقكم. اتركها على الفور”

انحنى جاكوب واقترب مني فنظر إلى عيناي المضطربتين ثم هتف: “ من الجيد أنا علمنا مسبقا بخوفك على الأدوية وأنك لا تريدين أن تتركيها بمفردها فارتأينا اصطحابك حتى تؤنسي وحدتها وتحسني رعايتها ” وأشار بإصبعه إلى اثنين من الجنود فأمسكا بي وأخذا يقتادانني إلى السيارة بينما كنت أصخب وأصدح وأدوّي: “أتركوني، أتركوني، دعوني” وثب سليم ليخلصني فمسكوه وأوهطوه ضربا مبرحا. فلما هبّ طارق وعمر للدفاع عنا سحب جاكوب فرده وصوب نحوهما رصاصتان اجتاحت الأولى رأس عمر وغاصت الثانية في أعماق قلب طارق. رغوت حينها وذهلت كما صدم البقية وجعلت أضرب بيدي وأحاول الإفلات حتى ركضت نحو المصابين ونزلت على ركبتاي أهتف: “عمر أرجوك تحمل، طارق كن قويا رجاء، سوف أحاول إنقـ.....” وانقطع صوتي حينما هالت على رأسي ضربة أحد الجنود ففقدت

على إثرها وعيي وحملني جاكوب عندها إلى سيارته كما اقتيد سليم معهم وركبوا ومضوا في حال سبيلهم تاركين وراءهم أناسا بللت دموعهم تراب الأرض يبكيان زميليهما اللذان فارقت أرواحهما الطاهرة جسديهما وانتقلا إلى الرفيق الأعلى.

وغابت الشمس وراء الغيوم فاسودت السماء وهطلت الأمطار بغزارة ترثي شهيدين في أول ليلة لهما على أرض فلسطين الزكية أين فارقا الحياة بثغر باسم ووجه يشع نورا وإشعاعا.

في زنزانتي

في معسكر تل أبيب الرئيسي، في الطابق الثاني وفي الزنزانة الرابعة عشر تحديدا كنت ضمن الآلاف من أسرى القضبان المكتفين بالأغلال. فتحت عيناي وحولقت بهما في السقف فلم أعرف مكاني. رفعت رأسي ببطء ولم يزل يؤلمني واستدرت فوجدت نفسي في قفص صغير برائحة قذرة. تذكرت للتو ما حدث ليلة أمس لزميليّ ففاضت عيناي من الدمع حتى انخرطت في نوبة بكاء حادة. ثم تذكرت سليم فامتلكني الذعر ولم أدري أكان حيا أم ميتا! انتصبت ورحت أضرب الأعمدة المصددة وأنادي الحارس وأضج: “ ماذا فعلتم به؟ سليم.. سليم.. سليم أين أخذتموه؟” فلم يجبني أحد. التفتت فرأيت المكان أشبه بمحل بيع العصافير. القفص بجانب القفص في سلسلة طويلة ممتدة غير متناهية. استدرت على يميني فرأيت امرأة عجوزا باهتة، خاذلة، خائرة القوى فسألتها: “ خالتي ألم يأتوا بشاب آخر معي البارحة ؟” فجعلت تدير رأسها نفيا فاستفهمت أطفالا صغارا في الزنزانة بجانبي الأيسر فنفوا ذلك أيضا فارتعبت وجزعت وخشيت أن يكون قد قتل وعدت أدوي وأصيح على الحراس حتى ظهر أحدهم ففتح الزنزانة وأخرجني “ أين أخذتم سليم؟ ماذا فعلتم به؟ ” فتجاهلني وأخذا يقتادني غصبا حتى أدخلني مكتب جاكوب ثم غادر. نظرت إلى ذلك القابع على كرسيه وسألته ذات السؤال فقهقه وسألني:

- مالي أرى الدموع تنسكب على وجنتيك أخوف هذا أم حزن على صديقيك؟

- أبدا فالموت من غاياتنا والشهادة أسمى أمانينا وليس أحب إلينا من أن نتوفى في ثالثة الحرمين ونزفّ في الفردوس شهداء.

- كالعادة تردّدون نفس العبارات التافهة! وماذا عن سليم إذا؟

- إن كان حيا فكن على ثقة تامة بأنه سيكون سلاحا في وجه كل حيوان غاصب مختبئ في شكل هياكل بشرية من أمثالك أو لعلك دون تلك المرتبة.

لم يستطع إيتان تمالك أعصابه فرفع يده عاليا وصفع بكفه وجهي بقوة حتى تفطرت وجنتاي وتشققت شفتاي وسال منهما الدم فدمعت عيناي من الألم ولكني كنت مصرّة على الظهور في هيأة الفتاة القوية التي لا تخشى شيئا فتماسكت ورسمت ابتسامة مصطنعة ثم أردفت: “ سحقا لك. يالك من كائن ضعيف تحجب ضعفك وتغطي عجزك بالعنف. أنت حقا مثير للشفقة ” رفع حينها يده ليلطمني ثانية لولا أن طرق الباب فأنزل يده وسمح للطارق بالدخول فتقدم أحد العساكر وقال: “ احترامي سيدي ، العميد روبن يطلبك في مكتبه حالا رفقة الطبيبة ” فأومأ إليه جاكوب بأنه سيفعل وأمسك يداي المكبلتان ومضى بي إلى هناك قائلا:

-كثيرون هم من دخلوا بلسان وقح كهذا الذي عندك وسرعان ما أصبحوا قططا بل هررة ناعمة وستصبحين منهم عن قريب.

- ولو كان جميع من دخل هنا قد تغير وصار حملا وديعا فتأكد بأني سأكون ذلك الثور الغاضب الثائر بمجرد رؤية وجوه كذاك الذي عندك.

دخلنا مكتب روبن فقام من مكانه ورحب بجاكوب قائلا :

روبن: -أبديت نجاحك ككل مرة. تهانينا جاكوب

جاكوب: - شكرا سيّدي العميد.

روبن: - ولكني أعيب عليك معاملتك لطبيبتنا الفاتنة والمجتهدة بهذه القسوة! أطلق يديها فنحن لا نعامل أطباءنا بهذه الطريقة وخاصة الجميلات من أمثالها

- انزع يدك عن وجهي ولا تقل أني طبيبتكم حتى لا تثير شفقتي مجدّدا

روبن: - لا..لا..لا،هكذا سأغضب منك فاحذري غضب الهادئ. أنت من اليوم صرت طبيبة الجيش الإسرائيلي.

- ههههه، غريب حقّا. لا يظهر على محياك كل هذا الغباء. ألا تسمع؟ أخبرتك بأني لن أفعل هل أعيدها مرة أخرى؟

روبن: - الأمر لم يعد خيارا لك عزيزتي. ستكونين مجبورة على فعل هذا والليلة ستقومين بعملية للوائنا بنيامين.

- أظنّ أن روح الدعابة عالية لديك، كيف صوّر لك خيالك أني سأنقذ شخصا لو كان بيدي سلاح لقتلته في اليوم ألف مرة، تريد مني إنقاذ ذلك الوحش يا إلاهي هذا حقا مضحك ! بت في حيرة من أمركم كيف صورت لكم أنفسكم وألهمكم خيالكم أني سأعالج ذلك النذل الذي ارتكب المجازر وانتهك الحرمات أتعرف كم شخـ...

احمر وجه روبن فجأة وتصاعد الدم في عروقه ثم مسك وجهي وراح يضغط على فكّي والشرر يتطاير من عينيه ثم جلجل: ” اعرفي حدودك جيدا ولا تتمادي ” عاد إلى مكتبه فرفع السماعة وأجرى مكالمة ولم تمر ثواني حتى حضر الجنود رفقة الأطفال الأسرى الذين لمحتهم في السجن منذ قليل واصطف الأطفال وانتصب الجنود أمامهم رافعين أسلحتهم في وجوههم وبعض الصغار يبكون ويستغيثون من شدة الذعر حتى تعرّقوا وارتجفت أطرافهم. صغار لا يتجاوز عمر أكبرهم العاشرة. أحسست بالاختناق وضيق التّنفس وكأن شراييني قد تصلبت وتملّكني الدوار واختلّ توازني وثقل رأسي حتّى أصبحت لا أستطيع حمله وشعرت بالحزن حتى تحجّرت دموعي في مقلتي وانكفأت إلى الدّاخل فقد فهمت الرهان الذي وضحه روبن صادحا: ” اختاري أما أن تجري العملية الليلة وتنقذي حياته وإمّا سيموت هؤلاء نصب عينيك الآن ” انتابني صمت عميق، شرود وذهول غريبين فلا استغاثة أطفال في عمر الزهور تسمح بتجاهلهم ولا ضميري وكرامتي يبيحان لي مداواة شيطان من الإنس. وتشابكت الأفكار في رأسي فقيّدتني وكبّلتني وشلّت حركتي وجعلتني سجينة حيرة أخذت تنهش عقلي.

وأشار روبن إلى جنوده فاستعدوا ووضعوا أصابعهم على الزناد فصمدت وتحاملت على نفسي وفككت قيودي ولم أجد أخف ضررا من القبول فلما سمع ذلك مني أمرهم بإعادة الأطفال إلى أماكنهم وأنا أقبع مع نفسي أحاورها في حزن ثم نادى روبن مساعده أبراهام ليأخذني إلى المستشفى العسكري المتصل بالمعسكر حتى أستطلع حالة السقيم وقال أنه سيلحق بنا بعد قليل. وجرني كلبه الوغد إلى الخارج ـ وقد لفحت قلبي هبّة من انفعال شديد فاستولت عليّ حالة مريرة ملوّثة بالغضب وغمرني جوّ مشبع بالحقد.

جاكوب: - سيدي كيف تثق بأن بإمكانها مداواته ماذا إن لم تستطع؟

روبن: - كي يعيش الزعيم فلا بدّ أن يخضع لعملية لإصلاح تمزق في شريان الأورطي للقلب وللأسف تعتبر هذه الجراحة من أكثر العمليات المستصعبة والدقيقة للغاية ولم يتمكن من إجرائها إلى الآن سوى اثنان. الأول هو الدكتور بيتر فردريك أستاذ تلك الفتاة في أمريكا والذي توفي منذ أشهر.

والثاني هي هذه اللئيمة الوقحة. جاكوب تأكد أنها ستكون مكسبا كبيرا لنا وأظن أننا بنو إسرائيل وشعب الله المختار أحق ببارعة مثلها. وستكون أنت المسؤول عنها منذ اليوم .

جاكوب: - حاضر سيدي عن إذنك

روبن: - جاكوب! بمجرد أن يستفيق الجنرال بنيامين سيعلي من شأنك كثيرا نظرا لأنك صهره أوّلا والسبب في إنقاذه ثانيا. سيكون شفاؤه لصالحك.

خرج جاكوب ولم يعره اهتماما. دخل مكتبه فتفاجأ بوجود امرأة بيضاء البشرة شقراء الشعر جالسة في انتظاره

جاكوب: - ميريكا، ما الذي جاء بك إلى هنا؟

ميريكا: - اشتقت إليك كثيرا حبيبي.

جاكوب: - ميريكا أنا مشغول الآن، أجلي البوح بمشاعرك لوقت لاحق.

ميريكا: - بتّ تتهرب كعادتك! على كل لا تهتم لم آتي من أجلك. جئت لأتأكد من الخبر. أحقا عثرت على طبيبة مناسبة لتقوم بجراحة أبي؟

جاكوب: - أجل. سيخضع للعملية بعد قليل.

ميريكا: - إذن فلنذهب إلى هناك سويا. أريد أن أحضر العملية.

في غزة بات جميع أصدقائي على أثر تلك الفاجعة، فقدوا أربعة منهم فجأة وفي آن واحد. اثنان منها استشهدا واثنان لا خبر عنهما ولا يعرفون لهما سبيلا. وما عمق آلامهم وضاعف أحزانهم إلا حالة الفلسطينيين. هناك، حيث عمّ المشفى بالجثث والجرحى مع تواصل القصف حتى عجز الأطباء على كثرتهم على تغطية حجم الضحايا. كان الوضع صعبا في القطاع مع تشديد الحصار لدرجة انقطاع الكهرباء واللجوء إلى المولدات الكهربائية. منعوا عنهم الأسلحة والأدوية وحتى المواد الغذائية فلا وجد الأهالي ما يطعمهم من جوع ولا ما يؤمّنهم من خوف حتى أصبحت حياتهم أشبه بالجحيم. نار تلك الجحيم كانت تشتعل في فؤادي وأنا أقف أمام المساعدين أشرح لهم ما سنقوم بفعله من تخدير المريض وتحضير للعملية. ثم البدء بالجراحة و كيف تتمثل في فتحة في الصدر حيث يتم قص عظمة القص منتصف الصدر طوليا ويتم فتحها بجهاز معين يفتح الصدر طوليا حوالي 15 سم إلى 20 سم ويوسع القفص الصدري بجهاز معين لنتمكن من الوصول إلى غشاء التامور المغلف للقلب حيث يتم فتحة للوصول إلى القلب ويظهر أمامنا القلب والشرايين الخارجة منه ويتم معاينة المجال الجراحي ثم تبدأ مرحلة وصل الدورة الدموية الاصطناعية حيث يتم تحويل دم المريض كاملا" إلى جهاز معين أسمه القلب والرئة الاصطناعية أين يتم هناك أكسدة الدم وضخه للمريض أثناء توقف القلب. بعد وصل الدورة الدموية الاصطناعية والبدء باستخدامها وفصل الدورة الدموية الطبيعية. يتم توقيف القلب عن العمل بواسطة محلول معين وظيفته شل عضلة القلب وحمايتها أثناء توقف القلب لأجراء العملية المطلوبة لإصلاح التمزق في الشريان الأورطي للقلب .

كان سقف الغرفة بلوريا بطريقة تسمح للراغب في المشاهدة أن يرى كل ما يحدث نصب عينيه من الأعلى وقد صممت خصّيصا لجراحات القادة والشخصيات المفصلية في إسرائيل. رفعت رأسي إلى الأعلى فرأيتهم قد اجتمعوا جميعا ليشهدوا إنقاذ زعيمهم وإبادة طبّي وإفناء إنسانيتي. أحضروا لي سمّاعة أُذُن تربطني بجاكوب الذي كان من جملة الجالسين صحبة زوجته ميريكا. والذي أشار لي أن أبدأ مهددا إياّي بأن العملية إذا فشلت فحياة الأطفال ستنقضي على الفور. ووقفت بارتباك شديد وجسد مرتعش ثم باشرت العملية فخيم الهدوء على الغرفة ولم يُسمع فيها غير كلماتي المتتالية: ” مشرط... مقبض.. مقص..ملقط... ” وتواصلت الجراحة مطوّلة شاقة. وفجأة انقطعت عن العمل فبهت الجميع ومكثوا ينتظرون مني أن أكمل فلم أفعل. حينها صدح جاكوب : لم توقفت؟ ما بك؟

- لن أكمل العملية إلا إذا أخبرتني ماذا حل بسليم فورا.

- ياسمين واصلي عملك وإلا مات الأطفال أمامك الآن.

- إن قتلتموهم فزعيمكم أيضا ميت لا محالة .

- ياسمين لا تتحديني وأكملي الجراحة وإلا ستخسرين.

- وزعيمكم المفدّى سيخسر أيضا، سيفقد حياته للأبد. لن أكمل قبل أن تخبرني بمكانه.

توتر جاكوب كثيرا وشعر أنه تحاصر من كل الجهات فقال:

- حسنا أكملي وسأخبرك فور الانتهاء من الجراحة.

- ما الذي يضمن لي صدق حقير مثلك؟

- ياسمين أنا أعدك بهذا أمام الجميع هيا واصلي العملية.

- سأصدقك هذه المرة مع أني أعلم أنك من الذين إذا وعدوا أخلفوا وإذا اؤتمنوا خانوا وإذا حدثوا كذبوا.

روبن: - هل تريد هذه اللعينة أن نفصل رأسها عن جسدها فتكون عبرة لغيرها أم ماذا؟

جاكوب: - ستكمل الآن. كن هادئا سيدي.

استأنفت العملية حتى فرغت منها وتركت لأطبائهم إخاطة الجرح ومضيت. نزعت ثياب العملية والكمامة عن وجهي وغسلت يداي ثم صعدت إلى الأعلى فسألوا لمَ لمْ يستفق بعد فأكّدت لهم أنه بحاجة إلى سويعات من الراحة كي يستفيق ولكن العملية قد نجحت. فرحوا جميعا وتهافتوا بهذا الخبر أو تظاهروا بذلك إن صحّ التعبير وتهلل وجه ميريكا سرورا وانشراحا وتسارعت إلى أحضان جاكوب لترتمي فيها، ثم نزلت إلى الأسفل لتطمئن على والدها وغادر بقية القادة بين مسرور لحياة بنيامين وتعيس لخيبة أمله في الظفر بمكانة هذا الأخير . ولم يبق في الأعلى غير جاكوب وأنا. نظرت إليه فترجم نظراتي وذهب إلى طرف القاعة يجري اتصالا. وبعد لحظات دخل علينا أبراهام بكيس أسود في يده سلّمه لجاكوب ثم خرج. فتقدم مني هذا الأخير وألقى بذاك الكيس على الأرض قائلا :“ ها قد وفيت بوعدي ”

انحنيت ورفعت ذلك الكيس ثم فتحته وبقيت في مكاني أنظر في دهشة دون أن أتكلّم وكأنّني في حلم، بل في كابوس لعين وعيناي الواسعتان تتساءلان في استفهام: “ أيكون قد مات؟” لم أجد في ذلك الكيس سوى ملابس سليم والكوفية التي كان يرتديها بعنقه. كانت أدباشه ملطخة بالدماء. شعرت أنّ الأفكار تسقط من ذاكرتي المتعبة، وازدحمت الصّور في مخيّلتي حتّى عدت لا أرى شيئا. سرت في جسمي من قمّة رأسي إلى أخمص قدميّ رعدة كانت أعنف ما يمكن لأوصالي وصرخت إجهاشا يمزّق الأكباد “ هل مات؟ أحقا مات؟ أحقا لن أر سليم مرة أخرى؟ أجبني أيها المجرم أجبني” نظر إلي إيتان وقد وقعت على الأرض من أثر الفاجعة ثم ردّ : “ أجل، هذا جزاء المتطاولين فلتعتبري” كانت الدموع تنسكب من وجنتاي تباعا بلا توقف وجعلت أسأل بغصة بالغة والشهقة تملأ حنجرتي: “ لماذا؟ ما الذي فعله؟ بم أذاك كي تفعل فيه هكذا ؟ لماذااا أيها الكلب” نهضت شيئا فشيئا وانهلت عليه ضربا ولكما في صدره بيداي الضعيفتين. حتى ضرباتي لم تكن موجعة من فرط الوهن الذي شعرت به حتى سقطت على الأرض وبقيت ممسكة بربلة ساقه أضربها وأسأله لم فعل هذا بصوت متقطع ونحيب متصل وبكاء مسترسل. كان الحزن يمتصّ قلبي امتصاصا فيسلبني قوتي ويقضي عليّ شيئا فشيئا. خلّص جاكوب ساقه من يدي وغادر فبقيت وحيدة أذرف الدموع طيلة الليل متكئة على الحائط. لقد فقدت اليوم خطيبي وابن عمي وصديق طفولتي، اعتراني ندم شديد، ليتني استطعت أن أحبه كما أحبني، ليتني عندما سألني عن مشاعري تجاهه لم أخبره بأنه أخ بالنسبة لي ليس أكثر. ليتني عندما سألني لم قبلت طلبه للزواج إذن لم أخبره أني وافقت لأني وجدت فيه الرجل المناسب وأني أؤمن أن الحب يأتي بعد الزواج، ليتني عندما طلب مني أن تكون هذه الرحلة فرصة ليتأكد كل منا من مشاعره تجاه الآخر لم أحرجه وأخبره أن مشاعري مادامت لم تتغير لعشرين سنة فلن تتغير الآن. ليتني وليتني... كانت السّاعة تتنقّل ببطء، والوقت يمضي متثاقلا يضني النّفوس مشحونا بالأم والندم.

في الخارج كان جاكوب لا يزال منهمكا في عمله في المكتب، رفع رأسه وألقى نظرة على الساعة الحائطية المعلقة فلما رأى أن الوقت قد تأخر حمل ملازمه وخرج ثم تذكرني أمام الباب فعاد أدراجه إلى المصحة ووجد الحارس لدى الباب.

جاكوب: - هل اصطحبتم تلك الفتاة إلى زنزانتها؟

الحارس: - آه، ماذا؟ عفوا سيدي نسيت هذا أنا آسف سأنقلها على الفور

جاكوب: - انتظر لحظة

دخل جاكوب خلسة ورائي فلم أتمكن من رؤيته في الظلام الدامس ولكنه على الأغلب رآني أو سمع شهيقي وأنّاتي وسرعان ما خرج ثم خاطب الحارس

جاكوب: - لا بأس دعها هنا الليلة .

الحارس: - حاضر سيدي، كما تشاء.

وطلع الصّبح وتبدّد الحلم وقد غفوت فلم أفق إلّا على صوت جاكوب. فتحت عيناي فرأيته واقفا صحبة ميريكا وروبن وآخرين تفاجؤوا بوجودي روبن: - ماذا تفعلين هنا إيسمين؟

- اسمي ياسمين وليس إيسمين.

روبن: - إيسمين اسم يهودي ويناسبك أكثر ما دمت قد أصبحت واحدة منا. هل أفاق الزعيم بنيامين؟

- مُرْ أحد الأطباء أن ينزع عنه أثر البنج وسيستفيق. أريد أن أعود إلى غزّة. ها قد أنقذته، دعوني أذهب.

روبن: - ألم تسمعي ما أخبرتك به البارحة أم أنّك نسيت بهذه السرعة؟ من اليوم صرت طبيبة لهذا الجيش ولذا لن تغادري هذا المعسكر إلى آخر رمق من حياتك أفهمت الآن؟ هيّا خذوها إلى زنزانتها !

الجندي: - حاضر سيّدي.

الجنرال هومز: - مبارك ميريكا، ها قد عاد إلينا والدك اللّواء بنيامين بسلام

ميريكا : - أبي، أبي هل تسمعني؟ ، أبي.. آه.. انظروا لقد فتح عينيه أخيرا.

روبن: - هنيئا على سلامتك سيدي

بنيامين: - اطمئنوا..لن أموت قبل أن أقضي على جميع الفلسطينيين وأمسح أثرهم.

ميريكا: - أبي. لقد أخفتنا عليك، استرح الآن ولا تتعب نفسك بالكلام.

روبن: - ههههه سنسترجع أرضنا يا سيدي وسننتصر لا محالة.

ميريكا: - هؤلاء كانوا عبيدا لنا من البداية وخدما تحت أقدامنا وسيبقون هكذا إلى الأبد فلا تقلقوا جميعا. المهمّ أن تتعافى الآن يا أبي.

بنيامين: - ما بك جاكوب؟ لم لا تقول شيئا؟

جاكوب: - آه.. كلا.. أنا سعيد بعودتك سالما ولكن لدي عمل. عن إذنكم!

بنيامين: - ولاؤه وتفانيه في خدمة جيشنا وعزمه الشديد على الانتقام يجعلانني أفخر بتربيته وبتزويجه ابنتي.

هومز: - أشاطرك الرأي سيدي فجاكوب قائد شجاع وداهية في المكر كما أنه يتمتع ببنية جسدية قوية ويحظى بفنون قتالية عالية. أحسنت الاختيار سيّدي. هل تعلم أنّه كان سببا في إنقاذ حياتكم؟

بنيامين: كيف هذا؟

روبن: - ثمّة طبيبة عربية متخرجة من جامعة أمريكية ومتحصلة على جائزة نوبل للطب أقدمت إلى هنا لتعالج الفلسطينيين فاصطدناها لنا... وبقي روبن يقص الحكاية على سيده حتى أمره بأن يحضرني إلى قصره في مساء الغد. وكذلك فعل إذ قدم أبراهام فأخرجني من قفصي وأخذني إلى جاكوب الذي مسك يدي وأمرني أن أذهب معه ورغم أني نزعتها بقوة ألّا أنه مسك ذراعي ثانية وجرني حتى أركبني في سيارته فلما وصلنا القصر ودخلنا الحديقة هبّت ميريكا نحوه وطبعت على جبينه قبلة

ميريكا: - لمَ لمْ تأت البارحة؟ قلقت عليك كثيرا. حتى هاتفك كان مغلقا.

جاكوب: - انهمكت في العمل ونسيته.

دخلنا وهو يقتادني إلى هناك حتى لقينا بنيامين جالسا على الأريكة المقابلة وجلس الجميع بينما بقيت واقفة.

بنيامين: - بإمكانك أن تجلسي

- لم أتعود الجلوس على الكراسي النجسة المدنسة.

قام من مكانه متظاهرا بالابتسامة فتقدم تجاهي وما لبث أن صفع وجهي حتى وقعت على الأرض ثم قال: “ لا تحسبي أن إنقاذك لحياتي، يبيح لك التطاول علي. فلتعتبري هذه الصفعة مصافحة أولى للتعرف” ومد لي يده ليوقظني فتركتها ممدودة ونهضت بمفردي فأضاف: “ جاكوب، على طبيبة الجيش الإسرائيلي أن تكون قوية البنية أريد منك أن تدربها متى استطعت ”

جاكوب: - حاضر

بنيامين: -ستبقى تحت وصايتك دائما. فاعتني بها ولا تتركها تقطن في زنزانة. أسكنها في إحدى غرف الطابق الثاني للمعسكر كي تكون قريبة منك دائما وتحت رقابتك. أنت المسؤول عنها إذا هربت.

جاكوب: - لا تقلق سيدي

بنيامين: جيّد. اتبعني إلى الداخل إذن... غدا سوف يقف الحجيج على الحدود ليذهبوا إلى مكة، نريد أن نمنعهم من المغادرة وأن ننسفهم

جاكوب: - وماذا عن الرأي العام سيّدي؟

بنيامين: - ههههه سنتصرف كعاداتنا. في الأساس لسنا نحن من سيقضي عليهم، مجرد الانتظار في تلك الشمس الحارقة بدون قوت أو مأوى ومع كبر سنهم سيقضى عليهم. وإن صارت مناوشات واشتباكات فسنقطع الرقاب. ”

كنا في طريق العودة عندما طلبت من جاكوب أن يوقف السيارة لأنني أحسست بمغص في معدتي وبحاجة إلى التقيئ. أوقفها فنزلت ثم نزل خلفي ابتعدت قليلا وتظاهرت بمحاولة الإستفراغ ثم أخذت أجري بأقصى سرعتي محاولة الهروب. وانتبه إليّ فأخذ يلحق بي. حاولت الإسراع وواصلت الركض بدون أن ألتفت إلى الوراء وفجأة وقعت على الأرض. كنت أحاول أن أتجشّم عندما وجدته يقف أمامي ضاحكا: ” محاولة غبية ” ثم جلس القرفصاء وسأل: “هل تأذيتي؟” فأجبته بحدّة ”ما شأنك؟ ” نهض ثم أمسك بي حتى أركبني السيارة مرّة أخرى.

جاكوب: - لم تحاولين الهروب؟ ما الذي ينقصك هنا؟ وضعك أفضل من وضع الأسرى بكثير: غرفة خاصة، طعام وشراب، تزاولين عملك... ماذا تريدين أكثر؟

- آسفة. ولكني أريد شيئا لن تفهمه أبدا طيلة حياتك وربما أيضا بعد مماتك. شيء يسمّى عزّة أو يكنّى كرامة. من المؤكد أنك لم تسمع بأشياء كهذه من قبل! وأنّى لأمثالك أن يفهموا هذه الأشياء؟ أنتم مجرد عبيد تتلقون الأوامر وتنفذونها مهما ارتفعت منازلكم تبقون عديمي النخوة...

وعلى حين غرّة ضغط جاكوب على الفرامل حتى ارتجّت السيارة ووقفت. ثم نزل فانحنى وأمسك بهرّة صغيرة عرجاء تجوب الطريق فوضعها على الرصيف ثم صعد وانطلق مجدّدا. بقيت شاخصة لا أفقه شيئا. كيف أمكن له أن يقتل البشر وينقذ الحيوان؟ أيكون هذا الذي بجانبي جاكوب المجرم القاتل ؟ وددت لو أسأله فلم أجد بدّا وتجاهلت القصة فأردف: “عن ماذا كنا نتحدّث؟ آه... عن الكرامة أريد أن أسألك بدوري: هل أنت مختلفة عنّي؟ من هنا فصاعدا أنا أنفّذ وأنت تنفّذين، الفرق أنني أنفذ بقناعة تامة، أنفذ ذلك بفخر، أنفذ وأنا أسترجع حقّي وحقّ أمي وقومي وبلدي، أنفّذ وأنا هنا قائد الوحدات وآلاف الجنود تحت إمرتي. ماذا عنك؟ أنت تنفّذين خوفا ورضوخا واستسلاما، تنفذين وتذعنين للقرارات وتطبقين المطلوب بلا إرادة وبلا قناعة. في المرة القادمة أنصحك أن لا تتصرفي وكأنك أفضل مني حالا ها قد وصلنا هيا انزلي...آه قبل أن أنسى... أنصحك أيضا أن لا تحاولي الهروب مرة ثانية”

- لست في حاجة إلى النصح من خسيس بلا ذمّة مثلك.

لم استطع قول غير هذه الكلمات للأسف انعقد لساني أمام إهاناته. لو عشت ذلك المشهد مجددا لكان لي جواب ثان وحجج ثانية أدافع بها عن نفسي وأورّطه غير أن الكلمات ضاعت مني فجأة في تلك اللحظة وبت عاجزة على ردع إحساسي بالذل والمهانة أمام عباراته. فتحت باب السيارة لأنزل وفجأة رنّ هاتفه تناوله من جيبه ثم أجاب:

- ماذا هناك ميريكا؟ .. أجل.. حسنا سآتي.

أظنني وجدت الفرصة للتوّ لأفصح عما يختلج في صدري فالتفت إليه قائلة: - الليلة، وأنت تنام في حضن زوجتك، تذكر كم زوجا قتلت زوجته أو اعتديت عليها نصب عينيه. ربما تعرف عندها الفرق بيني وبينك .

جاكوب: - لم أغتصب فتاة قطّ في حياتي

- أتعجب من نفسي أحيانا ! لم أستغرب الكذب من قذر مثلك!

أغلقت باب السيارة بقوة ثم دخلت المعسكر فاقتادني أحد العساكر إلى

الغرفة المخصصة لي. أما جاكوب فقد عاد أدراجه إلى منزله. دخل فاستقبلته ميريكا بكل ترحاب وساعدته في نزع معطفه ثم عبرت له عن اشتياقها الكبير له وتلهفها لعودته إلى البيت بعد ثلاث ليال من الغياب ثم اقتربت كي تضمّه من الخلف فنزع يديها عنه ودخل قاعة الجلوس. حزّ ذلك في نفسها ولكنها تظاهرت بأنّ شيئا لم يحدث واقترحت عليه أن يذهبا للعشاء فرفض. فعرضت عليه الخروج للتنزه ونسيان ضغط العمل فأبى. ثمّ أخبرها بأنه لا يريد الذهاب إلى غير النوم. حينها لم تستطع ميريكا تحمّل المزيد واصطناع الهدوء مجددا فصرخت في وجهه: جاكوب لم تعاملني هكذا؟ لك كل ما حاولت الاقتراب منك خطوات ابتعدت أنت أقدام؟ لم كل ما حاولت تخفيف هذا الجفاف الذي يشحن علاقتنا منذ أن تزوجنا ملأتها أنت أكثر فأكثر؟ كل هذا من أجل الإنجاب؟ لهذا صرت لا تطيقني ولا تطيق البيت؟

جاكوب: - ميريكا ما علاقة هذا الأمر ، لا تخلطي الأمور بهذه الطريقة

ميريكا: - كلا، أنا لا أخلط الأمور ولكن مشكلتك الوحيدة معي هي الأطفال.

جاكوب: - حسنا اعتبري ذلك صحيحا إذن، انظري إلى هذا البيت كم يبدو خاليا ومقفرا! ميريكا لقد ذقت ذرعا. كل ما أطلبه منك مجرد طفل صغير يملؤ هذا البيت دفئا وحنانا. هل يبدو هذا الطلب تعجيزا؟ هل يبدو صعب المنال؟

ميريكا: - طلبت منك ألف مرة أن نتبنى طفلا فرفضت ذلك بشدة.

جاكوب: - لأني أخبرتك ألف مرة بأنّني لا أفتح جمعية خيرية. أريد طفلا من صلبي،وريثا يحمل اسمي فلا تحاولي سدّ عجزك بفكرة التبنّي مرة أخرى.

وتواصل الشجار بين جاكوب وميريكا حتى حمل معطفه وغادر البيت. في تلك الأثناء كنت في تلك الغرفة فجال في خاطري كلام جاكوب وتساءلت عن مصيري هل سأستمرّ هكذا ؟ إلى متى سأبقى في هذا المعسكر؟ هل سأتحول إلى طبيبة الجيش الإسرائيلي حقّا؟ هل سأصبح ذلك الحمل الوديع ؟ بدت لي الغرفة ضيّقة، موحشة، وانكمشت داخل فراشي، بين أربعة جدران، وظللت السّاعات الطّويلة شاردة الذّهن، لا أكاد أستقرّ على حال وازدادت حالتي تأزّما وانتابتني وحدة وكآبة وسيطرت عليّ رغبة عارمة في الانزواء والهروب من أعماقي المتمزّقة وكلّما أوغلت في وحدتي أحسست بتحدّ داخلي. وفجأة سمعت صوتا. فنهضت ووقفت أسترق السمع:

الجنديّ: - سيّدي هناك فتاة صغيرة ضمن الأسرى تشكو مرضا ما.

أبراهام: - أحضرها إلى هنا على الفور.

الجنديّ: - حاضر سيدي.

وبعد قليل سمعت صوت أقدام وصوت أنين وإعوال ولكني لم أستطع رؤية وجهها عبر الثقب ففتحت الباب وخرجت

أبراهام: - من سمح لك بالخروج من غرفتك؟ هيا عودي حالا !

- دعني ألقي نظرة على المريضة

أبراهام: - عودي إلى غرفتك

- رجاءا

الجنديّ: - سيدي هذه الفتاة ابنة “سعيد شاكر”

أبراهام: - ماذا؟ ما العمل إذن؟

كنت أنظر إلى الفتاة بكل شفقة، كان تنفسها متقطعا وقصيرا تئنّ أنينا يتقطّع له القلب، ويذوب له الصّخر. أما عيناها فكانتا تعبتان، كأنها في حالة من الحمى، وكان وجهها شاحبا وكأنها في نزاعها الأخير. كان يثير في النفس مشاعر الأسى والألم إلى حد كبير. والدها أحد قيادات المقاومة وبالتالي لم يعرف أبراهام كيف يتصرف فخيّر الاتصال بجاكوب الذي وصل بعد برهة

جاكوب: - أبراهام ما الذي يحدث؟

أبراهام: - إسراء شاكر إحدى الأسيرات وابنة زعيم المقاومة تلفظ أنفاسها الأخيرة على ما يبدو

- جاكوب أرجوك دعني ألقي نظرة عليها ربما استطعت مداواتها أرجوك جاكوب: - لا أصدق ما يحدث. هل تتوسلين إليّ الآن بعد ما قلته منذ قليل.

هذه الفتاة نحن من أمرنا بقتلها فكيف تريدين مني أن أسمح لك بمداواتها

- ماذا تقصد؟

جاكوب: - نحن من أمرنا بتسميمها. هل اتضح لك الأمر الآن؟ هيا عودي إلى غرفتك ولا تتدخلي بأمور لا تعنيك.

بقيت صامتة ، أنظر إليه نظرة غيظ وحنق وفجأة ارتمت الفتاة الصغيرة على الأرض وأغمضت عينيها فترقرقت دمعة اليأس في عينيّ ولأوّل مرّة شعرت أنّ الحياة تلفظني وتتحدّاني واشتدّ بي الغضب ولم أعد أتماسك نفسي فاندفعت نحوه ولكني لم أجد قوة للصراخ واكتفيت بسؤال:

- أنت متزوج أليس كذلك؟

جاكوب: - أجل، ماذا بعد؟

أبدا.. أردت فقط أن أسأل كيف بإمكانك أن تحضن أبناءك وتمسح على شعورهم بهذه الأيادي القذرة الملطخة بالدماء؟ كيف لك أن تضمهم إلى صدرك وتقربهم من هذا القلب المريض المليء بالوحشية؟

جاكوب: - قلت أني متزوج ولم أقل أنّ لديّ أبناء.

- آه فهمت... في الواقع هذا أمر طبيعي فنحن النساء العربيات نثق بأزواجنا وبقدرتهم على منح أبنائنا الكثير من الرحمة والحب والحنان والدفء ولهذا ننجب منهم الأطفال، أمّا أمثالكم من عديمي الشرف وفاقدي الضمير فنساؤكنّ لا يثقن بكم البتة لأنهنّ يوقنّ بعجزكنّ عن منح هذه المشاعر لأيّ كان ، فكيف تريد من زوجتك أن تنجب الأطفال لمجرم مثلك؟

اخترقت كلماتي بواطن جاكوب لأول مرة على ما يبدو فلم يستطع كضم غيضه ولا أسر غضبه وقام من مكانه فعلم أبراهام مسبقا أني لن أكون بخير. اقترب جاكوب فرفع يده وصفع وجهي بكل قوة ثم صفعني ثانية وثالثة ثم جذبني من شعري وجرني إلى الحائط المقابل وأخذ يضرب برأسي عرض الحائط مرارا وتكرارا والدماء تسيل منه بغزارة ثم مسك رقبتي وضغط عليها بكلتا يديه حتى كدت أختنق ونزلت قطرة دم من رأسي النازف على يده فرفع عيناه إلى عيني الخضراوتين المتضرعتين فرأى فيهما فجأة ما شوّش باله وذبذب ذاكرته وشعرت بيده الممسكة بعنقي ترتعش أكثر فأكثر. ارتسمت في مخيلته تلك المرأة ذات الشعر البني وهي تتضرّع وتطلب الرحمة، ذلك المشهد الذي لم يغب من خياله مذ كان طفلا والذي جعله يتركني يومها. فتح أصابعه فانبجست رقبتي ووجدت نفسي أهوى على الأرض فاقدة قواي.حاولت الوقوف تدريجيا وتمسكت بالحائط كي لا أقع. كانت ملامح أبراهام توحي بدهشة وتعجّب كبيرين في حين احمرّ وجه جاكوب وحنق. شعرت بالدوار الشديد فخطوت رويدا رويدا. كانت خطواتي غير متزنة ـ أتعثر في طريقي، أميل ذات اليمين وذات اليسار، وفجأة ارتميت إلى الوراء وكدت أنحدر لولا أن مسكني أحد من الخلف بين ذراعيه، ثم رفعني وحملي إلى غرفتي وقد اتكأت عليه، مغمضة عينيّ المنهوكتين من شدة التعب .. ولم أتفطن إلا عندما وضعني في فراشي أنه كان جاكوب. وما إن خرج وانخرطت في نوبة من البكاء الموصول وانتسبت إلى وصلة من الذهول. أيعقل ما أراه؟ أيفهم ما أعيشه؟ فجأة احتجزت في هذا المكان، فجأة فقدت اثنين من زملائي، فجأة خسرت رفيق دربي وصديق طفولتي، فجأة أهنت وضربت، أصبحت أيامي مجرد مفاجآت تأتي على حين غرة وتجعلني أمام الواقع المحتوم أرضخ وأمام المصير البائس أركع. أ يُفقه ما يفعله جاكوب؟ في الصباح يقتّل الآلاف وفي المساء ينقذ القطط، قبل قليل كان يضربني ويخنقني وبعدها بثوان يحملني بين ذراعيه إلى فراشي... في حيرة من أمري أمضيت ليلتي.

أمّا جاكوب فقد عاد إلى منزله ولم يستطع أن ينام طوال الليل. ظلت نظراتي الثاقبة شاخصة في خياله، وظل مشهد ضربه لي عالقا في ذاكرته إلى أن أشرقت الشمس في الغد ونشرت أشعتها على قبة المسجد الأقصى، هناك حيث يدخل ثلة من اليهود ليؤدّوا مناسكهم ويمارسوا طقوسهم في ظل حراسة أمنية مشددة وأمن مستتب، هناك حيث انتصبت امرأة فلسطينية في عمر يناهز التسعين تسأل الحارس أن تصلي صلاة ببيت المقدس مرة قبل أن تموت فيدفعها فتسقط ويركلها فيرتطم رأسها بالرصيف فتفارق الحياة دون تلك الأمنية، هناك حيث كان المسجد الأقصى صامتا خاشعا وكأنه يبكي ويشكو وكل مبنى حوله في سكون يسمع شكواه ويشاركه أنّاته. في صباح ذلك اليوم أفقت أتلمّس وجنتي المنتفخة وشفاهي المشققة وعيني المتورمة ومرّ شريط من ذكريات الأمس أمامي شردت فيه ولم أستفق إلا على صوت طرق الباب

- من هناك؟

- دكتورة ياسمين أنت مطلوبة في المستشفى.

- حسنا سآتي.

لبست ثيابي ونزلت إلى الطابق السفلي فلاحظت وجود حركة غير معهودة وسمعت صوت أحد القادة يأمر فريقه بالاتجاه نحو المعابر وآخر يكلف جنوده باللحاق بفرقة جاكوب عند البوابة الشرقية وكنت أمشي بينهم داعية ربي أن يخيب آمالهم ويفشل مخططاتهم وقصدت المكان الذي كنت أبيع كرامتي فيه كالعادة، أين أكره المهنة التي عشقتها دوما، أين أشعر بالقذارة والدناءة، أين تكبِّل حياة الأطفال يدي وتلجّم فمي وتعقد لساني.

أمام المعبر وقف العساكر ناصبين الأسلاك الشائكة مانعين الحجيج من المرور. كلما تقدم أحدهم ليناول أوراقه إلى جندي رموا بملفه جانبا وقالوا أنه منقوص حتى ذاق المنتظرون ذرعا وتآمرت الطبيعة ضدهم حيث كانت الحرارة مرتفعة جدا وراحوا يتقاسمون ما تزودوا به من غذاء ومياه وما مر يومان حتى أصيب معظمهم بالتعب وفقد آخرون الوعي ومنهم من فارق الحياة. على الرصيف ارتمت مسنة كدها الجوع وأشقاها العطش وأرهقها الحر وأنهكها التعب تدعو على الجنود فقتلها أحدهم. في الجانب الآخر تجلد أحد الرجال فنهض ليخاطبهم فقتلوه ولمّا يصل إليهم حتّى، وكلما تدخل الممرضون أو الصحافيون كان مصيرهم القتل أو الاعتقال.

وعادوا أخيرا إلى المعسكر الإسرائيلي فرحين بنصرهم السخيف، نصر حققه

مئة جندي مسلّح أو أكثر أمام ثلة من الشيوخ العجزّ والمسنّين العزّل. مشى أبراهام يتفاخر بجانب جاكوب وما إن وصلا مكتب بنيامين حتى التفت.

أبراهام: - أدخل أنت، سأذهب إلى المصحّة

جاكوب: - لماذا؟

أبراهام: - جرحت يدي قليلا. سأذهب كي يضمّدوها لي. عن إذنك.

مضى أبراهام ووقف جاكوب متعجبا لأنه لم يلحظ خدشا في يده قط.

صعد أبراهام إلى غرفتي ولم يذهب إلى المصحة كما زعم. دخل فجأة وبدون استئذان فلما وقفت من مكاني لأطرده جذبني ورماني على السرير وحاول الاعتداء عليّ فاشتدّ خوفي وما أصعب وأمرّ أن يقع الإنسان في قبضة الخوف فيدهوره ويحطّم معنوياته ! تعالت صرخاتي تباعا فلما مدّ يده إلى أزرار قميصي، تفلت في وجهه وحاولت الهروب فأمسك بي ثانية وأحكم إغلاق الغرفة وارتفع صوت استغاثاتي حتّى وصل أحدهم في اللحظة الأخيرة وأخذ يطرق الباب صارخا:

جاكوب: - أبراهام افتح الباب

أبراهام: - جاكوب هذا أنت، لا تتدخّل في شؤوني !

جاكوب: - أبراهام قلت لك اتركها حالا. هيا افتح الباب

أبراهام: - لا علاقة لك بالأمر !

عمد جاكوب إلى ضرب الباب بقوّة حتى خلعه فولج وجذب أبراهام ثم لكم وجهه وجذبني ليخرجني فنهض أبراهام ثانية وقال له بحدّة بالغة:“ما دخلك بها؟ أم تراك نسيت أنّها إحدى الأسيرات وأن النظام يخوّل لنا ممارسة ما نشتهي معهنّ؟ ”

جاكوب: - ابتعد وإلاّ.. !

أبراهام : - وإلا ماذا؟

مدّ جاكوب يده فضمّها ولكمه ثانية ثم جذبني وأنا أرتعد. أدخلني غرفته الخاصة فأجلسني على كرسيّ وأبعد شعري الذي تلبّد فغطّى عينيّ ثم ناولني كأس ماء وسألني“ هل أنت بخير؟ ” فأسقطت ما بين يديّ من فرط ارتباكي وتبلل طرف سرواله بالمياه فلم يعبث ووضع يده على كتفي فنزعتها بقوّة ونعرته “ ابعد يداك عني أيها المجرم ابتعد ! أكانت هذه مسرحية من إعدادكم؟ ابتعد ! ” صرخت بطريقة هستيرية كالأهوج الممسوس ثم رحت أرمي بكل ما حولي أرضا وتغيرت نظراتي حتى اضطر جاكوب إلى استدعاء طبيب ليفحصني. حقنني المهدئ ثم شرح لجاكوب أنني أصبت بانهيار عصبيّ وطلب منه أن يبعدني من هذا المكان لفترة وجيزة كي أستريح. خرج ليفكّر لبرهة ثم عاد فاصطحبني اتكأت عليه وقد كنت عاجزة على المقاومة من أثر الحقنة. امتطينا سيارته ومضينا ومضى في ذهني شريط العادة. أصبحت تائهة ضائعة لا أفرّق الصديق من العدوّ. من رأى اليوم كيف كان يدافع عني بشراسة يخال أن جاكوب شديد الاهتمام بأمري والتعلق بي ومن يراه كيف عذبني في المرة الدابرة يخال أنه أشدّ الناس لي كرها وأكثرهم علي حقدا وسخطا. وقفنا أمام بيت قديم فمر بذهن جاكوب شريط طويل من ذكريات الطفولة التي شرد فيها لزمن ثم نزلنا ودخلنا إلى هناك. ولجنا غرفة فساعدني للوثوب على الفراش ثم خرج ودخل غرفة صغيرة أخرى. كان بها سرير صغير ،خزانة قديمة، بعض اللعب والدببة القطنية على الأرض وفي الركن انتصب صندوق خشبي كبير.

التمعت عيني جاكوب ومرت بها العبرات، تنهّد بصمت ثم اقترب من الصندوق الذي تلحف بالغبار وشباك العنكبوت ففتحه. كانت به ألعاب بالية وإطار به صورة والدته. تناول تلك الصورة فتأمّلها حتى احمرّت عيناه وبدا عليه التأثر ثم استجمع ملكاته “ آسف أمي. ولكنّي لا أعرف لمَ تذكرني تلك الفتاة بك كثيرا؟ لم عندما أحميها أشعر بأني أحميك؟ لم كلما دقّقت فيها النظر غصت سابحا في بحار عينيها وهبّت صورتك إلى مخيلتي مباشرة. آسف أمي أعلم تماما أن هذا يزعجك. كيف لا تغضبين من ابن يعامل واحدة من الذين ظلموك كصاحبه ! تأكدي أنني سأضع حدا لهذا الأمر. لا تحزني لما رأيت مني من ضعف. سأواصل الدرب حتما وسأعمل على الانتقام لك طيلة حياتي” كان بصدد إرجاع الإطار إلى مكانه عندما رأى سوارا أحمرا صنع من الجلد الرقيق. تناوله فدقق فيه النظر وشعر أنه رآه قبل هذه المرة ثم خانته الذاكرة فوضعه في جيبه وغادر. مرّ عليّ وأخبرني بأنه سيأتي في الليل لإعادتي إلى المعسكر وأخبرني بأنه سيقفل الباب مخافة أن أهرب. فطلبت منه أن يوضح لي لم ساعدني فأجاب بردّ غامض لم أفهم منه شيئا. قال بصوت خافت وكأنه يحاكي نفسه عوض أن يخاطبني “ لأن تلك المرأة التي تشبهك كانت قبل بضع وعشرين سنة في نفس الوضع الذي كنت أسيرته قبل قليل وكنت حينها عاجزا عن حمايتها”

في تلك الأثناء كان أبراهام يحتقن غيضا فما إن لمح جاكوب عائدا حتى اندفع إليه فمسكه من مئزره.

أبراهام : - أين هي تلك الفتاة؟ أين أخذتها؟

جاكوب : - الأمر لا يهمك بتاتا. وإياك أن تعيد ما فعلته ثانية !

أبراهام : - أظنك صرت عاطفيا أكثر من اللازم. أ تراك نسيت ما فعلته أنت بها منذ أيّام؟

جاكوب : - كفاك سخفا. أنت تعلم مسبقا أنّي أعارض اغتصابكم لأي أسيرة

أبراهام : - حسنا، أين أخذتها؟

جاكوب: - ابتعد من أمامي !

أبراهام : - أنت تخالف القوانين !

جاكوب : - أنت من خالفتها أولا! ياسمين أصبحت الطبيبة الرسمية للجيش لذا فأنا أعتبرها مواطنة إسرائيلية ثم إنني أنا المسؤول عنها وعن حمايتها.

ترك جاكوب أبراهام الغاضب واقفا وقصد مكتبه، ارتمى على كرسيه الدوار ورفع رأسه إلى السقف ثم وضع يده في جيبه فأخرج ذلك السوار، قلبه مرة ثانية وهدرا حاول استرجاع ذاكرته فلما فشل أعاده وانخرط في العمل. في الليل كان في موعده وأتى فاصطحبني إلى المعسكر. عند الباب نظرت إليه ثم قلت" جاكوب " فاستغرب وقاطعني " هذه أول مرة لا تناديني فيها بالمجرم" ابتسمت ثم شكرته على ما فعل معي اليوم وصعدت إلى غرفتي، وارتميت على السرير أفكر في أمره. أيعقل أن يملك جانبا خيّرا في شخصيته! لم لا؟ لم لا يكون في قلبه بعض الإنسانية! ولكن من هي تلك المرأة التي تحدث عنها! بقيت أتخبط في بحر التساؤلات بلا أجوبة. وأكثر ما دفعني إلى الحيرة آخر كلمة قالها جاكوب عندما كنت أصعد السلم "بشأن تلك المرة التي... أعلم أنني بالغت.. آسف" دام تفكيري به برهة طويلة فلمّا استدركت نفسي أحسست بالخجل ويحي! كيف لي أن أفكر فيه بهذه الطريقة! أتراني نسيت ما فعله بعمرٍ وطارق وسليم.. وإسراء أيضا وكذلك الحجيج والمئات من الذين لا أعرفهم.. أيعقل أن يكون وحشا بمشاعر! ربما كان سفاحا رؤوفا..أو علّه كان مجرما رحيما! ...ما هذا ياسمين كفي عن الغباء سيضل مجرد وحش سفّاح قاتل ومجرم.كفّي عن التفكير به.

مضت أيام هادئة في المعسكر وأخرى متشنجة ولكن حالتي كانت تسوء يوما بعد يوم. أصبح العمل والطبّ بالنسبة إليّ مهانة في أحط درجاتها وحقارة في أشمل معانيها. كنت كلما داويت جروح أحد الجنود شعرت بذاك الجرح يُفتح بداخلي ويأبى أن يلتئم. ولكن مُصاب اليوم لم يكن إسرائيليا كالعادة، كانت أسيرة عربية اعتقلوها في غزة عندما كانت تحاول إنقاذ أحد الجرحى فأطلقوا عليها رصاصهم ولكنّهم الآن بحاجة إليها ليستقوا منها بعض الأنباء، وكان علي إذن إبقاءها على قيد الحياة وفق أوامرهم وإلّا فالرّهان معلوم. اقتربت من الجريحة وكشفت عن وجهها لأراها فكانت الدهشة. صحت فجأة "مريم" نظرت إليّ إحدى الممرضات وسألتني: "أتعرفينها؟ " فنفيت ذلك وزعمت أنّني ظننتها في سابق الأمر فتاة أعرفها فلم تكن هي. ثم أمرتهم بتجهيز غرفة العمليات حالا بينما كان باطني يصرخ " تحملي مريم. عزيزتي أرجوك كوني قوية. سأنقذك بالتأكيد" . نظرت إلى بقية الطاقم ثم أردفت: “ احملوها إلى غرفة العمليات سأنظر في الكشف وآتي في الحال” مضيت وفي يدي صور التحاليل، كانت هناك مؤشرات واضحة تدل على تلف الأوعية الدموية بالقلب. رحت أحاول ضبط نفسي والتقليص من حدة التوتر الذي امتلكني. سعيت للتركيز بكل قواي ولكني كنت مشوّشة جدا وكأني لم أقم بجراحة قبل هذه. رميت في الأخير بالأوراق ودخلت غرفة العمليات ثم جهّزت نفسي وانطلقت. كالعادة كانت كل عملياتي مراقبة من الأعلى فما إن رفعت بصري حتى لمحت جاكوب وروبن ثم بنيامين الذي لحق بهما فيما بعد.

روبن: - ألا تلاحظون أن إيسمين تبدو مضطربة بعض الشيء!

بنيامين : - أجل، أمر غريب. المهم أن تعيش هذه الفتاة. بلغني أنها كانت طبيبة بمركز المقاومة. ستكون أشبه بخزّان أسرار وعلينا أن نعرف مخططاتهم بشأن الذكرى الثالثة والستين لما يدعونه بالنكبة.

روبن: - أنت محق يا سيدي. لا بد لنا من معرفة ما يدور داخل المعسكرات الفلسطينية كي نأخذ الاحتياطات اللازمة. ما بك جاكوب؟ لم تتابع بصمت؟

بنيامين: - وكأن الصمت غريب عنه. الكتمان ميزة جاكوب.

في خضم تلك العملية كنت أتفصد عرقا خاصة عندما انخفض ضغط الدم ونسب المؤشرات الحيوية والتي عادة طبيعية بعد عناء كبير وما إن فرغت حتى مضيت لأنزع قفازيّ الملطخين بالدماء. وفجأة قدم نحوي

جاكوب مخاطبا:

جاكوب: - أحسنت صنعا

- لا أعلم إن كنت قد أحسنت صنعا بإنقاذها أم أني قد أسأت عملا.

وعلى حين غرة دخل بنيامين ليسأل عن موعد استفاقتها فأمهلته أيّاما نظرا لكونها لم تسعف على الفور . مضيت بعدها إلى غرفتي واستلقيت على سريري مثقلة بالأرق والحيرة حتّى كاد الضيق في صدري يعذبني والإمعان في التفكير يرهقني ما الذي سيحصل الآن؟ ماذا إن قاموا بتعذيبها عند الاستجواب؟ لم أستطع النوم فنزلت إلى الأسفل أطرق باب النسيم علّه يفجج قلبي فيمتص منه الحزن ويزوّده ببعض الانشراح. مسكني أحد الحرّاس فسألني:

الحارس: - إلى أين؟

- أريد التنزّه في الحديقة قليلا

الحارس: - ممنوع. معنا أمر من الرائد جاكوب بمنعك من مغادرة هذا المقر.

- ابتعد من أمامي. أنا لا أتلقى الأوامر من أسيادك !

الحارس: - عودي وإلاّ...!

خلّصت ذراعي من يده وقصدت مكتب جاكوب. فتحت الباب مباشرة فوجدته يجري اتصالا وما إن رآني حتى قال بصوت خافت: “ حسنا ميريكا، سأتصل بك في وقت لاحق” ثم قام من مكانه وصدح

- هل يدخل العرب مكاتب الناس بلا استئذان؟

- لا تتحدّث عن الاستئذان فبدونه استعمرتم وطنا وشيّدتم عليه مبانيَ وقصورا فلا تنهى عن خُلقٍ وأنت تؤتي مثله !

- لم أتيت؟

- لم لا تسمح لي بالخروج إلى الحديقة والجنود يملؤونها جاكوب؟

- هل تعلمين أنك الوحيدة التي تناديني باسمي هنا وأن الجميع ينادونني سيّدي؟

- أجل. ولكن سيدي تعني السيادة والعزّة ولست أرى فيكم سوى المهانة

والحقارة. أريد أن أخرج للحديقة.

- ألم تقولي البارحة بأنني لست مجرما؟

- كلاّ! ربّما فقدت رشدي لوهلة ولكنّك ستبقى طيلة حياتك سفّاحا تبني مركزك بحجم الرقاب التي قطعتها وتعلو بكمّ الدّماء التي أسلتها. أريد أن أخرج من هنا لقد ذقت ذرعا بهذا السجن ولا يمكنني العمل في هذه الظروف.

- تعرفين ! تعجبني طريقتك في طلب الأشياء. لديك أسلوب مميّز . تُسمعين المرء ما لذّ وطاب من الشتائم ثم تطلبين منيتك. ولكن رغم أنّ وسيلتك في الطلب أشدّ غباء منك فإنني سأمكّنك من ذلك فقط وسط المبنى لأنّني سعيد اليوم. عليّ الذهاب الآن.

خرج من مكتبه ومشيت وراءه فقال لأحد الجنود الواقفين: “ دعوها تتجوّل هنا ولكن احذروا أن تهرب منكم ”

خرج بينما بقيت مدهشة لا لأنه سمح لي ولكن لأنها كانت المرّة الأولى التي

أراه فيها مبتسما. بدا مختلفا للغاية...أشرق وجهه فسطع مغايرا. حتى الجنديان استغربا لرؤيته بثغر متهلّل فقد عهد الجميع طبعه الجديّ الواجم.

في عزّة

في مدينة الحصار، في أرض غزّة ،أرض النضال ونبض العزّة. في ذاك الشبر المتبقّي الرافع لراية الكفاح، على تلك التربة الصامدة الحاملة لعلم المقاومة تحت اللظى وقذائف الأخطار، تلك التي منعت المحتلّ من الابتهاج بالأحلام والافتتان بمغازلة الزمن، تلك التي كلّما انفجرت وهي لا تكف عن الانفجار خدشت وجه العدو وكسرت راحته وصدته عن الرضا.‏‏ هناك بين الحبّ والحرب، حيث صقيع الخوف ووحشة الترقّب ، حيث برودة الموتى وجحوظ العينين ، حيث يذعر الطفل فتسقط اللعبة من يده ، حيث تباد الأُسَر تاركة شايها الصباحيّ ساخنا على المائدة ، حيث تضجر المنازل شوقا لأهاليها ولضحكات الصغار فيها. هناك أين تضل الأغاني ألحانها وتُضيع الأشعار قوافيها وتفقد الرّسوم ألوانها. هناك حيث الزمن اقتحام للظهيرة المشتعلة. سمع أحمد طرقا فخاف أن تكون إسرائيل قد علمت بأمر دار النّشر والجريدة الجديدة. سار بخطى خفيفة ثمّ ألقى نظرة من ثقب الباب

فلم يصدّق ما رأى. فتح الباب وقد تهلّل وجهه ثمّ صدح:

- مرحبا بك، عمّي كِنان.شرفتنا بمجيئك فلتتفضل.

- مرحبا بك بنيّ. آمل أن لا يكون في مجيئي إزعاج لكم.

- كلّا بالعكس، لقد حلّت بنا البركات. هيّا ادخل

- شكرا لك. لقد احتفظت بعنوانك منذ آخر لقاء بلبنان، وأتيته ولم أكن على ثقة بأنّه لا يزال على حاله ولكنّي لقيتك والحمد لله.

- لقد قمت بتحويل منزلي إلى دار للطباعة والنشر، صرت أقيم مع والدتي منذ أن توفّى المرحوم والدي.

- غمدته الرحمة والسكينة.

- آمين. تعال وألق نظرة عمّي. سنخرج في الغد العدد الأوّل من هذه الجريدة. سنفضح بها ممارسات بني صهيون وجرائمهم البشعة أمام العالم من أرض الحدث بالأدلّة والبراهين. ما رأيك؟

- أحسنتم بنيّ، بارك الله في عملّكم ووفّق خطاكم. لولا شعلة الأمل المتّقدة

في أفئدتكم لماتت فيها العزيمة صدق من قال " روائح الجنّة في الشباب"

- وأنت أيضا لا زلت شابّا عمّي.أخبرني ما سبب هذه العودة بعد طول غياب

تنهّد العمّ كِنان وشبّك أصابعه ثمّ أردف:

- قصّة يطول ذكرها ولكن أتذكر ما ذكرته لك عن مقتل ابني تَيْم وزوجتي

- أجل أذكر كلّ ما رويته.

- لقد اكتشفت مؤخّرا بأنّ تيم لا يزال على قيد الحياة وأنّه في الأغلب في فلسطين. وربّما يكون ضمن جيش المقاومة لذا جئت للبحث عنه.

- أ حقّا عمّي. يا لهذا الخبر المبشر. صدّقني مضى زمن ولم أسمع أيّة بشرى قد تسرّ. على كلّ سأساعدك في التفتيش عنه حتّى تجده.

- شكرا لك ابني. أخبرني ما جديدك؟

- لا شيء يخصّ حياتي، منذ استشهاد أبي شاهين وأخي أمجد واعتقال أختي رويده التي لا نعلم عنها شيئا إلى اليوم وأنا أحاول تغطية غيابهما والتقليص من لوعة أمّي وحرقة قلبها ولكنّ النار التي بداخلها تأبى الخمود.

- هوّن عليك يا أحمد ولا تدع اليأس يستولي عليك ،انظر إلى حيث تشرق

الشمس في كل فجر جديد ، لتتعلم الدرس الذي أراد الله للناس أن يتعلموه ، إن الغروب لا يحول دون شروق مرة أخرى مع مطلع كل صبح.

- ونعم باللّه !

وفجأة طرق الباب مرّة أخرى فأعاد أحمد ذات الحركات الاحتياطية ولكنّه رأى زميليه فاستقبلهما بوجه باشر.

أحمد: - هل أحضرتما الحبر؟

قصيّ: - نعم

أحمد:- فلنبدأ بالطباعة على بركة اللّه إذن. آه تعالى لأقدّم لكما ضيفي الغالي. العمّ كِنان فلسطينيّ الدّم. هو يكبرني سنّا ومقاما ولكنّه صديق مقرّب وعزيز على قلبي منذ السنين الخوالي لمّا كنت ببيروت وكان هو هناك في المجهر بعد أن تمكّن من الهرب من سجون الصهاينة .

وائل: - مرحبا بك سيدي تشرفنا.

قصيّ: - حللت أهلا ونزلت سهلا. أنرت المحل.

كِنان: - شكرا لكما !فلتشرعوا في الطباعة الآن إذن. سأذهب كي لا أعطّلكم عن عملكم ولأسترجع بعض الذكريات وسأعود إليكم عند المغيب.

وائل: - أظنّ أنّ علينا إضافة صفحة قبل النشر

أحمد: - لماذا؟ ما الذي جرى؟

قصيّ:- لقد بلغنا للتوّ من زميلاتها أنّ جيش الاحتلال قام بأسر إحدى الطبيبات العربيّات القادمات في البعثة، واسمها مريم الحطّاب ولا نعلم إن كانت على قيد الحياة أم أنّها قد فارقتها. فقد أصابها أحد الجنود برصاصة

كِنان: - يا رب كن بعون هذه الفتاة وارحم ضعفها أين ما كانت.

وائل: - يجب أن نسيل الحبر في هذه القصّة.

أحمد: - معكم حق. فلنتصل بأحد المحرّرين إذن، أظنّ أنّ فستان الحداد قد راق هذه الأرض حتّى عشقته وأبت غيره.

كِنان: - ابني كن واثقا وتأمّل الفرج. إذا أردت لا تتّصل بالمحرّرين. مدّني بالمعلومات الكافية وسأكتب لك عن هذه الواقعة. أ نسيت أنّي كنت

صحفيّا قبل اعتقالي.

أحمد: - حسنا إذن. قصيّ مدّنا بما عندك من التفاصيل وشهادات العيان.

في المعسكر

نزلت إلى الطابق السفلي ومررت أمام زنزانات الأسرى فوقفت أمام زنزانتي التي كنت محتجزة فيها وعادت بي الذكريات إلى يوم مجيئي وتمنيت بصدق لو أعود سجينة القضبان وروحي تفيض كرامة على أن أكون شبه طليقة بنفس تفتقر إلى النخوة والشهامة والمروءة. في زنزانتي حلّت مكاني فتاة أخرى ، انحنيت على ركبتي وبادرتها:

- مرحبا! أتمنّى أن تسترجعي حرّيتك في أقرب الآجال

- ابتعدي أيتها الحقيرة من أمامي

- كلا أنت مخطئة. أنا عربية أنا لست منهم. لقد كنت مكانك منذ فترة

- أعلم ذلك ولكنهم ما تركوا سراحك وأبقوا عليك حذوهم إلا ما دمت عميلة وخائنة. بكم قرشا اشتروك.. بكم مليما بعت ذمّتك أيتها الدنيئة. سيري من أمامي رجاء فإن رؤية أمثالك تولّد في نفسي الاشمئزاز .

نهضت ولم أنبس بحرف. لم يكن بوسعي أن ألومها على قولها. طبيعيّ أن

تفكّر بتلك الطريقة. حتى إن أخبرتها بالقصّة فربّما لن تصدّقني وحتى لو صدقت فما الذي سيتغيّر لذا آثرت الصمت ومضيت فلمحت زنزانة الأطفال. مسكت قضبانها ونظرت إليهم بعينين دامعتين فرفعت رأسي إلى الأعلى وتمتمت: “ اشتروا كرامتي بكم وبعتهم ذمّتي مقابلكم. ألا يستحقّ نسمات في عمر الزهور حقّ الحياة وإن كانت رديئة! ألا يحق لهم الوجود وإن كان تعيسا!” فجأة شعرت بيد تلامس سروالي نظرت فإذا هي فتاة صغيرة تخاطبني:

- أنت الخالة التي أنقذتنا تلك المرّة أليس كذلك؟

- أجل. ما اسمك يا صغيرتي؟

- اسمي فرح

- تشرفنا وأنا ياسمين. كيف حالك يا فرح هل أنت بخير؟

- كلّا لقد اشتقت إلى أمي وأبي ومدرستي كثيرا. لم يتبق سوى أخي سعيد

- أين هو؟

- بالقفص المجاور.

- مرحبا يا سعيد.

سعيد: - أهلا بك يا آنسة كيف حالك؟

- بخير مادام بريق الطفولة لامعا بأعينكم البريئة. أخبرني كيف أتيتم إلى هنا؟

سعيد : - في يوم كنا عائدين من المدرسة أنا وفرح بلغنا منزلنا فلم نجد له أثرا.. لم نجد سوى كمّ هائل من الحطام والصخور المتناثرة حتى خيّل إلينا أننا أخطأنا الطريق والفتنا فإذا الطريق ذاته والمكان نفسه لقد تحوّل عشّنا الدافئ إلى دمار. جثة أبي كانت مردومة تحت الصخر، أشلاء أمّي كانت ممزقة بلا حراك،حتى ألعابنا طالها القصف وارتمت تبكي طفولتنا الضائعة وأحلامنا المنسيّة. ثم قبض علينا العساكر وأتوا بنا إلى هنا.

ولكن أكثر ما يزعجني هو أننا لم نعد قادرين على الذهاب للمدرسة.

فاضت عيناي الواسعتين فجأة من الدمع الذي انحدر ثم ابتسمت وسألته:

- ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟

سعيد: - أريد أن أصبح مهندسا في صناعة الأسلحة والدبابات كي أزوّد بها المقاومة ونحرر أرضنا من براثن الاحتلال.

فرح: - وأنا أريد أن أكون صحفية كي أفضح جرائمهم

أخذ كل من الأطفال يدلي برأيه ويسرد حلمه مع أنّ أحدا لم يسأل. هناك أدركت مقدار الكبت الذي تعانيه أحلامهم واليأس الذي تشكوه آمالهم حتى أنها اندفعت تلقائيا عندما وجدت الفرصة..آمالهم كلها كانت تتعلّق بتحرير وطنهم الأسير وانتشاله من وحل الدمار الذي سقط فيه. أعمار هؤلاء الفتية بضع سنوات،بمقياس الأحاسيس دهور من المأساة اللاّمتناهية أمّا بمقياس العقول فهي قرون من النضج والرشد والإدراك . ولكنّ دهور المأساة حتما ستنقطع يوما ما وستشرق الشمس وينجلي الظلام وتنجلي سحب الصيف العابرة وأمّا قرون النضج فستثمر بالتأكيد وتؤتي أكلها عن قريب.

سعيد: - ولكننا سنبقى جهلة ولن نتمكّن من المضي في سبيل أحلامنا.

- كلاّ أنا سأعلّمكم

فرح: - كيف؟

- أعدكم بأن آتي إليكم يوميا وسأعلّمكم. لن نسمح للأسر أن يحول دون العلم.

سرّ الأطفال كثيرا ولمع بريق الأمل في أعينهم مجددا وانبعث الإشراق من ثغورهم الباسمة فأضاءوا به أنحاء المعتقل. كنت خارجة من هناك عندما خفق قلبي وتردّدت خائفة “ ماذا إن لم يسمحوا لي بذلك فأكون قد أحييت فيهم آمالا ثم قبضت لهاتها؟ ماذا إن منعوني فيكونون قد علّقوا بي أمانيَ لن يطولوها فأكسر قلوبهم مرّة أخرى وأخذلهم. ما كان عليّ أن أعدهم وأن أشعل فيهم هذا الحماس يا رب وفقني وساعدني ولا تكلني لهؤلاء المجرمين”

ومرّت ثلاث ليال استطعت فيها مزاولة تعليم الصغار الذين كانوا في قمّة الغبطة والنشوة والتهافت. تلك الليالي التي لم تخل إحداها من التفكير بذلك الشخص، جاكوب المجرم الغريب، وصرت أجهل لم علق ذكره في خيالي لهذا الحدّ. وكلّما طردت طيفه تملّكني من جديد. في الغد كنت أعلم أن مريم ستفيق من الجراحة أخيرا فلزمت المصحّة قبل طلوع الفجر ورحت أفكّر في وسيلة لخلاصها بسرعة قبل أن يعلم البقية. تفاجأت كثيرا عندما فتحت عينيها ورأتني فقد خالت أني فارقت الحياة. وسعدت بدوري كثيرا لسلامتها ومكثنا نتجاذب أطراف الحديث فرويت لها ما مررت به منذ تلك الفاجعة ثم أوصيتها أن تتظاهر بأنها لا تعرفني البتة لكي يثقوا بي.

وفجأة دخل علينا روبن وبنيامين فارتعدت فرائصي.

بنيامين: - سمعت صوتكما فيم كنتما تتحدّثان؟

- كلا...لا شيء.. كنت فقط أسألها عن هوّيتها فأخبرتني أن اسمها مريم وأنها قدمت ضمن قافلة تطوّعية لإغاثة سكان غزّة.

بنيامين: - لا جديد في ما ذكرت. قد تكونين طبيبة ناجعة ولكنك محققة فاشلة. والآن أخبرينا بما لديك أيتها الفتاة !

مريم: - أبعد يمناك عن وجهي وإلاّ قطعتها لك

بنيامين: - هذه الفتاة تذكرني بوقاحتك ياسمين.أخبريها مسبقا أنّ هذا لن يكون مفيدا. سنبدأ بالاستجواب الآن. هاتِ ما عندك بخصوص ذكرى النكسة وأخبرينا بكل جديد طوعيّا كي نخلي سبيلك.

مريم: - لا تحلم أن أخبرك بشيء أيّها الخنزير النتن.

بنيامين: - جيد! سنلجأ إلى وسائلنا إذن. أنتما الإثنان أخرجا ياسمين من هنا

- ولكنّها لا تزال مريضة. أرجوك أمهلها فجسدها لن يقوى على التعذيب الآن. رجاء انتظر ريثما تتعافى.

بنيامين: - أخرجا ياسمين في الحال.

أخذا يجرانني بينما كنت أحاول ثني بنيامين عن ما ينوي القيام به، كنت أصرخ وأتوسّل أن يمهلوها بعض الوقت هدرا. وسحني الجنديّان إلى الخارج وأغلقت الأبواب. بالداخل أبقوا على مريم أين تمّ تعذيبها بشتّى السّبل والأنواع. وبالخارج لم أكن أسمع غير الصياح والعويل. بالداخل استعملوا معها أبشع الطرق وأفضع الوسائل وقاموا باقتلاع أظافرها الواحدة تلو الأخرى . وبالخارج كانت صرخاتها تمزّق قلبي وتحرقه. بالداخل حرقوا جسدها بسجائرهم المشتعلة وصعقوها بالكهرباء ثم بالخارج أطلّوا كخنازير محتقنة. أجل هاهم يخرجون تباعا بعد أن تركوها مرميّة على الأرض تسبح في الدّماء كجثّة هامدة. فتحوا الأبواب وطلّوا وكانت دهشتي ترتسم إذ رأيت جاكوب بينهم ولم أعلم كيف دخل؟ ولا لم تفادى نظراتي وأدار وجهه ومضى؟ دخلت إلى صديقتي مسرعة ورأيت الحالة التي كانت عليها فأحسست بفؤادي ينصهر ويذوب وبقيت صامتة لا أحوّل عيني عنّها أنظر إليها نظرة غيظ وحنق شديدين. تنفست ببطء وقالت لي “ لا بأس لا تبكي أنا على ما يرام صدقيني أنا سعيدة لأنّي لم أنبس بحرف” حملتها بصعوبة ووضعتها على السّرير وشرعت في تضميد جروحها الدامية فأردَفَت في أنين “ ذلك النذل لم يكتفي بقتل زوجي وراح يعذّبني. أقسم أنّي سأجعله يذرف عوض الدموع دماء. أقسم أني سأجعله يغض أنامله قهرا وحسرة ” فسألتها: - “عن من تتحدّثين؟ ”

- ذلك الحقير المدعو جاكوب

- هل جاكوب هو من قام بتعذيبك هكذا... هل أنت متأكّدة؟..لعلّك مخطئة! - أجل هو بعينه..أعرفه جيّدا.. هو الذي احتجزك تلك المرّة.

- مستحيل ... جاكوب.. جاكوب لا يفعل هذا.. مستحيل !

- لا أفهم سرّ استغرابك إلى هذا الحدّ. في الأخير هو أحد جنود الجيش المتوحشّ يرتكب الجرائم المعتادة.

- كلاّ هو ليس متوحّشا مثلهم، جاكوب يمتلك بعض الإنسانيّة

- لا أصدّق ما تقولين!أحقا تخالين أنّ أحد عساكر بني صهيون يمتلك الرحمة والإنسانيّة أو يمتلك قلبا بالأساس؟ ذاك الذي قتل زميليك ومنهم زوجي وقتل ابن عمّك وخطيبك السابق وعذّب صديقتك للتوّ! ذاك الذي نغّص على الآلاف حياتهم وأفقدهم الراحة والسعادة! ياسمين أجننت؟

بقيت مصدومة ممّا أسمع، أظنني حقا جننت واستخف بي وصدّقت ألاعيبه الوسخة. أظنني كنت حمقاء للغاية عندما انطلت عليّ حيله الماكرة. مشيت في الممرّ وقصدت غرفتي ففتحت خزانتي وأخرجت منها السكّين المخبّأ في أعلى الدرج بين الثياب والدّموع تنحدر على وجنتاي والحرقة تشتعل في صدري وذهبت إلى مكتب جاكوب فلم أجده. سألت عنه الحارس فأخبرني أنّه يستريح بغرفته. فقصدتها وفتحت باب الغرفة فجأة وكان مستلقيا على السرير. رفع رأسه فنظر إليّ ثم عاد إلى وضعيّته الأولى وقال: “ للمرّة الأخيرة. لا تدخلي عليّ تارة أخرى بدون استئذان. ما بك؟ ماذا تريدين؟ ” صمتت وكنت أرتجف ولم أدر ما أفعل. كان قلبي ينبض بشدّة كلّما التقينا حتّى عندما كان يدرّبني ويقسو عليّ. أصبح خفقان قلبي عند رؤيته أمرا بديهيّا ولكنه نبض أكثر من العادة هذه المرّة. بُهت لصمتي فنهض من مكانه وقدم إليّ وعندما لاحظ نهر الدّموع الجارف من عيني تعجب واستفسر ثانية “ما بك؟ لم تبكين؟ هل تعرّض لك أحدهم؟ هل اقترب منك أبراهام ثانية؟ ماذا دهاك ياسمين ما خطبك؟ كفي عن البكاء وانبسي! ”

لم يكن منّي إلا أن رفعت يدي وصفعته على وجهه بيدي المرتعشة ثم

صدحت “ يا لك من نذل حقير. كيف تمكّنت من خداعي طيلة هذه الفترة. وثقت بك أحيانا وظننت أنّك أقلّهم شرّا ومكرا وجعلتني أحسب أن بك شيئا من الرحمة والإنسانية لأكتشف في الأخير أنّك لا تفرق عنهم قيد أنملة! أخبرني كم شخصا قتلتم؟ وكم بيتا هدّمتم؟ وكم أناسا شردتم؟ وكم طفلا صغيرا يتّمتم؟ وكم عرضا انتهكتم؟وكم امرأة فتاة اغتصبتم؟ وكم امرأة رمّلتم؟وكم شابا أسرتم؟ وكم أسيرا عذّبتم؟ وكم قلب أمّ ثكلى حرقتم؟ أجبني، كم جامعا دنّستم؟ وكم كنيسة دمّرتم؟ وكم مصحفا وكم إنجيلا مزّقتم؟ أخبرني، لم تقتلون الأبرياء ولا يحرّك لكم جفن واحد؟ ألم يكن كافيا أن تنهبوا خيراتهم وتأخذوا حقوقهم وتنتزعوا منهم أرضهم وتحرموهم قدسهم؟ لم جعلتموني شيطانا أخرس وصنعتم منّي لعبة بين أيديكم؟ أنتم تقتّلون الأبرياء وأنا أداوي مرضاكم. أنتم تذّبحون المستضعفين وأنا أعالج جرحاكم من أجل حياة أطفال أعلم مسبقا بأن عديمي الوجدان من أمثالكم سيقتلونهم في نهاية المطاف لا محالة. اليوم أتقنت بأن لا مجال لوجود إنسان بقلب ووجدان بينكم وأن إكرامكم يكمن في قتلكم وليشفى غليلي ستموت على يدي ”

أخذت السكّين وحاولت الإمساك بها رغم ارتعاش يميني وارتعاد فرائصي ونبضات قلبي المدوّية. اقتربت منه كثيرا حتى حشرته بيني وبين الحائط وقرّبت السكّين منه فعجزت ولم أستطع وانتصر دمعي المتهاطل في محاولة

سخيفة لدفعه إلى الدّاخل وسقط السكّين على الأرض فالتقطه جاكوب ووجّهه نحوي فرُحت أعود إلى الوراء بينما كان يتقدّم نحوي حتى أسرني بين صدره والحائط المقابل ثمّ رمى بالسكّين جانبا وصرخ “ لمَ لمْ تفعليها؟ ” ومسكته من مئزره حينها وصرخت بدوري “ ولم لم تفعلها؟ ليتك فعلتها وخلّصتني .” وارتجفت أوصالي وتحجّرت دموعي في مقلتي وانكفأت إلى الدّاخل فأجابني حينها : “ لا أنوي أن أكون سينوز ”

بتّ تلك الليلة في يقظة أجلس على حافة نافذتي أتأمّل سواد الليل الهادئ وبداخلي بركان يكاد أن ينفجر . لم أجد تفسيرا لما حدث معي سوى أنني وقعت في شراكه اللعين. أظنّ أنّ مسرحيّة تظاهري بالصرامة والقوّة قد كشفت اليوم أمامه وحتّى أمام نفسي. لقد تأكّدت اليوم أنّي جدّ ضعيفة أمام الحب عاجزة إزاء العشق فاقدة القوى. تعلّمت اليوم أنّ أسر السجن وظلمته أهون على المرء ألف مرّة من أسر القلب والروح والوجدان خاصة إذا كان هذا القلب أسيرا لعشق عاقّ أشبه بالخطيئة والجريمة الكبرى في حقّي وحقّ قضيّتي ومبادئي. جاكوب رمى بكل تلك الأسس التي بنيت عليها شخصيّتي وتمكّن من تربّع عرش فؤادي وبسط نفوذه الكامل على مملكتي. وشرعت أسترجع ما مضى منذ دخلت هذا المعسكر إلى آخر كلمة نطق بها جاكوب فلم أفهم قصده. ماذا عنى بــ “ لا أنوي أن أكون سينوز” ؟

من هو سينوز؟ وماذا كان يقصد؟

أمّا هو فقد عاد متأخّرا جدّا إلى منزله ليتفاجأ بأنّها ليلة ذكرى زواجه التي

مكثت ميريكا تعدّ لها الكثير في حين كانت شبه ممحاة من مخيّلته. دخل فوجد الشموع مطفأة والصحون ملقاة على الأرض. ولج غرفة نومه ليشرع في تقديم أعذاره المعتادة فاستقبلته بعينين دامعتين قد سال الكحل منهما وكلمات انبثقت من حنجرتها بغصّة وأسى “ أرجوك لا تبدأ السمفونية المعتادة فلقد حفظتها. لقد سئمت أعذارك البالية ومللت مبرّراتك السخيفة وبرمت بحججك التافهة” وما كاد يفتح فاه حتّى أومأت إليه بيدها أن يسكت واضعة سبّابتها على فمها ثم همست بصوت خافت: “ أرجوك غادر بهدوء ” . لم يجد جاكوب حلّا سوى الاستجابة لطلبها خاصّة وأنها لم تكن المرّة الأولى التي يسهى فيها عن مواعيد ميريكا المقدّسة كأعياد الميلاد والزواج والحبّ وغيرها..

ومع استبانة الصبح الجديد وانكشاف شمسه كان لا بدّ لي أن أجد وسيلة لخلاص مريم العالقة بين القضبان. كنت أمرّ أمام مكتب بنيامين لمّا سمعت روبن يتحدّث منفعلا حردانا “ لقد زاد به الكبر يا سيّدي” فاقتربت من

الباب. ووضعت أذني عند الثقب.

روبن: - كيف يتجرأ ويعصي الأوامر يا سيّدي.

بنيامين: - لماذا ما الذي فعله؟

روبن: - أمرت أحد العساكر أن يستلب شرف تلك الأسيرة فمنعه.

بنيامين: - لقد أخفتني، ظننت الأمر مهمّا. هذا بديهيّ بالنسبة لجاكوب.

روبن: - كيف هذا يا سيّدي؟!

بنيامين: - جاكوب يرفض دائما المهام من هذا القبيل ويكره هذا النوع من العقوبات لذا لن يسلّطها على أحد يومًا. يكاد الأمر يكون محسوما لديه.

روبن: - وما السبب..؟! عفوا إن كثرت تساؤلاتي ولكنّ الأمر يستلزم التعجّب.

بنيامين: - لأن أختي -أي والدته- اغتصبت أمام عينيه عندما كان طفلا صغيرا فضل مشهدها ينخر ذاكرته طيلة هذه السنين.

روبن: - هل الفلسطينيّون هم من فعلوا ذلك؟

بنيامين: - ههههه يمكنك أن تقول أنهم فعلوها إن أردت.

روبن: - أستسمحك يا سيّدي بيد أنّني لم أفهم

بنيامين: - منذ...

فجأة رأيت أحد الجنود يقترب فلم أستطع أن أسمع البقيّة واضطررت إلى الذهاب بينما ظل فكري أسيرا لما سمعته منذ قليل. دخلت غرفة المستشفى لأذهب إلى مريم فلم أجد لها أثرا. تفاجأت ورحت أبحث عنها بكل الغرف فلم أعثر عليها ووقفت عند طبيب أسأله: “ تلك الفتاة التي كانت هنا أين هي؟ ” فقال أنّه لا يعلم. واعترضتني ممرّضة فأعقت طريقها وطرحت عليها نفس السؤال فأجابت “أخذها الجنود منذ السّاعات الأولى لهذا اليوم. سمعتهم يقولون لها بأنّ حياتها قد انتهت وبأنّهم سيأخذونها لتموت ”

عندئذ خيّل إليّ أنّني وقعت في بئر لا يسبر له غور، وشعرت بقلبي يدقّ بعنف، وأحسست بمغص في بطني، وبرجليّ قد انفصلتا عنّي كما لو أنّ قنبلة مزّقتني إلى أجزاء صغيرة متناثرة. فركضت نحو مكتب بنيامين وقد كان في اجتماع مغلق فما إن رآني حتّى أمرني بالخروج ولكنّي تمسّكت بالبقاء وسألته: “ أين أخذتم مريم؟ ” فقال لي بسخرية بالغة: “ أخذناها إلى عالم الأرواح. أ تريدين زيارتها؟ ” ثم انخرط في نوبة ضحك وقهقهة متسلسلة فصرخت فيه واليأس يكاد يحطّمني “لماذا؟ ألا يكفي أنّكم عذّبتموها؟ لم لا تتركونها وشأنها؟ ” نظر إلى الجالسين ثم استنبأ: “ هلّا أجاب أحدكم عن سؤال الآنسة الجميلة؟ لم لا نتركها وشأنها فحسب؟ ” أحسست أنّي تحوّلت إلى أضحوكة بالنسبة لهم خاصّة عندما ردّ أحدهم: “ لأنّنا ببساطة ننتعش مع كل روح عربيّة تزهق” وأضاف آخر “ ولأنّنا إن تركناها ستلجأ ربّما إلى منظّمات حقوقيّة وتجلب لنا مشاكل نحن في غنًى عنها ” ثم ختم أخيرهم “ فلتعلمي أنّ لا عربيّا يدخل هذا المكان ويغادره سالما ناجيا. ”

لم أستطع تحمّل المزيد من الإهانات فخرجت والدّموع تملأ عيناي والغضب يستولي عليّ . عجزت حينها حتّى عن التفكير في ما يمكن لي أن أفعله كي أتثبّت من الخبر ووقفت في أحد الممرّات خاضعة مُهانة أذرف دموع الأسى وقد بدأ التصديق بأنّ مريم قد استشهدت يعرف إلى قلبي طريقا. وفجأة جاءني أحد العساكر مناديا: “ دكتورة، الرائد جاكوب يأمرك بالخروج لدى البوّابة الخلفيّة من جهة المستودع. سأصحبك لأدلّك على الطريق ” استفزّ الجنديّ أعصابي فصرخت فيه مباشرة : “ أخبر رائدك أنّي لا أريد رؤية وجهه ولا وجه أي نذل حقير منكم. اللّعنة عليكم جميعا ما أحقركم من عبيد وأنجاس” لفحت قلب الجنديّ هبّة من انفعال شديد حتّى رفع متنه ليصفعني لو لم يظهر جاكوب في الحال ويأمره بأن يدعني ثم تقدّم ذاك الأخير نحوي وأخذ يجرّني من يدي ويسحبني غصبا عنّي بينما كنت أقاوم وأدوّي صاخبة بأن يتركني فلمّا أبى حاولت الإفلات ولوي ذراعه ورغم أنني استعملت أقصى قواي إلا أنّه لم يتألّم على ما يبدو فقد رمقني بنظرة ساخرة ثم أردف ضاحكا “ جيد! أفضل بكثير من ذي قبل. على الأقل لم تذهب تدريباتي لك طيلة هذه الفترة هدرا.ولكنّك لم تبلغي بعد المستوى المطلوب. هيّا تحرّكي” وسحبني من يدي إلى الأمام حتّى خرجنا من جهة المستودع إلى الباب الخلفيّ ثم أركبني سيّارته وانطلق. كنت أسأله بإلحاح عن المكان الذي سيأخذني إليه وتملّكت منّي الهواجس حتّى ارتعبت علاوة على طيف مريم الذي يرفض مفارقتي ولو لثوانٍ وفجأة سألني

- هل تثقين بي؟

- لماذا تسأل؟

- أريد فقط أن أعرف؟

- ألم تقل في أوّل تدريب لي منذ أشهر، يوم دفعتني لأسقط ثمّ مددت لي يدك لأستند عليك فما إن قرّبت يدي حتى أغلقت أنت كفّك وأفلتّ ذراعك أنّ أوّل درس لي هو أن لا أثق بأحد أبدا.

- صحيح. ربّما قلت هذا لأنّه في ذلك الحين لم يكن هناك من يهتمّ لسلامتك. ولكنّي أسألك الآن.

- كلّا. لا أثق بك البتّة. وكيف لي أن أستوثق قاتل وأستأمنه؟

- هل تعلمين أنّي قتلت ثلاثة رجال قبل قليل؟

- افتخارك بالقتل سينقلب حسرة وندما يوما ما. عموما لم يعد الاستماع إلى جرائمك يثير في نفسي استغرابا فقد عهدتك وانتهى الأمر.

- كلّا. سيثير فيك الكثير من التعجّب والاستغراب حتّى أنّك قد لا تصدّقي، حتّى أنّني أنا نفسي لا أصدّق حتّى الآن ما فعلت! ولا أعرف لماذا فعلت!

- ما الذي تعنيه؟ لماذا توقّفت؟

- انزلي ها قد وصلنا؟

- ما هذا المكان؟ لم نحن هنا؟ جاكوب ما الأمر؟

- اهدئي لا تخافي لن ألحق بك أيّة ضرر تعالي معي.

- المكان هنا بارد جدّ ولكن لم أتيت بي إلى هذا المستود.. من؟ مريم؟ مستحيل! عزيزتي مريم هل أنت بخير؟ هل أصابك مكروه ما؟ الحمد لله على سلامتك. آه لك الحمد يا ربّي. أخبريني كيف نجوت؟

جاكوب : - سأنتظركما في الخارج

مريم : - أنا بخير . جاكوب هو الذي أنقذني.

- ماذا؟ أ حقّا ما تقولين! آه يا إلاهي أكان فعلا..

مريم : - لم تضاعفت سعادتك كثيرا عندما علمت بأنه من أنقذني؟

- آه كلّا كلّ ما في الأمر أنّني اكتشفت أنّ حدسي كان صائبا. لقد أحسست منذ البداية بأنّ في قلبه شيء من الرأفة وبأنّه ليس عديم الضمير مثل البقيّة.

مريم : - هل وثقت به بهذه السّهولة؟ ياسمين استفيقي حتّى لو صدق هذه المرّة ولأسباب غامضة لا أحد منّا يعرفها، فذاك لا يساوي قطرة من مقدار الدم الذي سفكه ولا يعادل ذرّة من تربة الأرض التي دنّسها. هذا لن يشفع له أبدا أعماله الوحشيّة وقتله للأبرياء. إن كنت قد استغنيت عن حقّ سليم فإنّ الثأر لطارق سيبقى دينا عليّ إلى النهاية.

- مريم لم تخاطبينني بهذه الطريقة الحادّة؟

مريم : - لأنّني بتّ لا أفهمك. كيف تميلين إلى إسرائيلي مجرم وتغرمين به ؟

في تلك الأثناء كان أحد الملازمين قد اقتحم ذلك الاجتماع المغلق في المعسكر لخطب ضروري وفي يده نسخ صادحا بصوت مضطرب:

الملازم: - سيّدي. عذرا للمقاطعة ولكنّ الأمور ليست على ما يرام.

روبن: - ما الأمر؟

الملازم : - مجموعة شباب إرهابيين أصدروا جريدة ليلة أمس واليوم يقومون بتوزيعها. وسمعنا بعض المحطات التلفزيّة الغربيّة والعالميّة قد بدأت تعنى بهذا الأمر وتنقل ما في الصحيفة من أخبار لا تخدم مصلحتنا. والمشكلة أنّ بعضها مرفقة بصور والأدلّة.

بنيامين: - اللّعنة عليكم جميعا ما أغباكم اللّعنة عليكم ! كم جاسوسا زرعنا هناك وكم ثكنة للمراقبة أرسينا؟ لمَ لمْ تتفطّنوا إلى الأمر سابقا.

طأطأ الملازم رأسه خزيا. فاقتلع بنيامين نسخ الجريدة من يده وأمره بالانصراف. ثمّ راح يتصفّح الجريدة بعنف متمتما " كالعادة. يستعملون الأسماء المزيّفة. علينا وضع خطّة على الفور لمحاولة إيجادهم"

جوزيف : - في البداية دعني أجري اتّصالات كي ينكسر صدى هذه الصحيفة في القنوات.

بنيامين: - أجل، مرهم فليوقفوا الحديث عنها على الفور. اختلقوا أيّة قضيّة أخرى واشغلوا الرأي العام بها في الوقت الراهن.

روبن: - سيّدي، أليست هذه صورة تلك الأسيرة. تلك التي بعثنا بها إلى الموت منذ سويعات، مريم على ما أظن !

بنيامين: - أجل، هي بعينها. " طبيبة متطوّعة تقع في أسر براثن الصهاينة " يحاولون جلب الاستعطاف من خلال العناوين المبهرجة والصّور البريئة ليتهم يجرؤون على ذكر أسمائهم ! من كاتب هذا المقال؟

روبن: - كتب في الأسفل بقلم " نانك"

بنيامين: - حسنا إذن ! لنرى إلى أيّ حدّ سيصمد هؤلاء التافهين !

وعادت مريم فجأة إلى طرح سؤالها من جديد بعد أن صمتت للوهلة الأولى

مريم : - كيف تميلين إلى إسرائيلي مجرم وتغرمين به ؟

- لست مغرمة به إطلاقا مريم كفاك ادعاءات سخيفة!

مريم : - لست بذاك القدر من الغباء ياسمين كفاك تبريرات واهمة. نظراتك، ابتساماتك، ارتعاش صوتك وأنت تنطقين اسمه لا تدلّ إلا على أنّك قد شغفت به تماما وأنّك صرت منساقة إلى هوى نفسك الذي سيجرّك نحو الهاوية ويقترب بك إلى الهلاك. حبّك هذا جريمة للأسف ياسمين. حبّك وإن لم يكن خيارا فهو خيانة للقضيّة بأكملها. حبّك عشق عصيّ عاقّ.

- دعينا من هذا الآن واخبريني كيف تمكّنت من النّفاذ؟

مريم : - كنت بالمستشفى عندما قدموا إليّ وأخذوني إلى غرفة التحقيق. حينها أمروا أحد العساكر أن يفعل بي ما يحلو له فتصدّى له جاكوب في المرّة الأولى ثم جاءت التعليمات بأن يتخلّصوا منّي خارج المعسكر وأن يلقوا بجثّتي من أعلى الجبال. وضعوني في سيّارة وأتى بي ثلاثة رجال إلى الجبل القريب من هذا المستودع فأنزلوني ثم استعدّوا لإطلاق النّار عليّ. أغمضت عيناي وخلت أنّها النهاية حتّى سمعت صوت ثلاث طرقات متتالية. ثم فتحت عيناي لأكتشف أنّني لا زلت على قيد الحياة وإذ بي ألمح جاكوب يقف أمام سيّارته وفي يده سلاح وجميع الجنود الثلاثة مرتمون على الأرض جثثا هامدة. ثم اصطحبني إلى هذا المكان.

- إذن كان روبن يتحدّث عنك لمّا قدم ليشي بجاكوب لتصدّيه لاغتصابك . على كلّ ما العمل الآن؟

مريم : - أريد الرجوع إلى غزّة

- فلنخبر جاكوب علّه يجد لك مخرجا. هيّا لنخرج ! جاكوب، مريم تريد العودة إلى قطاع غزّة.

جاكوب : - هذا مستحيل لن تتمكّن من العبور إلى هناك. إذا اقتربت من المعبر ستنكشف اللعبة وسيعلمون بأنّك على قيد الحياة.

- ما الحلّ إذن؟

جاكوب : - أمامها تركيا وسوريا. فلتختر إحداهما

- مريم ما رأيك؟

مريم: - مستحيل! لغير غزّة لن أذهب. لقد أتيت في مهمّة وعليّ إكمالها.

- ولكنّك لن تستطيعي العبور لذا لتذهبي إلى تركيا وأعدّي هويّة جديدة ثم عودي.

مريم: - أريدك في كلمة على انفراد.

جاكوب: - لا تتأخّرا.

- حسنا.

مريم : - ياسمين هذه فرصتك لم لا تهربين معي؟ هيّا فلنذهب سويّا.

- لا أستطيع.

مريم: - لماذا؟ ألم تأت من أجل الفلسطينيين؟ ألم تجيئي لمساعدتهم ومداواة جروحهم. أم أنّ الرفاهيّة مع بني صهيون قد راقتك؟

- مريم أرجوك كفى إن كان هذا اتّهاما فهو جدّ جائر وظالم وإن كان مزاحا فهو جدّ ثقيل ومزعج. أرجوك كفاك تجريحا وإهانة لكرامتي.

مريم : - آسفة. صدّقيني لا أقصد ذلك ولكني لا أفهم لم لا تهربين معي؟

- لأنّي لا أستطيع أن أضحّيَ بحياة الأطفال حتّى لو كانوا سيقتلونهم يوما ما فإنّ ذرّة الأمل التي في يدي لن أرمي بها وأمضي في سبيلي. لقد كبّلوني يا مريم وتفنّنوا في اختيار الأغلال. ولكنّي سأرجع إليك ذات يوم وسنلتقي في غزّة بإذن اللّه. هذا وعد !

مريم : - ما دمت قد وعدتني بالعودة فعديني بشيء أهمّ ، عديني بأن تبتعدي عن هذا المجرم أرجوك ولا تنخدعي لألاعيبه القذرة.

- مريم أرجوك صدّقي أنّه مختلف عنهم بعض الشيء أعلم أنّ جميعهم أنذال ووحوش تختبئ في هياكل بشريّة وأنهم عديمو الشرف وفاقدو النخوة والضمير ولكنّه يختلف عنهم. لست أدافع عن جرائمه ولكنّي أشعر أنّ بداخله أمر ما يجبره على فعل ذلك .

مريم: - ستثبت لك الأيام أنّك مخطئة

- سيشهد المستقبل أنّي محقّة.

وقفت السيّارة أمام الحدود وراحت مريم تعانقني ثم طلبت منّي أن أكون حذرة وأن أواصل تعليم الأطفال كما أعلمتني بأنّها ستسعى إلى الوصول إلى الجمعيّات الحقوقيّة لتقدّم شكاوى بحجم الانتهاكات والتعذيب الممنهج في السجون والمعسكرات ثم انتهت لحظات الوداع وعدت أنا وجاكوب أدراجنا.

خلال الطّريق كان واضحا أنّ لديّ الكثير لأقوله ولكنّ لساني بدا منعقدا في البداية ثم ما لبث أن تنقّض: “ حسنا! جاكوب... آه..لا أعلم ما سأقوله أو ما يجدر قوله في موقف كهذا. أنا فقط شكورة لك على صنيعك” أدار نظره تجاهي ثم حوّله إلى الوجهة الأخرى : “ انسي الأمر واحرصي أن يبقى سرّا ”

أومأت له بالموافقة وبقينا في صمت رهيب حتّى وصلنا. نزلت من السيّارة ولكنه لم يفعل ولعلّه فقه سؤالي الذي لم أنطق به فأجاب: “ لن أدخل معك. أختي سيلا ستعود اليوم. سأذهب لاستقبالها في المطار.”

مضيت إلى المعسكر فلقيت روبن عند الباب وسرعان ما استفسر:

روبن : - أين كنتما؟

- طلبت من الرائد جاكوب أن يصطحبني إلى صيدليّة لاقتناء بعض الأدوية الناقصة.

روبن : - ولم يداك فارغتان إذن؟

- لأنّ الصيدليّة كانت مغلقة وجاكوب قال أنّ لديه عمل يقوم به لذا أـمرني أن أبعث بمن يشتري هذه المستلزمات.

روبن : - هكذا إذن. جيّد! في المرّة القادمة ناولي قائمة حاجياتك للمسؤول عن هذه الأمور في المعسكر.

وفجأة أقبل أحد الملازمين مضطربا:

- سيّدي. الجنود الذين أرسلتهم في مهمّة قتل تلك الأسيرة لم يعودوا إلى الساعة.

روبن : - ماذا؟ لعلّهم ذهبوا إلى مكان ما؟

الملازم : - كلّا لقد أمرتهم بالعودة مباشرة لتشكيل الدوريّة

روبن : - ابعث بعض عساكرك إلى الجبل للبحث عنهم. لا أظنّ أنّ مكروها أصابهم. هل سيعجزون عن قتل فتاة وحيدة؟

كنت خائفة من ظهور ملامحي الفاضحة فخيّرت الانسحاب بهدوء حينها فصعدت إلى غرفتي لأقتحم عالم التساؤلات الخاصّة بي وكان أوّلها طبعا سؤالا عن سبب إنقاذ جاكوب لمريم؟ ولم كذبت وقلت أنّي لا أثق به البتّة بينما كنت أستوثقه حتّى قبل إنقاذها؟ لم بقينا صامتين خلال الطريق؟ وعلى حين غرّة طُرق باب غرفتي ففتحت وإذا بأحد الجنود يخبرني بأنّ ضيفة قدمت من أجلي. استغربت في بادئ الأمر ثم نزلت لأعلم من تكون فإذا هي ميريكا زوجة جاكوب. تعجّبت حينها وامتلكتني الدّهشة لمَ قد تأتي زوجته لزيارتي؟ هل في الأمر سرّ ما؟ حاولت دفن ذلك الارتباك بداخلي ثم بادرتها بالتحيّة.

ميريكا : - مرحبا. أنا أتذكّرك عندما أتيت إلى منزل والدي في أوّل لقاء به بعد

أن أنقذت حياته. هل تذكري؟

- أجل تماما كما أذكر أنّ والدك كان شديد الوفاء والعرفان بالجميل حتّى أنّه استهلّ لقاءه الأوّل بي بعد أن أنقذت حياته بصفحة حارّة على وجنتي.

ميريكا : - ههه..أبي هكذا دائما. أظنّ أنّك تعوّدت على العمل معه بعد كلّ هذه الأشهر. ما يعنيني الآن هو أنّي قدمت إليك في موضوع خاصّ وشديد الأهميّة بالنّسبة لي. هل يمكننا الذهاب إلى مكان ما لنتحدّث؟

- أجل بالطّبع. أين تريدين أن نتبادل أطراف الحديث، في المعتقلات أم في مراكز التعذيب أم في مكاتب الإيقاف أم في هياكل الاستخبارات؟ في أيّ أجزاء هذا المعسكر الفاتن الأخّاذ تريدين أن نتحدّث؟

ميريكا : - علمت بأنّهم خصّصوا لك غرفة هنا فلنذهب إليها

- حسنا.

صعدنا إلى هناك ثم جلسنا على السرير فتفوّهت:

ميريكا : - سأدخل في الموضوع مباشرة علمت بأنّك تملكين كفاءة عالية حتّى في المجالات البعيدة عن اختصاصك لذا أردت أن أسألك عن موضوع الحمل. لقد عدت الكثير من الأطبّاء وخضعت للكثير من الفحوصات والأشعّة وتناولت كمّا هائلا من الأدوية بلا جدوى لذا أريد حلّا.

- آسفة لتخييب آمالك فهذا الجانب ليس من اختصاصي ومحاولاتك معي ستكون أيضا بلا جدوى

ميريكا : - أرجوك حاولي معي. فلنخض التجربة على الأقلّ وسأهبك ما تشائين

- الأمر ليس مسألة هبة وعطاء. ولكن ألهذا الحدّ ترغبين في الإنجاب؟

ميريكا : - كلّا. أقوم بهذا لأجل جاكوب فهو يرغب في الأطفال بشدّة ويرنو أن يكون أبا. كما أنّي أظن أن الطفل قد يقوّي علاقتنا ويسدّ فجواتها ويقلّص من مشاكلنا لذا أريد ملأ الفراغ الذي بداخله ليكون سعيدا.

- لا أظنّ أنه يشكو هوّة أو فراغا حسب معرفتي به على الأقل في هذه

الأيام الأخيرة فهو يبدو دائما سعيدا ومبتسم الثغر.

ميريكا: - هذا فقط لأن أخته سيلا ستعود اليوم بعد غياب دام لسنوات وهو يحبّها كثيرا وكان دائما شديد التعلّق بها منذ أن كنّا أطفالا صغارا.

- وهل كنت تعرفينه عندما كنتما أطفالا؟

ميريكا : - أجل. ألا تعلمين أنّ جاكوب ابن عمتي. وقد توفّت عندما كان في الخامسة. ومن ذلك الحين صار يقطن معنا وتربّي على يد أبي. عليّ الذهاب الآن أرجوك فكّري في حلّ من أجلي.

- حتما سأحاول.

في ذلك الحين كان جاكوب يحول بنظره بين النازلين من الطائرة بحثا عن سيلا وبعد لحظات لمح فتاة ترفع يدها وتحييه من بعيد فمضى نحوها حتّى لقيها فعانقا بعضهما بحرارة .

سيلا : - أضناني الشوق إليك أخي. لقد ازددت وسامة أيّها الشقيّ

جاكوب : - وأنت أيضا ازددت جمالا وأناقة عزيزتي. كيف حالك؟

سيلا : - بخير مادامت طلعتك البهيّة مشرقة كالعادة. فلنذهب إلى البيت

جاكوب : - أجل. هيّا بنا. ميريكا تنتظرك.

سيلا : - كلّا. لا أقصد بيتك. أقصد البيت الذي نشأنا فيه.

جاكوب : - ولكّنه متّسخ للغاية. لم أزره منذ سنوات سوى مرّة واحدة. دعينا نقصد منزلي!

سيلا : - ولكنّي أريد استرجاع ذكرياتنا القديمة!

جاكوب : - وكأنّ هناك ذكريات سعيدة تستحقّ الذكرى. طفولتنا المأساويّة وصغرنا البائس يستوجب الطمس لا الاسترجاع. فلنذهب!

سيلا : - أريد أن أخبرك بأمر مهمّ للغاية عرفته منذ شهر تقريبا وتفحّصت صحّته مليّا فلمّا تأكّدت أردت العودة لأطلعك عليه. صدّقني قد تتفاجأ كثيرا حتّى أنّك لن تصدّق أقاويلي ربّما ولكنّها للأسف حقائق صادمة ووقائع مريرة.

جاكوب : - أخبريني ما الأمر؟ لحظة..هاتفي يرنّ.. إنّه خالي بنيامين..

جاكوب : - مرحبا سيّدي!

بنيامين : - أين ذهبت وتركت عملك أيّها الرّائد جاكوب. فلتعد على الفور !

جاكوب : - لقد ذهبت لاستقبال سيلا في المطار سأوصلها ثمّ أعود.

بنيامين : - أعلم ولكن لا داعي. سلّمها مفاتيح سيّارتك لتعود بها إلى منزلك. وستجد أنت سيّارة في الخارج أمام باب المطار تنتظرك لتأخذك إلى مكان المهمّة. لقد أحرق الإرهابيون ثكنتين لنا وهجموا على جنودنا. حتّى أطفالهم تناولوا الحجارة وصاروا يلقون بها تجاههم . فلتستعجل!

جاكوب : - حاضر سيّدي. سأغلق الخط.. سيلا هناك مهمّة استعجاليّة وعليّ أن أذهب. خذي مفاتيح سيّارتي. ستجدينها في الصفّ الثالث في الموقف لونها رمادي. خذيها واذهبي إلى منزلي وسنتحدّث عندما نعود.

سيلا : - حسنا. لا تتأخّر سأنتظرك. انتبه لنفسك جيّدا.

دخلت المشفى في تلك الأثناء فلقيت إحدى الممرّضات في القاعة. أحسست بالإحراج في بادئ الأمر أن أسألها ولكنّي لم أشأ أن أدع الأمر مبهما ففعلت: - لو سمحت. أريد أن أسألك ما معنى كلمة “ سينوز ”

الممرّضة : - لماذا تسألين؟

- فقط أريد أن أعرف!

الممرّضة : - سينوز أحد الشخصيّات الأسطوريّة في خرافاتنا

- وما المميّز فيه؟

الممرّضة : - كان مولعا بفتاة اسمها لاريفا إلى درجة الهيام. ولكنّها كانت من قبيلة معادية لتلك التي كان منها. وفي يوم ما شُنّت حرب كبيرة بين القبيلتين وكانت لاديفا إحدى سباياها وكعقاب له على فعلته الشنيعة ومحبّه لفتاة من غير قبيلته أمروه بقتلها ففعل ثم انتحر.

- آه فهمت شكرا لك. ... هكذا إذن لقد كانت إجابته عندما سألته لم لا يقتلني أنه لا يريد أن يكون مثل سينوز. ولكنّ سينوز لم يقتل أيّة فتاة

لقد صرع حبيبته إذن.. أكانت هذه علامة منه على أنّني بالنسبة إليه...

الممرّضة : - ماذا تتمتمين يا آنسة؟

- آه...لا شيء.. سأذهب.

توجّهت إلى المعتقل لأعطي الصغار درسهم وما كاد نصف الوقت يمضي حتّى دخل علينا أبراهام فجأة فخبّأت الأوراق في ثيابي وغيّرت الموضوع.

أبراهام : - طبيبتنا الجميلة هنا؟ ما الذي تفعلينه؟

- لا دخل لك.

أبراهام : - من استأذنت لتدخلي إلى هنا؟

- معي إذن من الرّائد جاكوب.

أبراهام : - آه.. حقّا.. أ الآن صار اسمه الرّائد جاكوب ألم يكن في ما مضى المجرم جاكوب. ما الذي تغيّر؟

- هل أخبرك أحدهم من ذي قبل أن النظر إلى وجهك يثير القشعريرة في الجسم ويبعث الاشمئزاز في القلوب؟

أبراهام: - ستدفعين يوما ثمن وقاحتك غاليا. وستركعين أمام هذا الوجه الذي يثير فيك الاشمئزاز طلبا للرحمة والمغفرة.

- تأكّد أنّي لن أركع لك مطلقا.

سار أبراهام أمامي ثمّ تقدّم نحو الزنزانة المقابلة ففتحها وأخرج إحدى الأسيرات بينما كانت تصرخ بقوّة فمضيت نحوه وسألت:

- إلى أين تأخذ الفتاة؟

أبراهام: - قد أهنتني منذ قليل فسكتت ولم أجبك بأمر من الرّائد أمّا وأنت تعطّلين عملي فإن تصرّفي سيكون مغايرا تماما. ابتعدي عن وجهي.

الفتاة : - أتركني أيّها الحقير

أبراهام : - ههههه. من الحقير؟ أ هكذا أيّتها اللّعينة تخفين هويّتك عنّا طيلة هذه الفترة. لقد أزعجنا هذا التصرّف لو علمنا ابنة من تكونين منذ البداية لأحسنّا استضافتك. غادة أحمد الحسّان لن تتخيّلي مقدار سعادتنا بوجودك بيننا.

- هل هذه الفتاة هي ابنة الشهيد أحمد الحسّان؟

أبراهام: - تقصدين ابنة الإرهابي أحمد الحسّان. تماما هي بعينها. هيّا تحرّكي

- أبراهام أترك الفتاة إلى أين تأخذها؟

أبراهام: - مرّة أخرى تقحمين نفسك في أمور لا تهمّك. ياسمين لقد نفذ صبري ارحلي من أمامي وإلاّ...

- لن أغيب عن وجهك حتّى تترك الفتاة. ألا يكفيك أسرها! ما الذي ستفعلونه هذه المرّة هل ستعذّبونها حتّى إذا يئستم من بوحها أمرتم باغتصابها ومن ثمّ بقتلها مثلما فعلتم بمريم. لن أسمح لك هذه المرّة.

فجأة قبض أبراهام جدائلي وراح يلفّها بين يديه وأنا أكتم الألم بإغماض عيني التي فتحتها فور التقاط صوت جاكوب.

جاكوب : - أبراهام أتركها كم مرّة قلت لك إيّاك أن تقترب منها!

أبراهام (في نفسه) : - لا أفهم لم يستمرّ في الوصول في اللحظة المناسبة

كأبطال الصور الكرتونيّة .

أبراهام: - سيّدي ياسمين تستمرّ في مضايقتي وتعطيل عملي.

جاكوب : - خل أنّ شيئا لم يكن وواصل عملك. ياسمين تعالي معي

- كلّا لن آتي وأترك هذه المسكينة بين براثن هؤلاء المتوحّشين.

جاكوب : - ياسمين رجاء لا تثيري سخطي. تعالي

- قلت لك لن آتي.

تجاهل جاكوب كلامي وراح يجذبني من ذراعي بقوّة إلى خارج المعتقل حتّى أدخلني مكتبه ودفعني على الكرسيّ ثم أقفل الباب.

جاكوب : - ياسمين ألا تنوين أن تبقي هنا سالمة! لم تبذلين جهودك لتقبّل الأذى وتستمرّين في حشر أنفك في أمور لا تعنيك. مريم كانت صديقتك وهذه الفتاة ماذا؟

- هذه الفتاة شابّة بريئة لا ذنب لها يريدون أن يفتروا عليها !

جاكوب : - وما شأنك أنت؟

- وما شأنك أنت بي؟ لم لا تنفكّ عن التدخّل في أموري؟

جاكوب : - لأنّك غبيّة للغاية. ما البطولة التي كنت ستفعلينها لو بقيت؟ كان سيضربك ويؤذيك ثم يأخذ الفتاة ويمضي؟ ما الذي ستغيّرينه. كفاك حمقا

- على الأقل سأكون قد حاولت

جاكوب : - وماذا عنك؟ ماذا إن أصبت؟

- هم بحاجة لي. لن يؤذوني

جاكوب : - أرجوك ضعي حدّا لسذاجتك المفرطة ياسمين. مهما ارتفع قدرك في إسرائيل سيقضى عليك في ثوان إن مثّلت خطرا أو إزعاجا لأمنهم. هل تعرفين ما الذي سيحلّ بك لو علم اللّواء بنيامين أنّك تدرّسين الأطفال؟

- كيف عرفت بهذا؟

جاكوب : - أنا على علم بكل صغيرة وكبيرة هنا. ياسمين لن أستطيع توفير الحماية لك دائما فكوني حذرة ولا تتهوّري.

وفجأة طُرق الباب ودخل بنيامين منشرحا فحيّا جاكوب ثمّ ربّت على كتفه مهلّلا:

بنيامين : - أحسنت صنعا أيّها الرّائد الشهم. لقد كانت ضربة قاضية أثبت فيك كفاءتك العالية مرّة أخرى.

جاكوب : - شكرا سيّدي هذا واجبي

بنيامين : - ولكنّك تستحق الشكر على إتمام واجباتك على النحو المطلوب. كنّا في اجتماع منذ الصباح وانتهينا منه للتو بجملة من القرارات أهمّها خبر سيسعدك.

جاكوب : - سعادتي رهن مصلحة إسرائيل سيّدي.

بنيامين : - لقد تمّت ترقيتك اليوم لتصبح عقيدا في الجيش تهانينا.

جاكوب : - شكرا لك سيّدي آمل أن أكون عند حسن ظنّكم بي.

بنيامين : - بالتأكيد.آه... قبل أن أنسى، سمعت بأنّ سيلا قد عادت اليوم كيف حالها؟ لمَ لمْ تأت لزيارتي؟

جاكوب : - هي على ما يرام. ستأتي بالتأكيد لاحقا.

بنيامين : - إذن استدعها لحفل تنصيبك في المساء وأخبر ميريكا أيضا.

جاكوب : - حاضر.

بنيامين : - هذه الفتاة ما الذي جاء بها إلى هنا؟ أمازالت تبكي صديقتها؟

جاكوب : - جاءت لأمرّنها كالعادة. سآخذها إلى مركز التدريب الآن.

بنيامين : - حسنا. واصل في تدريبها مؤقتا. سنخلي عنك عبأها قريبا.

جاكوب : - مفهوم.

غادر بنيامين وبقيت مستغربة لا أفقه شيئا. فسألته على الفور:

- لماذا قاموا بتكريمك؟ ما المهمّة التي أدّيتها بنجاح؟

- ياسمين لا تتدخّلي. فلنذهب إلى التدريب.

- أترك يدي، لا تلمسني. أجبني أوّلا ما الذي فعلته؟

- ما الداعي لأن تعرفي؟

وفجأة طرق الباب مرّة أخرى ودخل روبن:

روبن : - مرحبا جاكوب تهانينا.

جاكوب : - شكرا سيّدي

روبن : - من اليوم صرنا بنفس الرتبة لذا لا تناديني سيّدي. ولكنّي حقّا معجب ببراعتك كيف تمكّنت من قتل مئة وعشرين شخصا في سويعات معدودة ! لقد لقّنتهم درسا لن ينسوه أبدا. على كلّ سألقاك في المساء عند التكريم.

جاكوب: - إلى اللّقاء.

ربّما لم أسمع فعلا العدد المذكور أو ربّما لم أرد أن أسمعه أو ربّما سمعته ولم أرد أن أصدّق. رفعت عيناي إليه وقد انسكب منهما خيطان من الدّموع على خدّي وقمت لأغادر . مسكني حينها فصرخت بأعلى صوتي

- أتركني. لقد خيّبت كل آمالي وفنّدت جميع ظنوني بك. لم لا تستطيع أن تعيش بدون سفك لدماء الأبرياء؟ لم لا تستطيع أن تحيى بدون إبادة لأرواح النّاس؟

- ياسمين أرجوك اسمعيني

- أرجوك دعني لا أحتمل حتّى رؤية تفاصيل وجهك.

خرجت من مكتبه وصعدت غرفتي وفي داخلي أشياء بصدد الانكسار. صوت قرقعتها وانحطامها يضجّ بأذني ويندمج مع كلمات مريم “حبّك هذا جريمة للأسف ياسمين. حبّك وإن لم يكن خيارا فهو خيانة للقضيّة بأكملها. حبّك عشق عصيّ عاقّ.” أظنّها محقّة تماما. ومرّت أيّام شعرت فيها أنّي في خِيَرة بين الصّبابة والقيم. ماذا إن فضلت الهوى وأكملت عمري أعظ أنامل الندم على تجاوزي للمبادئ السامية وتنكيسي للشيم. وماذا إن آثرت المبادئ ثم أتممت حياتي أتحسّر على ما فرّطت فيها من الوجد والغرام.

أ تحوّل وجودي فجأة إلى معادلة صعبة أم إلى متراجحة معقّدة ولم أتفطّن! وسألت نفسي هل عليّ إتّباع العقل كمعقل الحكمة أم السير وراء القلب كرباط الحقيقة؟ وأين الحكمة في التخلّي عن من تيّمني عشقه وأرّقني طيفه وأين الحقيقة في التملّص من قضيّتي؟ لم يكن قراري باختيار أحدهما سهلا ولم يكن الشروع في تنفيذه أبدا بسيطا ولا هيّنا. ذاك أنّي بعد أن أقنعت نفسي بأنّ ودّا يجرّدني من نخوتي وينتزع عنّي مروءتي لا يلزمني البتّة ومن ثمّ بدأت محاولاتي لفكّ صلتي به قادني الحنين إليه مرّة أخرى. ولقيتني أتجنّب لقياه والرّغبة في الإبحار في محيطات مقلتيه تشجيني ووجدتني أتفادى ذكره والشوق إلى الحديث عن محاسنه الضئيلة والتلفّظ بمناقبه القليلة يضنيني. حتّى اصطدمنا ذات يوم في السلّم. أمسك بكفّي فنزعته بقسوة وتجاهلته وكم تمنّيت لو أمسكه أكثر وكم وددت لو دفنت وجهي بين ذراعيه لأبثّه اشتياقي المرير. فلمّا استدرت لقيت أبراهام أمامي

أبراهام : - ما بال وجهك قد احمرّ وملامحك قد اضطربت؟

- من عظم فرحتي وتأثّري بلقائك. أغرب عن وجهي أبراهام !

أبراهام : - لا تحسبي أنّي غافل عمّا يدور في الأنحاء. أنا العين التي لا تنام يا فتاة!

- ماذا تقصد؟

أبراهام : - لقد تحوّل معسكر الجيش الذي لا يقهر إلى سفينة تايتانك للعشّاق البائسين.

- فلتتسلّى مع غيري.

أبراهام : - كيف استطعت أخذ لبه وكسب حبّه والنّيل من قلبه؟ أنت حقّا امرأة عظيمة! ولكن هيهات للأسف تبدوان قصّة حبّ بلا أمل مثل الطيور بلا أجنحة أو مثل الطائرات بدون طيّار الفاشلة التي تحاول حماس صناعتها في كلّ مرّة.

- يكفي أنّها تثير فيكم الفزع وتزرع الرّعب في قلوبكم أيّها الجبناء.

وما إن أتممت جملتي حتّى لمحت جاكوب يخرج راكضا بأعلى سرعة ليغادر المعتقل بوجه شاحب مختنق. وذهبنا كي نستطلع الأمر فأخبرنا أحد العساكر أنه تلقّى اتّصالا انقلب إثره على هذا الحال وسيطرت عليّ الحيرة وتملّكني القلق ترى ما الذي يجري؟ وأثارت استعجابي ابتسامة أبراهام الصفراء التي أخفاها بين شفتيه، فبدا وكأنّه على علم بما يدور. ثم تركني وولج إلى مكتب بنيامين. وقضّيت مسائي في جوّ من التهيّب حتّى أسدل الليل رداءه فاعتكفت فراشي وعبثا حاولت إغلاق جفوني والتقلّب في سريري ولكنّ النوم لم يهتدي إلى سبيلي. كانت السّاعة قرابة الثانية ليلا عندما سمعت صوت هرولة في الممرّ فُتح باب غرفتي على إثره. نهضت في فزع وفتحت الكهرباء فوجدت جاكوب أمامي. جاكوب جديد لا أعرفه ولم أره يوم. رجل بوجه شاحب وعينين حمراوين قد تجمّعت فيهما الدّموع حتّى إذا ضاق المكان عليها انحدرت على وجنتاه مجدّدا. اقترب منّي وأخذ يترجّاني ويتوسّل إليّ بصوت غلبت عليه الغصّة وقطّعته الشهقة والعبرات أن أنقذها لتعيش. لم أفهم قصده فسألته أن يشرح لي فأخبرني أنّ سيلا قد أصيبت. رافقته إلى غرفة العمليّات أين أرقدها على السّرير وقد كان دماغها منشقا وقلبها متوقف تقريبا. نظر إليّ كالطفل الصغير طالبا المساعدة فاستفهمت عن الواقعة فأعلمني أنّها قد تعرّضت لحادث سيّارة وأنّهم نقلوها إلى مصحّة خاصّة غير أن الأطبّاء أخبروه أنّها من المحال أن تعيش لذا قام باختطافها من هناك وأتى بها إلى المصحّة العسكريّة. بمجرّد أن ألقيت النظر عليها كان واضحا أن أمل الحياة منعدم لديها غير أنّ توسّلات جاكوب المتواصلة دفعتني لخوض التجربة الميئوس نجاحها. واستجابة له ارتديت قفازاي وعقّمت يدي وجهّزت الغرفة بمفردي إذ لم يكن بوسعي الاستعانة بأحد بحكم أنّ مداواة غير العسكريين في هذه المصحّة ممنوع تماما. رغب جاكوب في مصاحبتي خلال الجراحة فلم أمانع بل ناولته الملابس المعقّمة فارتداها على عجل وشرع في مراقبتي بينما أبذل كل وسعي لإنقاذها. تخلّلت العمليّة لحظات أمل وومضات يأس ولكنّها كلّلت بالفشل المتوقّع في نهاية المطاف. لم أستطع للأسف إنقاذها رغم أنّي رغبت في ذلك بشدّة ولكنّ دقّات قلبها أبت إلا أن تتوقّف فاستقام لها مؤشر النبضات وذهبت سيلا إلى العالم الآخر بدون رجعى. انهار جاكوب تماما ومسك بي وأخذ يخظّني ويطلب منّي أن أنقذها، كان يمسك بمئزري ويدفعني إلى الأمام مرّة وإلى الخلف أخرى ولم يكن بوسعي أن أفعل شيئا من أجله. وانخرط من بعدها في سمفونيّة مدويّة: بكاء، أنين، شهيق، شجين ثم ارتطم على الحائط المقابل والدموع تنهمر من عينيه. ألم يكن المفروض أن أفرح؟ عدوّي الذي قتل أصدقائي الآن يشعر بالأسى الذي أذاقني إيّاه فلم لا أسعد؟ منطق العدل والقصاص يقضي بأن أغطبت بيد أنّني لم أستطع أن أسرّ. لقد آلمني صراخه كثيرا وأشعل لوعة في مهجتي حتّى ذرفت الدموع بصحبته. آلمني لدرجة أنّي وجدت نفسي أقترب منه تلقائيّا لأحضنه بقوّة مربّتة على ظهره. لم فعلت هذا؟ أعلم أنّني مخطئة وأنّه لا يجدر بي فعل هذا ولكنّ إرادة الفؤاد هذه المرّة طغت على كلّ عقل ومنطق. ووجدت نفسي أستسلم للوجد النابع بداخلي غصبا عن أنفي حتّى أشرق الصبح.

فتحت عيناي فإذا بريق الشمس قد تسلّل من بلّور النافذة ليخط بصمته على وجهي. التفتت فوجدت نفسي في غرفة العمليّات متكئة على الحائط أين جلست البارحة قرب جاكوب الذي توسّد كتفي وتلحّف شعري. استدرت فلم أجد له أثرا ولم أجد جثمان سيلا. نهضت ونزلت عند المكتب بحثا عنه فلم أعثر عليه، تفحّصت أغلب أركان المعسكر بدون جدوى. تناولت هاتفي واتّصلت به فلم يجب. أعدت الاتصال وفجأة لقيت يدا

غليظة تفتكّ منّي هاتفي فإذا هي لأبراهام.

- لا تتّصلي مجدّدا. جاكوب يدفن أخته صبيحة اليوم.

كان عليّ التظاهر بأنّي لست على علم بأي شيء لذا سألت:

- ماذا؟ هل ماتت أخته؟ كيف؟

- أصيبت في حادث سيّارة ونقلت على إثره للمستشفى.غير أنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إنقاذها فقد كان رأسها قد انفطر لشقّين. لذا أظنّ أنّ جاكوب لن يكون هنا لفترة. سأكون لك أنيسا بدلا عنه إذا أردت.

ومرّ شهر أو أكثر وجاكوب لم يظهر. علمت أنّه كان يشكو أزمة نفسيّة وأنّه غائب عن البيت حتّى أن ميريكا لا تعلم عنه شيئا. كنت في كلّ يوم أنزل لأترقّب مجيئه عبثا. حاول أبراهام في تلك الفترة إزعاجي ولكنّي أصبحت قادرة على حماية نفسي بالقدر الكافي على ما أظن. فهمت الآن لم كان جاكوب قاسيا معي عند التدريب لأشهر. ربّما لأحمي نفسي عندما لا يكون موجودا. تمكّنت أيضا من قتل جنديّين عن طريق الأدوية المغلوطة. شعرت أنّ حاجز الخوف بدأ يتهدّم في داخلي شيئا فشيئا وأنّ ثقتي بنفسي وبقدراتي بدأت تعود تدريجيّا. زاولت تعليم الأولاد في تلك المدّة فقد مثّل تعليمهم ملاذا لي على الصعيد الشخصي ومتنفّسا لهم أو ربّما خيطا رهيفا يتمسّكون به كي لا تنقطع أحلامهم.أدركت أيضا خلال تلك الفترة وقائع عديدة وعشت مشاهد متنوّعة. أحيانا أسعد عندما تتمكّن المقاومة من النيل من جنود الاحتلال وأحيانا أبكي لما أراه من فضاعة ووحشيّة في هذا المكان. أبكي بحرقة عندما أراهم يزجّون بشاب في مقتبل العمر في غرفة لا تتجاوز مساحتها المترين مع كلاب جائعة مسعورة ليجعلوا منه غذاء لها فتنهش جسمه وتقطّع أطرافة أشلاء. أبكي بلوعة وأنا أنصت إلى صراخ النسوة العاريات المعلّقات في أعلى السقوف في غرف التعذيب. أبكي بشهقة عندما تصلني صيحات المصعوقين بالكهرباء وأسأل نفسي حينها: كيف أمكن لهم أن يعيشوا بسلام طيلة هذه السنين؟ كيف يمكن لهؤلاء القتلة أن يغلقوا جفونهم ويناموا بينما يضل المقاومون مكبّلين بالسّلاسل معلّقين حول عمود لأيّام؟ كيف أمكن لهم أن يأكلوا ويشربوا ولا يتحوّل الماء في أعينهم إلى دماء؟ تلك الدماء الزكيّة التي يسفكونها منذ عقود. كيف يستطيعون مداعبة صبيانهم ومؤانسة نسائهم ومجالسة أمّهاتهم ودموع من يتّموا وصيحات من رمّلوا ودعوات من ثكّلوا تنهمر عليهم كالمطر بلا توقّف؟ ألا يتحوّل خرير الجداول في آذانهم إلى صرخات المعذَّبين بتنكيلهم؟ ألا ينقلب أريج الزهور في أنوفهم إلى روائح السّجائر التي يحرقون بها أجساد الصّادحين بالحقّ؟ ألا يتبدّل طعم العسل في أفواههم إلى نكهة الحنظل في مرارته التي يبتلعها الفلسطينيّون منذ الاحتلال؟ ألا يتغيّر ملمس الحرير الناعم في أياديهم إلى شوك خشن جارح يدمّي كالجور والقهر الذي سلّطوه على الشّعب الأبيّ لسنين؟ ترى أين رحلت ذرّة الإنسانيّة فيهم أم أنّهم خلقوا بدونها ! وأين دُفنت حبّة الرحمة لديهم أم أنّهم أنشئوا بلاها ! ومضت فترة أخرى إلى أن كنت يوما في غرفتي وسمعت على حين غرّة أصواتا في الأسفل من قبيل " أهلا سيّدي" "مرحبا بقدومك" ترى هل هو جاكوب؟ هل عاد أخيرا؟ قفزت من مكاني ونزلت بسرعة البرق. ووقفت في البهو أمام الساحة التي اجتمعوا بها فلم أستطع رؤيته لأنّ الجنود كانوا محيطين به، اقتربت منهم فلمحني روبن وناداني بصوت ضاحك: " تعالي إيسمين لتتعرّفي على قائدك الجديد" صدمتني كلماته ولم أفهم قصده إلاّ عندما استدار لي ذلك الرجل لأتفاجأ بوجه لا أعرفه. هذا المرحّب به لم يكن جاكوب. كان شخصا مغاير بعينين سوداوين يتطاير الشرر منهما، ووجه أبيض البشرة طبع عليه أثر جرح قديم على الجبين. سألت روبن:

- من يكون؟

- العقيد إيتان. سيحل محلّ العقيد جاكوب من هنا فصاعدا وسيتولّى كلّ مسؤوليّاتهم بما فيها أنت. لذا كوني مطيعة

- ماذا؟ ولكن لماذا؟ ماذا عن جاكوب؟

- العقيد جاكوب طلب أن يُنقل إلى معسكر آخر بعيد عن هنا.

أدهشني الخبر أكثر وأدخلني دوّامة التساؤلات الحزينة. لماذا طلب النقلة؟ لقد كان راضيا بالعمل هنا ولم يشتك يوما من شيء ! ما الذي دفعه للهروب من هنا وبهذه الطريقة؟ أ يكون للأمر علاقة بي؟ وقع الخبر عليّ كالصاعقة وشردت أفتّش عن جواب فلم أنتبه إلاّ عندما مدّ إليّ إيتان يده ليصافحني قائلا: " آمل أن تكوني متعاونة كي يكون الجو لطيفا فنعمل سويّا بسلام" وبحدّة أجبت تاركة يده ممدودة هكذا: " ما آن للسفّاحين من أمثالك أن يتحدّثوا عن السّلام" وذهبت في طريقي فلم ألاحظ حتّى احتقان وجهه وسهام نظراته المرعبة. كلّ ما كان يشغل فكري سبب رحيل جاكوب على هذا النّحو وبدون أن يقول لي أيّة كلمة. لا بدّ أنّ في الأمر خطب ما !

هاهو اليوم الثالث منذ سماع الخبر يمرّ على أمل أن يأتي ليودّعني أو أن يتّصل بي ليعلمني أسبابه ولكن دون جدوى. حينها قرّرت أن ألاقيه أنا ومع علمي بأنّ مغادرة المعسكر أمر مستحيل كان عليّ إيجاد حلّ لهذا الأمر. وقفت في مساء ذلك اليوم قبالة مكتب بنيامين أنتظر حتّى سمح لي بالدّخول

- مرحبا إيسمين. ما دواعي هذه الزيارة؟

- أردت إخبارك بأمر. ذات يوم قدمت إليّ ابنتك ميريكا وطلبت منّي أن أساعدها في موضوع الحمل وأخبرتني أنّها..

- لا تكملي. أعلم كلّ هذا.

- أظنّ أنّني وجدت العلاج اللّازم لها.

- أ حقّا ما تقولين؟ هل ستتمكّن ميريكا من الإنجاب. إعطني هذا الدّواء سأحمله لها.

- ولكن عليّ أن أتأكّد من أمر أوّلا. لذا عليّ أن أفحص حالة زوجها كي أتيقّن من فعاليّة هذا العلاج.

- إذن تريدين مقابلة جاكوب؟

- أجل. من أجل الفحوصات اللّازمة.

- ولكن أظنّ أنّه غير متفرّغ في هذه الفترة أجّلي الأمر.

- ولكنّي اتّصلت بالآنسة ميريكا وأعلمتها وأخبرتني أنّه متفرّغ.

- وهل أعلمتها بالأمر ! حسنا إذن سأتّصل به ليأتي في الحال.

- ولكن لو سمحت، لا تخبره عن الموضوع. ربّما يرفض المجيء.

- حسنا سأتعلّل بسبب آخر. الهاتف يرنّ بإمكانك أن تغادري الآن

- آه حاضر.

خرجت والبسمة تعلو شفتاي. بالطبع كانت القصّة أكذوبة من نسج خيالي غير أنّ هناك أمر عجيب. بنيامين لم يفرح أبدا لمّا علم أنّي وجدت العلاج لابنته، أحسست أنّه تفاجأ بخير لم يكن سارّا بالنّسبة إليه حتّى أنّ ردّة فعله دفعتني لإخباره بأنّي اتّصلت بميريكا وأعلمتها مع أنّي لم أفعل ولكنّي قلت هذا خوفا من أن لا يعلمه. لم أشغل ذهني بمشاكل لا تعنيني ومن يفهم ماذا يدور في رؤوس هؤلاء فليذهبوا إلى الجحيم. مكثت أنتظر في المصحّة لفترة حتّى سمعت وقع أقدام في الممرّ ثم فتح الباب وإذا ببنيامين يلج صحبة جاكوب. صمت كلانا في البداية وفتحنا المجال لأعيننا كي تتحدّث وتسأل وتجاوب ولكنّ جاكوب لم يطل النظر. لقد رفع عينيه عنّي فجأة وحولقهما في القاعة وكأنّه يدخلها لأوّل مرّة فقط بغية تفادى نظراتي.

كان قلبي يدقّ بقوّة جعلتني أسمع صوت نبضاته العالية. ذاك الصّمت الرّهيب وإن حمل الكثير من المعاني فإنّه لم يدم طويلا إذ بادر اللّواء بقطعه " ها قد أحظرته. سأمنحكما بعض الخصوصيّة للقيام بالفحص ولكن لا تتأخّر جاكوب أحتاجك في أمر وكيد عاجل. إيسمين أحسني العناية به فقد يكون هذا آخر شخص تفحصينه ! " ربّما كانت كلماته تحمل في طيّاتها لغزا قد ينكشف فيما بعد ولكنّ روحي كانت ترفرف للحديث مع جاكوب لدرجة أنّي لم ألق بالا لما يقول. خرج في الأخير وتركنا ولكنّ جاكوب لم يلتفت لي. لقد كان يحول بنظره في السقف وكأنّه يبحث عن شيء. حينها خلت أنّه يتجنّبني فحسب لذا بدّدت الحرج الذي أحسست به وبادرته: " جاكوب" وما كدت أفتح فمي حتّى أومأ إليّ بيده أن أسكت واضعا سبّابته على فمه وفجأة تناول مسدّسه وصوّب نحو ركن السقف فسقطت قطعة صغيرة على الأرض اتّضح أنّها كاميرا للمراقبة وقد خشي جاكوب أن يكون حديثنا مراقبا.

ثم التفت إلي:

- ما قصّة هذا الفحص؟

- مجرّد أكذوبة لأتمكّن من سؤالك عن أمور شغلت بالي طيلة فترة غيابك. أوّلا لم رحلت؟ وثانيا...؟

- لا تكملي. إن كانت أسئلتك من هذا القبيل فلن أجيب. طلبت النقلة ولم يكن ذلك خيارا.

- لماذا لم يكن خيارا؟ من الذي أجبرك على فعل هذا؟ رجاء أخبرني. أليس من حقّي أن أعرف السبب على الأقل !

- لا شيء سيتغيّر إن عرفت.

- جاكوب أرجوك. أريد أن أعرف لأنّ الحيرة باتت تؤرّقني وتدفع بي إلى الكثير

من الأفكار السلبيّة والهواجس.

- رحلت بطلب من أبراهام. كان ذلك شرطه ليخفي أمرنا عن بنيامين.

- ماذا؟ لم أفهم؟

- جاكوب أحسّ أنّ هناك أمرا مريبا يجري بيننا وهدّدني إذا لم أطلب النقلة أن يخبر بنيامين ولذا آثرت الرحيل كي لا أتسبّب لك في مشاكل جديدة أنت في غنى عنها.

- وما الذّي سيجنيه أبراهام بغيابك؟

- يطمح أن يستلم مكاني في المعسكر بعد أن يجد مكيدة ليطيح بالرّائد الجديد. ولكن لا تخافي لقد دفعت له المال المطلوب كي لا يتعرّض لك بسوء. لذلك لا تخشي وجوده.

- جاكوب. أنا آسفة. أستمرّ في إثارة المشاكل من حولك. جاكوب أنا...

اعتراني اضطراب شديد غرقت على إثره أجفاني في الدّموع. فمسحها ثم قال مستطردا:

- لا بأس، لا عليك. هل حان دوري الآن لأسأل؟

- عن ماذا؟

- عن محاولتك لإنقاذ أختي رغم ما قلته في آخر مرّة. في مساء الاحتفال عندما قدمت إليك وطلبت منك أن تحظري الحفل أتذكّر ما قلته حينها بالحرف الواحد. قلت أنّك تكرهين وجودي في حياتك وأنّك صرت تتمنّين موتي والانتقام منّي. قلت أيضا أنّ رؤيتي تشعرك بالاشمئزاز وأنّ عليّ الابتعاد عنك قدر المستطاع. أخبرتني أيضا بأنّني مصدر لعذاب الضمير بالنسبة لك وبأنّي..

- أحقّا قلت هذا؟

- وأكثر. ولذا عندما أتيت متوسّلا كي تساعدي أختي انتظرت منك أن ترفضي ولكنّك وافقت وأريد أن أعرف أحقّا أردت إنقاذها أم أنّك تمنّيت موتها كي تنتقمي؟

- ربّما لن تصدّقني عندما أخبرك أنّي تمنّيت لو أنّ باستطاعتي أن أتركها

تموت لتنتقم. تمنّيت لو أنّه كان بوسعي أن أبتهج لحظة وفاتها ولكنّ قوّة بداخلي أبت. قوّة تجعلني أريد إنقاذها، تجعلني أريد إبقاءك بجانبي وتجعلني أشتاق.. كفى أنا آسفة أرجوك غادر. انس كلّ ما أخبرتك به.. اعتبر أنّي لم أقل شيئا.

استدرت إلى الجهة المقابلة لأمس دمعة حارّة انحدرت على وجنتي وما إن مسحتها حتّى تبعتها دمعة أخرى وأخرى فقلت بصوت متقطّع: " أخبر بنيامين أنّ نتائج الفحص كانت إيجاب.." ولم أكمل جملتي إذ وجدت نفسي بين ذراعين تعانقني من الخلف ووجه يلامس شعري وقد همس صاحبه بصوت خافت:

- هذه القوّة اللّعينة التي تتحدّثين عنها تسمّى العشق. هذا الكلف هو وحده القادر على أن يجمع بين اثنين يفترض أن يكونا أشرس عدوّين. بين اثنين يؤمن كلّ منهما بقضيّة هي نقيضة الأخرى ويعمل جاهدا لنصرتها. هو وحده القادر على تغيير ما في دواخلنا. وحده استطاع أن يصنع منّي خائنا متواطئا يساعدك في إنقاذ أعدائي ويدافع عنك مقابل أبناء وطني ويحمي صديقتك على حساب عساكري لذا فهو عشق خاطئ. ومن المفترض أن لا تتولّد مشاعر من هذا النوع بيننا.

- ماذا وإن تولّدت

- يجب القضاء عليها. وهذا كان السبب الثاني لكي أختار الرحيل.

فتح جاكوب ذراعيه ثم تركني واستدار وغادر وارتميت حينها على الكرسيّ المجاور.

دخل جاكوب مكتب بنيامين فلقي على ملامحه اضطرابا غير معهود. كان مكفهرّ الوجه، مقطّب الجبين، ضاربا الكفّ بالكفّ يجوب القاعة ذهابا وإيّابا

- ما الخطب سيّدي هل وقع أمر ما؟

- لقد وقع ما لم يكن في الحسبان . جاكوب نحن في ورطة وعلينا إيجاد حلّ سريع !

- ما القصّة؟

- أخبرني أحد الأصدقاء عبر الهاتف أنّ هناك دعوة مقدّمة ضدّنا تفيد بأنّنا قمنا باختطاف أطفال صغار من غزّة إضافة إلى اختطاف الطبيبة التي أرسلتها جمعيّة حقوق الإنسان رفقة طاقم كامل للفلسطينيّين. وبناء على هذه الشكوى ستحلّ في القريب العاجل جمعيّة حقوقيّة أجنبيّة للتثبّت من الأمر. علينا أن نتصرّف. لا أريد أن تهتزّ صورتنا لدى الرأي العام الأجنبي. نريد منهم أن يبقوا في صفّنا مهما كلّفنا الأمر

- وما الذي تنوي فعله سيّدي ؟

- لم أجد حلّا سوى أن نمسح آثارهم قبل وصول الوفد المرسل.

- كلّا. هذا الأمر مستحيل. أعني هذا ليس بالحلّ المجدي. إذا قتلنا الطبيبة فنفتقد مهاراتها. ما رأيك أن نخفيها خارج المعسكر لفترة.

- الجمعيّة قد تبقى هنا لأسبوع كامل. سيكشف أمرنا. فلنقتلهم جميعا فحسب.

- كلّا. أنا سأخفيها، أعدك أنّها لن تظهر أمامكم أبدا. سأصطحبها معي إلى أن يرحل هذا الوفد.

- ولم تبدو حريصا على حياتها؟

- لأنّ الجيش في حاجة إلى خدماتها خاصّة في الجراحات الشّاقّة. تذكر يا سيّدي أنّه لولاها لفقدناك عندما أصبت. ما رأيك سيّدي؟

- قد يبدو الأمر معقولا. حسنا لا مشكل. ولكن انتبه إن كشف الأمر سأنزع روحك بدلا عنها.

- حاضر سيّدي.

- إذن مُر الجنود أن يتخلّصوا من أولائك الأطفال في الحال.

- ولكنّنا غير مضطرّين لهذا. لدينا حلّ آخر.

- لا حاجة لي إلى حلّ آخر. بقاؤهم على قيد الحياة لن يفيدنا في شيء.

- بوسعنا أن نجعل منه مفيدا.

- وكيف هذا؟

- بإمكاننا أن نصوّر للعالم أنّ الصغار قدموا إلينا واحتموا بنا من أهاليهم. وهكذا سنكسب المزيد من التعاطف بدل تفنيد الافتراءات.

- ما هذا أيّها العقيد ! أنت حقّا رائع. ها أنت تواصل في نيل إعجابي الساحق ببداهتك ودهائك. أظنّ أنّ ترقيتك المقبلة لن تكون بعيدة جدّا ! سنشرع في تطبيق فكرتك وسنعمل على تحسين أوضاعهم كما سنبعث بمن يلقّنهم بالحرف ماذا عليهم أن يقولوا. بإمكانك أن تذهب الآن واحذر أن تهرب منك تلك الطبيبة.

- كن مطمئنا سيّدي ! عن إذنك.

مرّت نصف ساعة تقريبا وإذ بجندي يأتيني ليخبرني أن جاكوب ينتظرني في الخارج. توقّعت أنّه يريد أن يعلمني بشيء ما قبل ذهابه فمضيت نحوه لأعلم ما يريد. كان قابعا في سيّارته وأشار لي بالصّعود. وفجأة قدم جنديّ وفي يده حقيبتي فسلّمها لجاكوب وأخبره بأنّه قد جمع كل الأغراض بينما بقيت واقفة على تلك الحال لا أعي شيئا. نزل من سيّارته ففتح لي الباب وطلب منّي الصعود. سألته عن سبب طلبه لي وما إن كان قد نسى شيئا فأخبرني أنّه نسي ثم تذكّر لتوّه أنّ القضاء على تلك المشاعر أمر محال. لم تتوقّف تساؤلاتي طيلة الطريق ولكنّه لم يجب على أيّ منها إلى أن وصلنا إلى بيت قديم. لقد كان ذات البيت الذي حملني إليه في المرّة السّابقة. ولم يسمح لي بالوقت الكافي لأطرح استفساراتي إذ باغتني بالكلام: " أرجوك ثقي بي لمرّة واحدة. رجاء ابقي هنا ولا تغادري هذا المنزل. بدون لماذا! لا أستطيع إخبارك بالأمر الآن لذا امنحيني بعض الثقة وابقي هنا. ستجدين المنظّفة على وشك الانتهاء من تنظيف البيت. امكثي هناك وسآتي بعد قليل" دخلت ذاك المنزل الدافئ فحيّتني الخادمة ودلّتني على غرفتي ثم غادرت وتركتني هناك وحيدة. كانت الشمس قد غابت ليتأهّب القمر للبروز مكانها ولم أجد ما أفعل بعد فتح حقيبتي وتغيير ملابسي. خرجت إلى الحديقة لأنتعش قليلا فلمحت زهور الأوركيد الذابلة التي نقلتني إلى عالم آخر فشردت وتذكّرت كم كنّا نزرع هذه الزهور في حديقة منزلنا القديم في أمريكا وحتّى عندما عدنا إلى أرض الوطن لمّا كنّا أطفالا. أذكر أنّ أمّي كانت شديدة الولع والعناية بها حتّى أنّها تستفيق مبكّرا في كلّ يوم لكي تغذّي هذه النباتات. كم ستكون أمّي خجولة بي إذا عرفت ما أفعل. أمّي تمشي بين زميلاتها في المدرسة رافعة رأسها بكل فخر لأنّ ابنتها تداوي إخواننا في فلسطين. لو علمت من أداوي لأنكرتني ربّما. لو علمت أنّي في منزل الشابّ الذي قتل سليم لندمت على الإتيان بي إلى هذه الدنيا أساسا. كم اشتقت إلى أمّي، إلى نبرات صوتها، إلى طيب رائحتها،

إلى حدّة صراخها في وجهي، وتذمّرها المتواصل من تصرّفاتي. اشتقت إلى كلّ ما فيها من حنوّ ورحمة. ثم عدت إلى صوابي لأفكّر فيما عليّ أن أفعله بعد أن تأكّدت أنّ حبّي لجاكوب لا يطفئه الحرمان ولا يقتله الفراق وبأنّ أيّ محاولة لتفاديه أو الهروب منه لن تقضي عليه بل ستقوّيه لأنّ الطرف الآخر سيضّل شاخصا في وجداني وسيكون أوّل خاطري إذا صحوت وآخره إذا غفا جفني لذا قرّرت أن أجعل منه حبّا مشروعا. سأحاول أن أغيّر طبع جاكوب، أن أثنيه عن جرائمه، أن أمنعه من الظلم الذي يقترفه، أن أحول دون وحشيّته، أن أحيي فيه ذلك الطبع المميّز، ذلك الجانب الإنسانيّ، ذلك النصيب من الرأفة التي يحملها في خفايا شخصيّته. تلك الرحمة التي جعلته يوما يوقف سيّارته بتلك الطريقة لينقذ قطّة صغيرة إذا ما عمّت روحه وهزمت قسوته ستجعل منه شخصا جيّدا بالتأكيد. عاد جاكوب أخيرا حاملا معه طعام العشاء. أكلنا ثم سألته أن أخرج قليلا لأنّي مللت الجدران والحيطان والأماكن المغلقة المحدودة. فاصطحبني بعد إلحاح. كنّا نسير بالسيّارة لمّا رأينا دخان فطائر شهيّة. سألني إن كنت أريد واحدة فلم أمانع حينها

نزل ليبتاع فطيرتين. بعد برهة عاد فلم يجدني في السيّارة فذهل. ألقى بصره يمينا وشمالا فلم يعثر على أثري. ركض في كلّ الأنحاء حتّى تسارع نسق تنفّسه ولكن بدون جدوى. وفجأة رآني أخرج من مقرّ الهاتف العموميّ فانقضّ عليّ كالصيّاد العاثر على فريسته فشدّ ذراعي وصرخ في وجهي: " لم

ذهبت بدون إذن؟ "

صمتت ولم أجب فلوى ذراعي أكثر وصدح: " هل كنت تتّصلين بجماعتك الإرهابيّة؟ هل كنت تخطّطين لأمر ما؟ " حينها نزعت يدي بقوّة وأجبت:

- أرأيت كيف أثق بك رغم جرائمك بينما لا تثق بي البتّة. لقد اتّبعتك إلى هنا وقبعت في منزلك للمرّة الثانية بدون أن أعلم السبب فقط لأنّي أصدّقك وأستأمنك على حياتي بينما لا تفعل.

- الأمر ليس هكذا. ولكنّي... حسنا إنسي الأمر فلنذهب.

ركبنا السيّارة مجدّدا وبقيت شاردة طوال الوقت فلم أنبس بحرف.

كنت ملتفتة إلى البلّور بجانبي وفجأة قال جاكوب: " أ جفّت مآقيك الآن" حينها أدركت أنّه كان منتبها لدموعي المدنفة ثم عقّب بسؤال: " ما الأمر؟ ما سبب هذا الحزن المفاجئ ؟ "

مضى زمن ولم يسألني أحدهم عن سبب بكائي حتّى بدا لي السؤال غريبا. كم بكيت وكم من الدموع ذرفت منذ وصولي إلى هنا ولكنّ أحدا لم يهتم. لم أكن أرى غير العيون الشامتة ولم أسمع قطّ غير همسات الاستهزاء. نظرت إليه ثمّ قلت:

- لقد كذبت على أمّي في أوّل اتّصال لي بها منذ قليل. لقد منعت في المعسكر من الاتصال بأيّ كان لذا انتهزت الفرصة الآن. تخال أمّي أنّ ابنتها في غزّة تعالج المجاهدين وتداوي الأسرى. كانت تشجّعني وتقول لي أن أكون قويّة وأن أبقي الابتسامة على شفتاي كي أزوّدهم بالأمل .. لا يثير ذلك الأمر في النفس الإحساس بالخزي والاحتقار.

- ربّما ! لا أعلم ! لم أجرّب هذا الشعور من قبل.

- ألم تكذب يوما على والدتك؟

- لا أذكر. لقد رحلت منذ زمن. ربّما عندما رحلت كنت بريئا لدرجة أنّي لا أعرف للكذب معنى.

كنت أعلم أنّها توفّت ولمّا يبلغ الخمس سنوات ولكنّي أردت أن يفصح لي بنفسه عمّا يختلج في باطنه فسألته ثانية:

- كم كان عمرك لمّا فارقتك؟

- كنت في الخامسة.

- هل عشت مع والدك إذن؟

- كلّا. لا أعرف عن والدي شيئا غير أنّه تركنا عندما كنت في الرابعة من عمري. نسيت حتّى شكله وملامحه. أخبرني خالي بنيامين أنّ اسمه كريس. لقد ترعرعت عند خالي حتّى تزوّجت ابنته.

- هل كانت حياتك سعيدة حذوه.

- أبدا. لم أذق يوما حنانا ولم أسمع كلمة طيّبة. لقد صوّر لي خالي أنّي ولدت لأنتقم. فشببت لأنتقم ودرست لأنتقم وتمرّنت لأنتقم وتغرّبت لأنتقم ودخلت الجيش لأنتقم. لم تعرف حياتي لونا غير صبغة الانتقام.

- ممّن تريد أن تنتقم؟

- من الذين تسمّينهم أبرياء. من أولائك الذين دمّروا حياتي وجعلوها مأساويّة ومريرة إلى هذا الحد. (وازداد صوته حدّة وملامحه تأثّرا شيئا فشيئا ثم تابع) من أولائك الذين اغتصبوا والدتي أمام عيني ولم أزل طفلا ثم حرقوها.أذكر كيف أضرموا النّار في جسدها. صورهم لا تزال أمامي. أراهم في كلّ مكان، في كلّ ذات فلسطينيّة مهما كان جنسها أو حجمها. منذ تلك الفاجعة لم أذق طعم النّوم الهنيء ، لم تفارقني الهواجس مطلقا ولم تتخلّ عنّي الكوابيس أبدا.

- جاكوب قد لا تتقبّل كلامي ولكن من المحال أن يكون الفلسطينيون هم من ارتكبوا هذه الفعلة الشنيعة.

- ياسمين هذا يكفي. أغلقي هذا الموضوع ولا تفتحيه مجدّدا. لا

أعلم حتّى لم ذكرت هذا الأمر المزعج. فلنتحدّث في أمر آخر.

صمت كلانا فجأة ولم نجد موضوعا للخوض فيه لا لقلّة المواضيع ولكن لما تركه الحديث عن تلك القصّة من أثر في كلانا حتّى أنّني لم أستطع إغماض جفوني في الليل. كنت أسترجع الحادثة مرارا متذكّرة ما سمعته من بنيامين وروبن في هذا الصدد. كنت متأكّدة بأن الفلسطينيين لم ولن يفعلوا مثل هذه الأمور القبيحة لأنّها أنآى ما يكون عن أخلاقهم وعاداتهم وأبعد ما يمكن عن عقيدتهم وثقافاتهم ولكّن إقناع جاكوب بأمر رسخ في ذهنه لعقود يستوجب حتما أدلّة قاطعة تحتاج إلى البحث والتفحّص.

دخلت في الغد غرفة الاستحمام. كنت أغسل وجهي عندما لمحت سوارا في الدّرج أسفل المرآة، قلّبته بين أصابعي. كان لي سوار يشبهه ولكنّه أبيض اللّون، أهداني إيّاه جار لنا قديما لمّا كنّا في أمريكا. أذكر أنّه صنعه بيديه أمامي بينما كنت أرقب حركاته بانبهار ثمّ أتمّه فألبستني أمّي إيّاه. وقطع شرودي نداء جاكوب للفطور فأرجعته مكانه وخرجت. لم نكن قد جلسنا حين رنّ هاتفي. تناولته فإذا هو بنيامين.

- ياسمين أ أنت بصحبة جاكوب؟

- أجل

- إذن أخبريه أن يصطحبك إلى بيته. ميريكا ليست على ما يرام

- حسنا.

التفتّ إلى جاكوب وأعلمته فأخذني إلى هناك وفحصتها. خرجت فيم بعد لأخبرهم بأنّها تشكو تسمّما على ما يبدو ووصفت لهم بعض الأدوية. ولج جاكوب وبنيامين ليطمئنا عليها بينما بقيت في غرفة الجلوس. وعلى حين غرّة رنّ هاتف ما على الأريكة المقابلة فدفعني الفضول إلى المعرفة واقتادني إلى تناول الهاتف وفتح الرّسالة الواردة وقد كان مضمونها " سيّدي اللواء، الأمور تحت السّيطرة" أدركت لتوّها أنّ الجوّال لبنيامين فرحت أتنقّل في جولة سريعة بين رسائله حتّى استوقفتني رسائل من سيلا أحدها كان فيها

" لقد انكشف اللّعبة، سأعود في الغد وسأخبره" أمّا الثانية فمضمونها: " لم أخبر جاكوب في المرّة السابقة خوفا على حياته بعد أن هدّدتني بقتله إذا عرف الحقيقة. أمّا الآن فلن أهابك مجدّدا وسأكشف له كلّ الحقائق اللّيلة " كان تاريخ الرسالة في ذات اليوم الذي تعرّضت فيه سيلا للحادث الذي أسفر عن موتها. شعرت أنّ في القصّة لغزا خفيّا ذي شأن مهمّ وواصلت إلقاء نظرات خفيفة على البقيّة إلى أن ذهلت لواحدة من رقم

مجهول تضمّنت " لقد تمّت المهمّة بنجاح. سيخال الجميع أنّها ماتت بحادث سير" حينها اعترتني صدمة كبيرة فلم أصدّق وأعدت قراءتها مرّات أخرى. لقد وصلت قبل سويعات من الحادث ! الأمر صاد مؤكّدا ! بنامين هو الذي قتل سيلا ولكن ما السبب؟ لم قتل ابنة أخته؟ ما هذا السرّ العظيم الذي يرنو إلى دفنه حتّى وصل به الحدّ إلى إزهاق روحها؟ وفجأة سمعت وقع أقدام فرميت الهاتف واسترجعت مكاني. اقترب بنيامين نحوي معانقا جاكوب. كنت أصرخ في داخلي كيف يعانقه ويقتل أخته؟ طلب بنيامين من جاكوب إعادتي للبيت فرجعنا. جلسنا هناك ثمّ سألته:

- منذ قليل عندما خرجت وأخبرتك أنّها تشكو تسمّما غذائيّا لم شعرت أنّك تنفّست الصعداء؟

- كنت أخشى حدوث شيء ما ولكنّه لم يحدث لحسن الحظ.

- ما هو هذا الشيء الذي تخافه؟

- خشيت أن تكون ميريكا حبلى وبأن الحبوب التي تتعاطاها قد أثمرت فقد

قالت أنّها تشكو مغصا في معدتها وتقيّؤا و دوارا.

- ولم تخشى حملها؟ ألم تكن ترغب في الإنجاب منها؟

- كان مجرّد سبب أختلقه لأغادر البيت كلّما أحسست بالضيق. لا رغبة لي في الإنجاب الآن

- ألا تحبّها؟

- وهل يجتمع حبيبان في قلب واحد؟

- أقصد من ذي قبل. قبل أن نلتقي

- كلّا. تزوّجتها بأوامر من خالي. لذا كان ارتباطنا فاشلا ولم يخل يوما من الخلافات والصّراعات حتّى ذاق كلانا ذرعا. عليّ الذهاب للمعسكر الآن. ابقي هنا ولا تغادري المكان ! لا تنسي بأنّك قطعت لي وعدا.

- لم ستذهب للمعسكر؟ لقتل المزيد من الأبرياء؟ جاكوب صدّقني من المستحيل أن تكون تلك الجريمة النكراء مرتكبة من قبل الفلسطينيين وحتّى لو أنّها كذلك فما ذنب الآخرين؟ لم تسمح للانتقام بإغماض عينيك

وإغشاء بصيرتك. فكّر ولو لمرّة برؤية موضوعيّة للقضيّة. تتبّع كيف افتككتم أراضيهم واحتللتم تربتهم بدون حقّ. ولا تكن مجرّد آلة برمجت على الثأر والانتقام.

نظر إليّ جاكوب مليّا ثمّ قال:

- لا تتعبي نفسك في هذه الأمور. من الأفضل أن تستريحي سأذهب.

غادر ولم أستطع إخباره بما فعله بنيامين. خشيت أن يصاب بصدمة أو أن يكذّبني أو أن يقضي عليه ذاك السفّاح إذا علم أنّه تفطّن لمكائده وبقيت أتخبّط في حيرة وقلق.

في المعسكر كان الجميع مجتمعين للاستعداد لمؤتمر الغد حيث ستحلّ عليهم المنظّمة الحقوقيّة وستتم تغطية الندوة. راحوا يدقّقون في معالجة كلّ الحيثيّات بطريقة لا تشوبها شائبة فما إن دخل عليهم جاكوب حتّى نآى به بنيامين على جنب قائلا:

- لن تصدّق قيمة البشرى التي أحملها لك !

- ما الأمر سيّدي؟

- سيتحقق حلمك في الانتقام أخيرا بعد عشرين سنة من العذاب والتحمّل.

- كيف؟

- أ تذكر الحادثة التي تعرّضت لها كلوديا، أولائك الجنود الذين قاموا بـ..

- أجل أذكر، ماذا حصل؟

- لقد أخبرتك حينها أنّ فلسطينيّا يدعى كِنان هو الذي أمرهم بفعل هذا. ذاك الرجل أظنّني عثرت عليه.

- أ حقّا ما تقول؟ أخبرني أين هو؟ أين وجدته؟

- جاكوب. لا تتسرّع. لا نعلم مكانة بالضبط ولكّنه في إسرائيل. أ تذكر تلك الجريدة الجديدة، لقد أخذتها معي إلى البيت وتفحّصتها فوجدت مقالا كنّى كاتبه نفسه باسم " نانك " حينها تذكّرت لتوّي أنّ كِنان كان يستعمل هذا

اللقب المزيف بقلب حروف اسمه.

- وكيف عرفت هذا؟ أ تعرفه من ذي قبل؟

- كلّا..أبدا. ولكنّ الشكّ قد انتابني وبعد تحرّيات علمت أنّه هو بعينه. على كلّ لقد بعثنا بمن سيأتي لنا بالأخبار وسيلقى هذا الكلب حدفه على يديك عن قريب.

في المنزل كنت قد مللت من الجلوس فرحت أجوب المكان ذهابا وإيّابا ودخلت غرفة جاكوب لأفتح النّوافذ حتّى يتغيّر الجوّ فلمّا كنت بصدد الخروج لمحت حقيبة نسائيّة فوق الطّاولة. هممت بفتحها فوخزني ضميري وتردّدت ولكنّ الفضول تغلّب عليّ ففتحتها لأعلم من صاحبتها . كان بداخلها هاتف وحافظة الورق، فتحت هذه الأخيرة فوجدت هويّة سيلا فعرفت أنّها لها. كنت أرجعها لمّا عثرت على صورة أذهلتني. بلغت منّي الدهشة مبلغا حتّى خلت أنّني أتوهّم ولكنّي لم أكن كذلك ! كدت أفقد عقلي ! كان في الصّورة رجل وامرأة وفتاة في سنّ العامين وآخر رضيع. أمّا المرأة فكانت والدة جاكوب وأمّا الرضيع فكان هو وأمّا الطفلة فكانت سيلا ولكنّ الغريب في من يكون الرجل؟ ذاك الرجل هو العمّ كِنان أعرفه جيّدا، كان جارا لنا لمّا كنّا في أمريكا. وقد أتى بعد أن هرب من سجون الصهاينة. أذكر أنّه روى لأبي يوما تفاصيل حول حياته. وأذكر في جملة ما قال أنّه تجوّز يهوديّة اسمها "كلوديا" وأنجب منها طفلان ولكنّ أخاها كان عسكريّا. وكان شديد المقت له ولأخته لقبولها بالزواج منه. وأنّه قرّر في يوم ما اعتقاله وزجّ به في السجن بينما ظلّ مصير زوجته وأبناءه مجهولا. وبعد فراره من السّجن علم أنّهم قد توفّوا جميعا في حريق أضرم في البيت. ولكن ما الذي ....؟ مستحيل؟ أ يكون العم كِنان والد جاكوب؟ لا أعلم ! الأمر لا يعقل! اختلّ توازني وتشوّشت أفكاري فبتّ عاجزة على لمّ شتاتها. تذكّرت! تلك الرسالة التي بعثتها سيلا لبنيامين...ذاك السرّ الخفيّ الذي اكتشفته بدورها وقرّرت إعلام أخيها به. ربّما يكون هذا خاصّة أنّ الصورة بحوزتها. هل أسأل جاكوب عن اسم والدته لأتأكّد ما إن كانت كلوديا؟ هل أريه الصّورة؟ ماذا إن كنت مخطئة ألم يقل أنّ والده إسرائيلي؟

عاد جاكوب ليلا فتناولنا عشاءنا ولم أجرأ على فتح الموضوع. حاولت عديد المرّات فلم أتمكّن. وخشيت أن يسألني عن الاضطراب المرسوم على ملامحي فارتأيت الابتعاد وأخبرته بأنّي ذاهبة للنوم. وسط تقلّباتي التي لم تهدأ واستطراداتي التي لم تنقطع، هلّ في خاطري أمر آخر. ذاك السّوار الأبيض كان العمّ كِنان هو من صنعه لي وجاكوب أيضا يملك ذات السّوار ولكنّ اللّون وحده يختلف. بدأ شكّي يتحوّل إلى يقين في نهاية المطاف وقرّرت أن أكشف الأمر لجاكوب في الغد. مع مطلع الصّباح نهضت كعادتي فخرجت للحديقة أسقي الزهور التي تهواها أمّي. كان جاكوب قد غادر البيت بعد أن وعد بأنّه سيرجعني في الغد إلى المعسكر لأزاول تعليم الأطفال. ضجرت من الوحدة ففتحت التلفاز لأسلّي نفسي فلقيت ندوة مباشرة من قلب المعسكر الإسرائيلي. آه..أليس هذا بنيامين وهومز وهذا روبن وأيضا جوزيف.. ماذا جاكوب؟ ! غريب ليس من عادتهم إقامة النّدوات المباشرة ! أظنّها بدأت منذ زمن. جلست لأستمع لما يدور فرأيت روبن الحقير يتناول المصدح ليقول

موجّها خطابه لمبعوث منظّمة

حقوقيّة: " لا أسمح لك بتوجيه هذا الاتّهام الخطير. أ تظنّنا وحوشا بلا رحمة كي نأسر قصّرا؟"

تفاعلت تلقائيّا وصرخت: " أنتم حقّا وحوش بلا رحمة. يا له من كاذب. ليت المبعوث يجري جولة في الزنزانات"

المبعوث: - ولكنّنا وجدناهم هنا

بنيامين: - على أيّ حال وجدتهم؟

المبعوث: - لا أنكر أنّنا وجدناهم في ظروف لائقة ومحترمة وأنّكم تخصّصون لهم غرفا خاصّة وتحرصون على صحّتهم وغذائهم ودراستهم بالأخصّ وحتّى مرافق للتسلية والترفيه

روبن: - جيّد إذن !

احمرّ وجهي وانكفأ لوني واحترق دمي من الغضب يا إلاهي أيّ حياة كريمة وأيّ مرافق؟ الأطفال لم يغادروا الزنزانات النتنة طيلة أسرهم. يا رب. ما

الذي يجري؟ وتابعت النّدوة.

المبعوث: - ولكنّ هذا لا يبرّر احتجازهم يا سيّدي

هومز: - ومن قال أنّنا نأسرهم؟ على العكس هم من قدموا محتمين بنا فوفّرنا لهم الملجأ. أ هذا جزاؤنا؟

المبعوث: - هل لديك ما يثبت؟

هومز: - طبعا. أدخلوهم.

باتت الأمور غامضة وشعرت أنّ هناك ريبا في القصّة. شعرت بأعصابي تشتدّ وبدأ رأسي يرسل آلامه الحادّة وفجأة رأيت الأطفال يلجون الواحد تلو الآخر. يا إلاهي كم اشتقت إلى وجوههم الناعمة ونظراتهم البريئة ! بيد أنّ العجيب في الأمر أنّهم كانوا في غاية التأنّق وحسن الهندام. وقفوا جميعا على المنصّة. فباغتهم المبعوث بسؤال: " أ لستم أسرى هنا؟ "

روبن: - أجب يا سعيد. لا تخف

سعيد: - كلّا. لقد جئنا إلى إسرائيل بكامل إرادتنا. قدمنا هاربين من إرهاب

والدينا وعائلاتنا وإجرام قومنا وأهالينا. هناك حيث يقطعوننا عن الدّراسة

ليجبرونا على القتل وارتكاب الجرائم والتعذيب.

روبن: - أ سمعتم بآذانكم ما قاله؟

كنت أستشيط غضبا وأضرب بيدي على الطّاولة حتّى أنّها آلمتني. لقد صدمت بموقف سعيد وبقيّة الصّغار ولكنّي لا أستطيع لومهم. من المؤكّد أنّهم هدّدوهم. وفجأة صدح سعيد: " أريد أن أضيف شيئا "

روبن: - ماذا؟ أخبرهم عن إكرامنا لكم هيّا

سعيد: - أريد أن أقول أنّ ما بحت به للتوّ هو بالضبط ما أمرني هؤلاء بقوله أمام الملأ. ولكنّ كلّ ذلك كذب وافتراء باطل

هرع الجميع وتغيّرت قسمات الجنود فأمر روبن مسؤول الصّوت بإغلاق المصدح ولكنّ أفراد الجمعيّة اعترضوا بقوّة وتقدّموا نحو المنصّة وطلبوا من سعيد أن يكمل. حينها كانت فرحتي لا توصف بيد أنّها امتزجت بمشاعر الخوف الشديد على الأطفال

سعيد: - هؤلاء المجرمون اختطفونا من ديارنا بعد أن قتلوا آباءنا وأمّهاتنا

وأهالينا العزّل. نحن هنا لأكثر من سنة نعيش الأسى ونغترف القهر والمهانة لا في الغرف التي استعملوها كمشاهد للمسرحيّة والتي لم تطأها أقدامنا يوما وإنّما في القبو. في أسفل هذه القاعة. في زنزاناتهم القذرة الضيّقة السوداء الباردة. نحن يا سادتي طيلة هذه السّنة لم نستحم سوى البارحة من أجل هذه المسرحيّة. لم نقضي حوائجنا خارج أقفاصنا سوى البارحة.

لمّا سمعوا بمجيئكم قدموا إليهم وأملوا علينا ما يجب فعله وقوله وأشركونا في مشاهدهم الهزليّة.

هبّ الجنود لإيقاف الأطفال فتصدّى لهم الصحفيون والمحامون والحقوقيّون الحاضرون ودعوا سعيد إلى المواصلة فتكلّمت فرح: " هذه القصيدة علّمتنا إيّاها آنستنا ذات القلب الطيّب والروح الطاهرة سنلقيها جميعا إهداء لوطننا فلسطين

"فلسطيني أنا اسمي فلسطيني

نقشت اسمي على كل الميادين

بخطٍّ بارز يسمو على كل العناوين

حروف اسمي تلاحقني تعايشني تغذيني

تبث النار في روحي وتنبض في شراييني

جبال النار تعرفني مغاورها وتدريني

بذلت الطاقة الكبرى وقلت لأمّتي كوني

صلاح الدين في أعماق أعماقي يناديني

وكل عروبتي للثأر للتحرير تدعوني

وراياتي التي طويت علي ربوات حطّين

وصوت مؤذن الأقصى يهيب بنا أغيثوني

وآلاف من الأسرى وآلاف المساجين

كانت فرح تلقي القصيد صحبة رفاقها والدّموع تنحدر من مقلتاي تأثّرا وفزعا فقد أيقنت أنّهم لن يكونوا بخير أبدا وواصل الأطفال القصيدة وشفتاي تتابعهم:

تنادي الأمة الكبرى وتهتف بالملايين

تقول لهم إلى القدس، إلى قبلة الدين

إلى حرب تدكّ الظلم تزهق روح صهيون

وترفع في سماء الكون أعلام فلسطيني

وتهزر كلمتي تمضي فــلســــطيـــنــي .. فــلســــطيـــنــي .. فــلســــطيـــنــي

ووسط تفاعل الحاضرين تابع الأطفال في إلقاء أبيات لنزار كإهداء لأصدقائهم في غزّة قائلين:

يا تلاميذ غزة علمونا بعض ما عندكم فنحن نسينا

علمونا بأن نكون رجالا فلدينا الرجال صاروا عجينا

علمونا كيف الحجارة تغدو بين أيدي الأطفال ماسا ثمينا

كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير يغدو كمينا

كيف مصاصة الحليب إذا ما اعتقلوها تحولت سكينا

يا تلاميذ غزة لا تبالوا بإذاعاتنا ولا تسمعونا

اضربوا اضربوا بكل قواكم واحزموا أمركم ولا تسألونا

وفجأة انقطع البثّ متعلّلين بعطب فنيّ فوجدتني أحمل نفسي وأخرج مسرعة أبحث عن سيّارة أجرة أو وسيلة نقل تحملني إلى المعسكر. كنت ألتفت يمينا وشمالا والمطر يهطل فوقي بغزارة وشعري المبلّل يدلو على عينيّ. ومرّ وقت ولم تأت أيّ وسيلة فلم أجد حلّا سوى الركض. جريت بكلّ قوّتي حتّى بلغت مفترقا فلم أهتدي إلى الطّريق حينها ونسيت أ أواصل إلى الأمام أم أسلك طريق اليمين. كان الشارع خال تماما. لا أحد غيري وقطرات المطر نتسابق أيّنا الأسرع. سلكت الطريق اليمينيّ وركضت لأكتشف بعد عناء أنّني مخطئة. كنت أعود أدراجي فاعترضتني سيّارة مارّة حاولت إيقافها فلم تستجب فواصلت الجري حتّى وقفت بجانبي سيّارة بيضاء اللّون. فتح صاحبها النافذة وقال: " يبدو أنّك متشرّدة بدون مأوى. هل ترافقينني الليلة؟" لم يكن لديّ حلّ سوى التظاهر بالموافقة. صعدت بجانبه فبدأ يحاول التحرّش بي وكنت أنزع يده في كلّ مرّة كدّعية أنّ هذا ليس بالوقت المناسب طالبة منه الإنتضار. وبعد دقائق قرّرت أن أجازف حيث أنّ لا حيلة أخرى بوسعي فانهلت عليه ضربا على رأسه وجعلت أضرب رأسه بالمقود لعديد المرّات حتّى فقد وعيه. أنزلته على حافة الطّريق ووضعته على الرّصيف ثم ركبت وواصلت المسير حتّى بلغت المعسكر. ولجت وقلبي ينبض بقوّة أبحث كالمجنونة بعد أن تمّ تفتيشي. دخلت القاعة التي اجتمعوا فيها فإذا هي خالية لا أحد فيها. بدأت أفقد أعصابي وجعلت أجوب المعسكر بحثا عنهم فما تركت مكانا وإلّا واقتحمته. حتّى سمعت صوتا خاطبني من الخلف: " ضالّتك في قسم الوفيات" شعرت بألم يغزوني وكأن حريقا قد اشتعل في مهجتي. ومشيت ببطء.. ببطء شديد ولم ألتفت ورائي حتّى ولم أعلم من كان ذاك الذي خاطبني.. كلّ ما أحسست به حينها هو شعور الانتهاء والفراغ العميق والصّدمة. كنت أثاقل خطواتي حتّى أبتعد عن الحقيقة الصّادمة أكثر حتّى وجدت نفسي أمام الباب المعرّج. دفعته ودخلت وتمزّق قلبي في تلك اللحظة وشعرت أنّ كلّ عضو في بدني ينزف. مشيت خطوة إلى الأمام وأنا أكاد أن أسقط واقتربت وفي أذني دويّ يتصاعد. نزلت عند جثّة آية، أ يعقل أنّها الآن بلا صوت، بلا حسّ، بلا حركة، بلا نفس. أ تحوّلت الآن إلى ببلبل سماويّ إلى طير من طيور الجنّة. بجانبها ألقت جثّة أحمد ومحمّد ودنيا وغادة. أحلامهم تدوّي إلى الآن في أذني. وعلى

يمينهم لمحت جثّة سعيد الغارقة في دمائها بعد أن قاموا باغتصابه. انتابني الجنون حينها وفقدت صوابي ورحت أوقظهم. كنت أصرخ فيهم أن يستيقظوا. كنت أصدح فيهم " هيّا أيّها الكسلاء سيبدأ الدّرس" " هيّا فقد عهدتكم مجتهدين ما خطبكم اليوم" كنت أنطق بصعوبة والشهقة تبتلع حنجرتي وعلى وجنتيّ أنهار تسيل وجداول تجري " هل أغيّر لكم المادّة. أ تبدو لكم صعبة. حسنا سنمرّ إلى مادّة أخرى" اقترب منّي أحد القتلة حينها. لا أعلم إن كان روبن أم جاكوب أم بنيامين فقد كنت عاجزة عن التفكير ولكنّ أحدهم تقدّم أولا فلحق به البقيّة.

- ههههههههه أظنّها قد فقدت عقلها

- لقد فقدت مداركها على ما يبدو. أ جنّت؟

كيف تنفجر الطّلقة، كيف تخرج الصّرخة، كيف يعوي الكلب إذا ديس على قدمه، كيف تتفجّر المياه بعد أن تنحبس، كيف يتهاوى فجأة جدار قديم. هكذا انفجرت دموعي وهكذا كنت أنتحب. وما إن لمحت جاكوب حتّى صفعته

ونفثت في وجهه صارخة: " يا لك من كاذب، يالك من خائن، يالك من لعين.

أ لهذا السبب اصطحبتني معك؟ كي يقتلوهم بدون علمي ويرقصوا على جثثهم. يا لني من غبيّة حمقاء. لقد وثقت بك وظننتك إنسانا له عواطف. حسبتك بشرا يمتلك وجدانا. ولكنّك مجرّد حشرة، مجرّد حيوان وكلب وسخ نذل حقير بائس ! أيّ ذنب اقترفه الأطفال في حقّك كي تفعل بهم هكذا؟ أيّ جريمة ارتكبوها لتتعدّوا عليهم ثمّ تقتلونهم ثمّ تعيثوا فسادا في جثثهم !

فتحت عينيّ ببطء والتفتّ فوجدت نفسي بين حيطان غرفتي في منزل

جاكوب. لم أدرك في بادئ الأمر ما حصل ولا ما الذي أتى بي إلى هنا. غادرت الغرفة فلقيت امرأة في البهو. وما إن رأتني حتّى قدمت راكضة.

- من أنت؟

- أنا الممرّضة التي أتى بها السيّد جاكوب للاهتمام بك

- بي؟ لماذا؟ لم أنا هنا؟

- لقد أصبت بانهيار عصبيّ حادّ وفقدت وعيك ليومين.

- تذكّرت. لقد فقدت الوعي في المعسكر، في قسم الوفيّات. لن أبقى هنا. عليّ أن أذهب

- آنستي، لن تستطيعي. الحراسة مشدّدة أمام الباب.

- ابتعدي من أمامي.

كنت أدفع الممرّضة فشعرت بالدّوار وكدت أسقط لولا أمسكتني

- رجاء عودي إلى غرفتك. فأنت لم تشفي بعد

- لا أريد البقاء في دار هذا المجرم بعد هذه اللحظة.

- السيّد جاكوب ترك لك هذه الورقة.

أدخلتني الممرّضة الغرفة وناولتني الرّسالة ثمّ غادرت. فتحتها وقرأت:

" حبيبتي ياسمين، أتفهّم موقفك تماما ولا نيّة لي لألومك على ما قلتيه في ما دبر. بيد أنّك أسأت الفهم واتّهمتني ظلمًا. كلّ ما في الأمر أنّ.....

واصلت تمعّن رسالته التي بيّن لي فيها أصل الواقعة ونيّته من إبقائي هنا وأنّه كان صاحب فكرة المسرحيّة حرصا منه على إنقاذ حياة الأطفال لا أكثر. وأنّ كلّ ما صار لم يكن أبدا في الحسبان وأنّه حاول جاهدا منع بنيامين من قتلهم ولكنّة رفض حتّى أنّه غضب منه بشدّة لمّا ألحّ عليه في طلبه. ثم أعلمني أنّه تمكّن من إخفاء الصّغيرة فرح خلسة وأنّه سيعيدها صبيحة اليوم إلى غزّة.

ندمت بعد كلّ ما شرحه جاكوب على ما تفوّهت به في حقّه وخجلت من نفسي. وإثر تذكّري للفاجعة ندمت على ما علّمت الأطفال إيّاه. ندمت على إخباري لهم بأنّ الحقّ سينتصر حتما. ليتني علّمتهم أنّنا نسكن عالما للغاب يأكل القويّ منّا الضعيف ويدوس عليه فيسحقه. ليتني علّمتهم أن يكونوا ثعالب تترصّد الفرص بخبث رغم ضعف بنيتها لتعيش ويستمرّ وجودها. لو لم أعلّمهم أنّ الحريّة قضاء الشعوب وأنّ عليهم قول كلمة الحقّ مهما كانت العواقب جسيمة وأن لا يخافوا في الله لومة لائم لكانوا ربّما على قيد الحياة. كفاني من الآن شرودا في عوالم الماضي وآلامه فكلّ شيء قد زال وانتهى. من اليوم لن أداوي الصّهاينة غصبا ولن أعالج أحدا كرها. من اليوم سأكون حرّة ولن أطبّق غير قناعاتي. منذ اليوم صرت طليقة. من اليوم لن أرذخ وأسالم، لن أخاف وأساوم. من اليوم سأصمد وأقاوم. تذكّرت أمر جاكوب وتلك الصّورة التي بحوزتي واحترت كيف أتصرّف! سمعت فجأة صوت الممرّضة تخاطب جاكوب في الخارج. شعرت بقلبي يدقّ بشدّة لمّا اقترب من الباب وطرقه برفق. كنت مستلقية فرفعت رأسي واعتدلت في جلستي على السّرير. قدم وجلس بجانبي. أرمقني بنظراته السّاحرة. فأوطأت رأسي

وأخفضت عينيّ فهمس بصوت خافت: " كم تزدادين

جمالا باحمرار وجنتيك. ياسمين ارفعي رأسك وانظري إليّ"

- جاكوب، أنا آسفة

- فلننسى هذا الموضوع ولنطوي صفحته. آه لقد أوصلت فرح إلى غزة لتوّي.

- شكرا لك على تخليصها.

- سأخبرهم أنّك لم تتعافي بعد كي لا يقوموا بإرجاعك إلى المعسكر. لذا سأذهب الآن.

- حسنا.

غادر جاكوب ولم يبح بأيّ من التساؤلات التي أراها في عينيه. صرت أفهمه جيّدا وأقرأ الكلمات بين سطور نظراته. كان يريد أن يعرف ما إن كنت عازمة على الرّجوع إلى غزّة؟ أو ما إن كنت سأطلب منه ذلك. أعلم أنّه سيفعل لو طلبت منه ذلك كعلمي برغبته بإبقائي إلى جانبه وكعلمي بإدراك كلانا أنّ هذا الأمر محال إلّا إذا ما كان جاكوب هو ذاته الولد الفلسطينيّ، ابن العمّ كِنان.

لم تمض سويعات قليلة حتّى سمعت طرقا من جديد. دخلت على إثره الممرّضة غرفتي وقالت أنّ ضيفة تنتظرني. خرجت فإذا هي ميريكا قد قدمت من أجلي. استغربت قدومها وخلت أنّها أتت لتسألني إن كنت قد وجدت لها أيّة حلّ لمشكلتها ففوجئت بها تسألني إن كان الدّواء يجدي نفعا في فترة قصيرة أم أنّه يستجدي مدّة طويلة. استغربت فاستفهمت منها عن أيّ دواء تتحدّث؟ فأخرجت علبة من حقيبتها وأشارت إليها وقالت أنّي أرسلت لها هذا الدّواء منذ شهر مع والدها. انتابتني دهشة بالغة فأنا لم أبعث لها أيّة دواء ولم أر هذه العلبة أساسا طيلة حياتي. أحسست أنّ في الأمر خدعة ما من ألاعيب بنيامين للقذرة ولم أشأ كشف الأمر حتّى أفهمه. فتظاهرت بأنّ هذا الدّواء في العادة سريع الفاعليّة بيد أنّه لم يتماشى مع حالتها. وأخذته منها على أن أعوّضها بغيره في القريب العاجل. وما كادت تغادر حتّى طلبت من الممرّضة أن تمدّني برقم هاتف لأي طبيب مختصّ في هذه الشؤون. رفعت السمّاعة واتّصلت ثم ادّعيت أنّني إحدى مرضاه وسألته إن كان عليّ التجديد من هذا الدّواء بعد أن نفذ فصدمني جوابه لمّا أخبرني أنّ علبة واحدة كافية كي لا تتمكّني من الحمل بعدها أبدا. أغلقت الخطّ ووضعت كفّ يدي على فاهي من فرط التعجّب. أ يعقل ما يقوم به بنيامين؟ لم يمنع ابنته من الحمل؟ ربّما كان حدسي صحيحا؟ ربّما لأنّ جاكوب فلسطينيّ فإنّه لا يريد أن يكون له نسل من ابنته !

لم أستطع ردع الحيرة ولا إيقاف التساؤلات التي شغلتني طيلة الليل حتّى قرّرت إخبار جاكوب بها عند العشاء. كنت أبحث لنفسي عن مقدّمة أستهلّ بها سلسلة حقائقي الصّادمة فقطعت رنّة هاتفه تفكيري. أخرجه من جيبه وفتح الرّسالة. فانتصب فجأة وألقى بهاتفه على الأرض ورمى بالملعقة ثم قفز من مكانه، حاملا فرده، خارجا في أقصى سرعة. ركضت نحوه لأعلم خطبه فلم ألحق. فعدت أدراجي إلى البيت والمطر ينسكب بغزارة. كانت الحيرة تخنقني، تحاصرني من كلّ الجهات، فلم يعد بإمكاني الثّبات على أدنى شيء. وخطر ببالي الهاتف الملقيّ أرضا. فجمّعت أجزاءه المتفرّقة وركّبتها وفتحته من جديد. اطّلعت على الرّسالة الأخيرة وقد كانت من بنيامين " لقد خرج كِنان من منطقة الجبليّة إلى خان يونس ثم عبر إلى بئر السبع. سيصل الليلة إلى بيت لحم. وستجدني في مدخلها. ها قد جاءت فرصتك " يا إلاهي، الآن اتّضح كل شيء. أظنّ أنّ بنيامين يرنو إلى قتل كِنان على يد ابنه. يا إلاهي ماذا سأفعل؟ خرجت مسرعة أصارع العجز الذي عطّل مداركي. ركضت بأقصى سرعتي حتّى بلغت الطّريق الرئيسيّ لبيت لحم. كان على يمين الطّريق معبّدا أمّا جهة الشمال فواد كبير أشبه بمستنقع الوحل. إن عبرت الوادي فسأصل أسرع ولكنّه كان مقرفا للغاية. بسملت ورحت أعبر ذاك الوادي محاولة الإسراع قدر الإمكان. بعد عناء وجدت نفسي أقترب من حافة الرصيف، قفزته ثمّ جلست أسترجع أنفاسي لثوان. واصلت بعدها العدو في إهراع حتّى زلّ قدمي فوقعت على الأرض وانسلخ كلّ من ركبتي وكفّ يدي وكذلك كوحي وأحسست أنّ كاحلي قد التوى. حاولت النهوض فلم أستطع، أعدت الكرّة ثانية فازداد ألمي. كان عليّ تحمّل الوجع لردع الكارثة فرحت أعرج متجلّدة بالصّبر وقد ارتفع صوت زفيري من التعب حتّى وصلت المنطقة. حال سواد الليل وديجوره الحالك بيني وبين الرؤية. ولحسن الحظّ لم تكن القرية كبيرة فكنت أتتبع بصيص الضوء المتسرّب في كلّ مرّة علّني ألقاه. وبغتة لمحت ضوء سيّارة واقفة فركضت نحوها وحينها وجدتهم. وما إن رأيت جاكوب واقفا إزاء العمّ كِنان رافعا سلاحه في وجهه وسبّابته تلامس الزّناد حتّى تشابكت الأفكار في رأسي فقيّدتني وكبّلتني وشلّت حركتي. صمدت وتحاملت على نفسي وفككت قيودي ثمّ هدّأت من روعي وصرخت عاليا: " جاكوب لا تفعل" اقتربت منها فتفاجأ كلاهما برؤيتي وصاح فيّ جاكوب:

" ياسمين. لا تتدخّلي" مضيت أمام العمّ كِنان ووقفت أمامه بينما كان جاكوب ينهرني " ياسمين ابتعدي من هنا ! "

- جاكوب أرجوك اسمعني لوهلة ثم افعل ما يبدو لك !

- ياسمين لا تختبري صبري. قلت لك تحرّكي !

على يميني كان هناك رجل مربوط بجذع الشجرة يبدو من ملامحه أنّه فلسطينيّ. كان فمه مغلقا بلجام بيد أنّه كان يئنّ محاولا إبلاغ ما يريد.

- جاكوب. انظر فقط إلى هذه الصّورة. وجدتها بحقيبة سيلا. انظر جيّدا. اقتربت منه تدريجيّا وناولته إيّاها فتعجّب وظل صامتا

- أليست هذه أمّك؟ ألست أنت هذا الرّضيع؟

- ما هذه الصّورة؟

- أجبني أوّلا.

- بلى !

- إذن أنظر إلى ذلك الرّجل الواقف. ذاك هو ذاته العمّ كِنان. ذاك هو

والدك.

- ياسمين كفى خرافات ساذجة وتنحّي جانبا.

- جاكوب أقسم لك أنّ هذه هي الحقيقة. والدك لم يكن إسرائيليا ولم يمت كما ادّعى بنيامين وهذا الرجل ليس عدوّا لك ولا لوالدتك ولا هو الذي ارتكب تلك الجريمة الشنعاء بحقّها. هذا والدك وأنت ولده تيم. صدّقني كلّ ما قاله بنيامين مجرّد أكاذيب. سيلا أيضا عرفت الحقيقة ولذلك قام بنيامين بقتلها.

سيلا لم تمت بحادث. خالك المجرم هو من صرعها حتّى أنّي رأيت رسائل في جوّاله تثبت هذا الأمر. أقسم لك أنّ هذا ما حدث. عمّي كِنان ألا تذكرني؟ أنا ياسمين تلك الطفلة الصغيرة التي حكت لها سوارا أبيضا لمّا كنّا جيرانا في أمريكا. ذاك السّوار وجدت له شبيها أحمر عند جاكوب. جاكوب أعاهدك أن لا حقيقة غير ما أقول.

العم كِنان: - تيم، بني.

مضى العمّ نحو جاكوب بضع خطوات بينما كان جاكوب مذهولا مرتعدا. وبينما كان ذلك الموثوق بالشجرة يضرب الأرض بساقيه مناديا ولكنّ أحدا لم يأبه له. وفجأة تسمّر العمّ كِنان في مكانه إذ اجتاحت الرّصاصات صدره وولجت أعماقه فهوى على الأرض. واستمر بنيامين في إطلاق رصاصات عشوائيّة من نافذة السيّارة التي كان يقبع بها مراقبا ما يدور. كان جاكوب منتصبا لا يحرّك ساكنا جرّاء وقع الصدمة. كنت أناديه من مخبئي وراء الجذع فلا ينتبه. وعلى حين غرّة رأيت سلاح بنيامين قد توجّه نحوه، فوجدت نفسي أعدو تجاه جاكوب وأدفع به جانبا متلقّية الرصاصة بدلا عنه وعلى إثر ذلك فرّ بنيامين. وقف جاكوب عاجزا مكبّل اليدين فاقد العقل شاخص الأنظار ينظر إلى كتفي النّازف وإلى جسد والده الهاوي. جثم على ركبتيه وقد انحدر خيط دموع على وجنته فقلت له: " أنا بخير. أسعف والدك أوّلا " فتّح العم كِنان عينيه وأومأ بعبارات متقطّعة: " تيم.. يا ولدي.. التفت نحوي دعني

أمعن النظر فيك قبل المنيّة " صمت فجأة وأغلق جفنه فارتعدت فرائصنا. قمت ويدي تمسك بذراعي وفتحت رباط ذلك الرجل الذي قفز نحو العم كِنان. أمسكني جاكوب وسألني: " أ أنت بخير؟ أنظري إلى الدّماء المتقاطرة من كتفك" فأجبته: " لا تقلق علي. سأكون على ما يرام. احمل معه والدك نحو السيّارة ودعنا نقصد أيّة مستشفى. هيّا أسرعا"

حملاه وركبنا بعد أن ربطت يدي بخرقة قماشي ومضينا نبحث عن مصحّة. كانت حالة العمّ خطرة للغاية ووجدت نفسي عاجزة بدون أيّ معدّات. قال الرّجل الذي بصحبتنا أنّ مصحّة بِطا هي أقرب مكان ممكن. فطلبت منه أن يسرع أكثر. كنّا جميعا في حالة يرثى لها من الفزع والخوف أو الألم والصّدمة. جميع ملامحنا ونظراتنا لا توحي بغير القلق والحيرة.

وصلنا أخيرا ذاك المشفى فدخلنا ولكنّ أحدا لم يعرنا اهتماما. مرّ احد الأطبّاء فذهبت أترجّاه كي ينقذ العمّ كِنان فتجاهلني. كرّرت طلبي. فنادى الحارس قائلا: " أخرجوا هذه القمامة من هنا"

- لمَ لا تعالجونه؟ أوليس بشرا؟ أليس ذاتا بشريّة؟

- كلّا. هؤلاء الإرهابيون ليسوا أناسا. هم أحقر من الحشرات.

أدركت حينها أن النقاش لن يجدي نفعا فلم أجد حلّا سوى لطمه ودفعه جانبا. لعلّ تعليمي الفنون القتاليّة أكثر فضل سأبقى مدينة لأجله لجاكوب.

ركضت نحو غرفة الطّوارئ وقد ازدادت آلام كتفي وبدأ العرق يتصبّب من جبيني. دخلتها فحملت سريرا متنقّلا. حاول أحد الممرّضين أخذه منّي فضربته به وركضت نحو الباب فوضعنا عليه العمّ كِنان. مشينا به نحو غرف العمليّات، كانت الأولى مغلقة أمّا الثانية فكانت شاغرة. أقفلنا الباب بسرعة. فعمد المسؤول إلى الاتصال بالأمن. قدموا بعد لحظات وكسروا الباب لإخراجنا. كان أحدهم يقتادني للخارج لمّا دخل جاكوب الذي تركناه

في السيّارة قبل دخولنا المصحّة. قام الأخير بإخراج بطاقته فحيّاه رجال الأمن وتراجعوا للوراء. ثم أمر أحد الأطبّاء أن يجري الجراحة. رفض الطبيب وقال أنّ هذا يعارض القانون ولكنّ جاكوب هدّده فاستجاب

مكرها. أمّا أنا وذاك الشّاب فقد غادرنا الغرفة. نظر جاكوب إلى حالتي المتدهورة فأردف:

- سأستدعي أحدهم ليزيل لك الرّصاصة. ياسمين هل أنت بخير؟ ! ياسمين ما بك؟

- جاكوب !

فقدت وعيي فجأة فأسعفوني بأمر منه. لمّا استفقت إثر الجراحة وجدته ممسكا بكفّي، دافنا رأسه بين أصابعي. لامست خصلات شعره فانتبه ليقظتي

سألته مباشرة عن حال العمّ كِنان فقال أنّه لا يزال يخضع للجراحة. فنزعت حقنة المصل واستقمت. ألبسني جاكوب معطفي ثم مضينا إلى البهو المقابل فرأينا ذاك الشّاب الذي سألني مباشرة إن كنت بخير فأخبرته أنّي

على ما يرام. ثمّ جلسنا وأخذ الشاب يعرّفنا بنفسه فأخبرنا أنّ اسمه أحمد وأنّه يصدر جريدة جديدة كما قال أنّ مريم قد أخبرته عنّي أخيرا لمّا عادت إلى غزّة. وراح يسرد علينا تفاصيل قصّة العمّ كِنان وجاكوب (أي تيم) وكيف بعث بنيامين العازم على الانتقام من أخته بسبب زواجها من كِنان برجاله ليفعلوا بها ما فعلوا ثمّ لعب بعقل ذاك الطفل الصّغير وأخبره أنّ الفلسطينيين هم من فعلوا ذلك. ذكرت بدوري لجاكوب قصّة رسائل سيلا وأمر دواء ميريكا. كان جالسا فقام على حين غفلة وقصد الحمّام. أحسست حينها بما يكابده من أسى وما يعانيه من وشقاء. وكيف لصدر أن يحتمل تلك الصّدمات المتتالية؟ وكيف لقلب أن يطيق تلك الحقائق المتعاقبة؟

فكّرت اللحاق به ثمّ تراجعت. أعلم أنّه لن يبكي ولن يسمح للدموع أن تطهّر قلبه أمامي. أدرك مسبقا أنّه سيتظاهر بالمتانة والصّلابة وسيكبت أحزانه ببواطنه لو ذهبت إليه. لذا تركته حتّى عاد بعد فترة واحمرار أنفه والبلل برموشه لا يزال بادٍ. وانتهت أخيرا ساعات التشنّج والتوتّر بخروج الطبيب

وفريقه الطبيّ. نظر إلينا فصارحنا أنّ العمّ كِنان يلفظ أنفاسه الأخيرة. واقترح أن يدخل إليه أحدنا علّه يريد الإفصاح عن أمر ما. استدرت أنا وأحمد وطلبنا من جاكوب أن يقابل أباه. دخل بخشوع وكلّ أطرافه ترتعش. وقف جامدا في مكانه فدعاه أبوه للاقتراب. سار خطوات وجلس على الكرسي المجاور. مدّ له العمّ كِنان يده فأمسكها بارتعاد. بقي الأب يتأمّل ابنه الذي كبر فجأة ثمّ تفوّه: "اقترب منّي بني، دعني أرى طفلي الصغير كيف أمسى شابا وسيما. اقترب يا حبيب والدك فقد احترق فؤادي شوقا إلى لقياك وحزنا على فراقك. يا عزيز أبيك، كم أنا سعيد برؤيتك، كم أنا مسرور بلقائك. كفى دموعا يا فلذة الكبد، لا تبكي أيّها الغالي على قلبي فهذه مشيئة الله. كتب لنا لغاية يعلمها أن نلتقي في آخر اللحظات يا تَيْم

- أبي..أبي..أنا آسف. أرجوك سامحني.

- أعدنا مرّة أخرى بني. أرجوك قلها مرّة أخرى.

- أبي أنا..

- فقط. يكفيني من نصيب الدنيا وحظّها يا رب وأنت تلتقط روحي أن سمعت هذه الكلمة قبل أن ألقى وجهك الكريم. تيم أرجوك دعني أموت مطمئنّ البال مرتاح الضمير ونفّذ لي هذا الطّلب. أريدك أن تسلم. عندما كنت صغيرا، كنت آخذك معي للمسجد. كنت تقلّدني عند الصّلاة. كنت أنوي أن أحفّظك القرآن والأحاديث وأن أعلّمك وقائع السيرة ومواقف الصحابة. ولكنّ القدر حال بيننا فدعني ألقّنك الشهادة على الأقل. ردّد ورائي: أشهد أن لا إلاه إلاّ الله.

- أشهد... أن لا إلاه إلاّ الله.

- وأنّ محمّدا رسول الله.

- وأنّ محمّدا.. رسول الله.

خرج إلينا تيم بعد بعض دقائق مبتلّ المآقي وأخبرنا بأنّه قد توفّي. لم تكن تلك المرّة الأخيرة التي أرى فيها انسكاب الدموع على خدّه. رأيتها تنحدر وهو يقلّب صورا وأوراقا تركها له العمّ كِنان في عهدة أحمد فأطلعه عليها لمّا أقمنا في دار له بمنطقة بئر السبع. رأيتها وهو يقرأ الرسالة التي كتبها له والده، وهو يطالع رسوماته التي احتفظ بها أبوه منذ أن كان طفلا، وهو يشاركنا أوّل صلاة له. تغيّر تيم كثيرا وصار رقيق المشاعر، مرهف الحسّ ، سريع التأثّر. أمضى مدّة منطويا على نفسه حتّى ساءت حالته النفسيّة. كنت أحاول مآزرته في كلّ مرّة والتخفيف عنه قدر الإمكان. في يوم ما كان ساهما فجلست بجانبه وسألت عن خطبه فأردف:

- أشعر بتيه وضياع شديدين. أحوم في عوالم أخرى. عشت حياتي مجرما، ارتكبت مجازر كثيرة وقتّلت أبرياء. شرّدت أهالي ويتّمت أطفالا ورمّلت نسوة

كثيرات. أريد أن أتوب فهل يمكنني ذلك.

- طبعا تيم، باب التوبة لا يغلق في وجه أيّ كان. اقلع عن آثامك واندم عليها بصدق وتعهّد بعدم الرّجوع إليها وكن خالص النيّة وسيقبل الله بإذنه توبتك. لأن المشكلة لا تكمن في الخطأ مهما كانت جسامته ،، وليست الميزة أن تعترف بالخطأ وتتقبل النصح ،، إنما العمل الجبار الذي ينتظرك حقا هو أن لا تعود للخطأ أبدا. إيّاك أن تدع اليأس يستولي عليك، لا تقف كثيرا عند ماضيك ،، لأنه ستحيل حاضرك جحيما ،، ومستقبلك حُطاما ،،

يكفيك منه وقفة اعتبار ،، تعطيك دفعة جديدة في طريق الحق والصواب .

- والنّاس هل سيسامحون؟

- سيكون إقناعهم بـتيم الجديد عملا شاقّا. ولكنّهم سيغفرون لك إذا شعروا أنّك صرت لهم مددا. تيم، أنا مسرورة لأجلك. مسرورة لأنّك أفقت من الوهم وعرفت الحقيقة، مسرورة لأنّك تغيّرت، مسرورة لأنّك عربي فلسطينيّ مسلم. مسرورة لأنّ حدسي كان صحيحا ولأن شعوري بنزعة الخير التي في فؤادك من دون الصهاينة جميعا لم تكن خرافة. لقد كانت حقيقة. كما أنّ عشقنا لم يكن عاقّا.

- ياسمين، لست مطمئنّا لتركك هنا بمفردك.

- لماذا؟أقصد ما مناسبة هذا الكلام؟

- سأعود غدا إلى تل أبيب لأثأر هذه المرّة من الشخص المناسب. لأثأر لأمّي، لأختي، لأبي ولطفولتي الضائعة ولشبابي المهدور.

- هذا ليس بالوقت المناسب. ألا تعلم أن بنيامين يترصّدك، ألم تر كيف

حاول قتلك؟

- أجل رأيت، كما رأيت مجازفتك وإلقاءك بنفسك في الخطر لأجلي. ياسمين، صدّقيني أريد أن أكون شخصا سويّا في المستقبل كي أستحقّ هذا الحبّ وهذه التضحية. لا أريدك أن تندمي مجدّدا على منحي مفاتيح قلبك. سأسعى أن أكون أهلا لأن أسكنه.

- أنا متأكّدة بأنّك ستكون أهلا له وأكثر وبأنّك سـ... آه هذا أحمد. مرحبا بك

أحمد: - مرحبا ياسمين. أهلا بك تيم. كيف الحال؟

تيم: - بخير. شكرا جزيلا لك أحمد على استضافتنا طيلة هذه المدّة. آمل أنّنا لم نكن عبئا عليك.

أحمد: - بالعكس لقد تشرّفت بمعرفتكما

تيم: - سأعود أدراجي في الغد إلى هناك لأسوّي الكثير من الأمور ولكن قبل هذا أريد أن أطلعك على الكثير من الخفايا والأمور المهمّة. أريد تسجيل شريط فيديو لأعترف فيك بكلّ الجرائم الممنهجة. سأتحدّث أيضا عن

الأسرى وعن العملاء. أريد أن أكشف حقائق كثيرة وأفضح ممارسات بشعة

أحمد: - سأكون كاذبا إن أخبرتك أنّي لا أتوق إلى فعل هذا. خاصّة أنّه سيعود بالنّفع على القضيّة الفلسطينيّة أمام الرأي العامّ وإزاء المحاكم الجنائية الدوليّة بيد أنّي سأكون نرجسيّا إن لم أحذّرك من العواقب المحتّمة. إن أقدمت على خطوة كهذه فتيقّن بأن حياتك على المحكّ وبأنّك لن تنعم بالسّلام.

تيم: - أنا أشدّ النّاس علما بالمخاطر القادمة ولكنّي عازم على تنفيذ ما خطر ببالي علّني أكفّر بذلك عن أخطائي السّابقة.

كنت أنصت إلى تيم رافضة التدخّل من فرط الإعجاب. كان قلبي يرفّ بشدّة اعتزازا به وانبهارا بجرأته وشجاعته وقوّة عزيمته. وبقينا طوال الليل نصوّر ذاك الشّريط وما إن فرغنا حتّى انبلج نور الشمس فغادر إيتان طابعا قبلة حارّة على جبيني. وقصدت صحبة أحمد قطاع غزّة. كنّا ندخله والبسمة تعلو شفتاي. ها قد تحقّق حلمي أخيرا وتجسّدت أمنيتي بعد أن فقدت الأمل ! سعدت مريم كثيرا برؤيتي وفرح الجميع بقدومي. اندمجت في العمل هناك تدريجيّا وكوّنت علاقات طيّبة مع الزّملاء والأهالي وبدأت أسترجع ثقتي بنفسي وبمؤهّلاتي واستدركت خصوصا قيمة المهنة التي عشقتها دوما. كانت مصحّات غزّة ممتلئة بالجرحى والمصابين، مفتقرة إلى الأدوات الطبيّة والإمكانيّات اللازمة. كان العمل هناك طويلا، شاقّا، صعبا ومتعبا بيد أنّه كان مريحا في الآن ذاته. ذاك أنّ رضا النّفس وارتياح الضمير ينسينا كلّ التعب الذي نلقاه في ثوان معدودة ، ولأنّ دعوة الخير التي نأخذها من خالة مسنّة أو طابع الحلوى الذي يهدينا إيّاه فتى صغير يمحو فجأة كلّ مآسينا ويجدّد فينا روح النشاط والمثابرة. في تلك الأثناء أثار شريط تيم المصوّر بلبلة وجدلا واسعا على كلّ الأصعدة كما حرّك الكثير من الجمعيّات الحقوقيّة والدوّل المنصفة نحو تبنّي القضيّة أو مساندتها على الأقل. ورغم ما أحدثه هذا التفاعل غير المشهود من قبل في نفسي من حبور إلا أنّه ضاعف قلقي وضخّم حيرتي على مصير تيم الذي لم أسمع عنه أيّة أخبار منذ قدومي إلى هنا. كنت كلّما قدم إلينا أحمد أو أحد من رفاقه أسرعة إلى تقصّيه فكانت الإجابة دائما بأنّ لا جديد حتّى الآن.

في يوم ما اضطررت إلى الانتقال خارج غزّة صحبة نهال وصديق آخر لإسعاف مصابين وبينما كنّا في طريق العودة أحسسنا بالعطش الجديد فارتأت نهال أن نطلب من أحد السكّان ماء . كان طريقنا خال تقريبا من البيوت سوى منزل واحد في ضفّة نائية. طرقنا بابه ففتحت لنا شابّة في

مقتبل العمر. سألناها فذهبت لتحظر لنا ما يروينا. أنزلت بصري صدفة فرأيت بعض الأحذية المرصوفة ولمحت حذاء أعرفه. تيم له حذاء كهذا. أنا متأكّدة. همت بالسّؤال ثمّ تردّدت وأحسست أنّ في ذلك بعض السذاجة والسُّخف فمن المؤكّد أنّ المعامل لا تصنع له أحذية حكرا عليه ثمّ أنّه من المحال أن يأتي إلى هنا. مضينا في طريقنا حتّى وصلنا غزّة. في الليل أرّقني ذاك الحذاء فلم أستطع أن أنام وأحسست بفضول كبير يقتلني. غيّرت ثيابي ثمّ خرجت وقصدت أحمد سائلة إيّاه أن يصحبني إلى هناك. كان مقتنعا بأنّ الحذاء ليس لتيم ولكنّه أبى أن يكسر بخاطري وقد أتيته في هذا الليل المظلم فواقف ومضينا حتّى عثرنا على ذات المنزل. فتح لنا الباب كهل هذه المرّة فرميت بصري مباشرة على الأحذية غير أنّي لم أجد ذاك الحذاء فاستفهمت الرّجل. تعجّب في البداية ثمّ قال أنّهم عثروا البارحة على رجل مصاب فاقد الوعي في مكان قريب من هنا فحملوه وأسعفوه ، غير أنّه ما إن استفاق مساء اليوم حتّى حمل متاعه ورحل. سألناه عن

صفات الرّجل فذكر لنا نعوت تيم. أحسست بالنّدم الشديد وتمنّيت لو استفسرت عن الأمر في الصّباح. كاد التوتّر حينها يقتلني لولا أن أخذ أحمد يهدأ من روعي ويحثّني على الصبر والتفاؤل. عدنا أدراجنا فأوصلني البيت وما إن دخلت حتّى هبّت مريم نحوي لتسألني عن ما حدث. أخبرها أحمد بالقصّة بينما ولجت غرفتي لأنام بيد أنّي لم أعرف للرقاد سبيلا.

في الغد كنت في المستشفى أزاول عملي عندما رأيت أحمد يدخل المصحّة محتقن الوجه غائر العنين. اقترب من مريم فأسرّ لها بعض الحديث وإذا بملامحها تتقطّب هي الأخرى. اتّجهت نحوهما فسألتهما عن الأمر فأجاب أحمد بصوت حزين:

- منذ قليل وجد الرّجال جثّة شاب مقتول ملقاة في مدخل غزّة

- يا رب. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

- ذاك الشّاب هو .. تيم. تيم قد استشهد.

ها أنا بعد سنوات أقف اليوم أمام قبره في مرّة ليست ككل المرّات. أقف وصوت هتافات النّصر الصادحة يتعالى ويرتفع. أقف ورايات فلسطين الأبيّة تحلّق عاليا لتلاقي أشعّة الشمس وأنوار القمر وبريق النجوم. أقف عنده في خشوع، حاملة الزّهور لأزفّه البشرى، لأعلمه أنّ أيّام القهر الخوالي قد ولّت ومضت. وأنّ صروح الاحتلال السامقة قد تدمّرت وهوت. وأنّ أسطورة الجيش الذي لا يقهر قد تلاشت وانمحت. ذاك أنّ الحريّة إرادة وعزيمة وثبات وصمود وإذا ما الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر. ولا بدّ لليل أن ينجلي. ولا بدّ للقيد أن ينكسر.


  • 2

   نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا