اسْمُهَا .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اسْمُهَا ..

“هذه المروية ليست للجميع، ليست لمن تقتصر مخيلتهم على المألوف، فليس كون ما حصل لا يصدق يعني أنه لم يحدث”

  نشر في 20 يوليوز 2017 .

كنت واقفًا بسيارتي خارج مدرسة للفتيات أنتظر خروج أختي، وظللت أراقب المنظر الساحر لغدو الملائكة ورواحها؛ تحملن البراءة بالقدر الذي تحملن حقائبهن المثقلة. حدث اضطراب خفيف أمام باب المدرسة أعقبه صوت انفجار إطارات سيارة قادم من أحد الأزقة القريبة، كان هناك ما يدفعني أن ألقي نظرة ولربما أعرض المساعدة، فتقدمت بسيارتي ناحية الزقاق القريب، لأجد السيارة المقصودة وقد أغلقت الزقاق الضيق الذي بالكاد يكفيها، وأفراد السيارة من شباب يلتثمون أشمغتهم جزئيًا قد خرجوا منها، وسيل اللعنات والشتائم والقنوط من الأقدار ينبع من أفواههم، تراجعت عن عرض المساعدة لمَّا رأيت أن الثقوب طالت أكثر من إطار، فلن يجدي إلا أن تُسحب، وأيضًا لما لمست من خُلُقٍ وضيع خشيت منه التمرد حال إكرامي، فانسحبت من حيث أتيت عند منصتي لمراقبة الملائكة.

******

ليست نظرة معتادة تراها كل يوم، وليست كأي ابتسامة هادئة شقت صدغيها، فقد كانت ابتسامتها تنطق .. قرأت ابتسامتها وعرفت مغزاها وحاولت أن أصدق تأويلها، ولكنها ما لبثت أن توارت داخل سياراتها بشقاوة طفولية.

******

كانت الأختين من عائلة ثرية تنظران من النافذة الخلفية لسيارتهم الفاخرة يترقبان بخوف إن كان هناك من يتبعهم، وتنظر الصغرى إلى الكبرى بقلق وترجي، وبأمومة مفقودة تحاول الكبرى أن تشعرها بالأمان وتطمئنها أنه لا أثر لأحد يلحق بهما، فألقت نظرة أخيرة للخلف ثم ارتخت في مقعدها.

******

اتصلت بي أختي لتخبرني بتأسف شديد أنها ستضطر للتأخر لبعض الوقت، وكانت صلاة العصر قد أوشكت، فأبلغتها أن تأخذ وقتها على أن أرجع إليها بعد الصلاة. أوقفت السيارة وآثرت أن أذهب للمسجد مشيًا، كان الشبان لا يزالون في ذات الزقاق ينتظرون سطحة لتحمل السيارة فلن يجدي سحبها كون الإطارين المتضررين في ذات الجهة.

******

صرخت سيدة المنزل تستفسر من العاملة عن مكان تواجد السائق، فأخبرتها أنه على وصول فهذا موعد عودته، فطلبت منها أن تتصل به لتستعجله فهي الآن قد تجهزت بكامل أناقتها ولا تريد أن تتأخر عن حضور مناسبة فاخرة.

******

لدى عودتي من المسجد ماشيًا مررت مجددًا بتقنية العدسة، وهي عبارة عن تدفق فكري يحصل معي عادة في لحظات التأمل أو التركيز الشديد، ويكون إما نظرة شمولية واسعة أو تفصيلية ضيقة، كان ذلك عندما مررت بحوش فيه قن للدجاج واستحدثت وقتها مفهومًا عن فيزياء الدجاجة، فباستمرار كنت أشعر ببعض الثغرات في علم الفيزياء الذي أحب، ومنها تعريف الفيزياء بأنه العلم الذي يعطي تفسيرًا للظواهر الطبيعية، بينما أجده إعطاء تفسيرات للظواهر حسب إدراك وحواس البشر، ومن هنا أوجدت مفهومًا لدجاجتي المفترضة التي تمتلك عقلًا لتعطي هي أيضًا تفسيرات للظواهر الطبيعية حسب إدراكها، وهنا اختلفت معي في تحديد نطاق الموجات الصوتية والمرئية على سبيل المثال، وأيضًا نقلت لي اعتراض صديقتها البعوضة العاقلة على تفسير الحركة والزمن لدى البشر فهو لا يتوافق مع إدراكها لهم .. وفجأة توقف تدفق الأفكار حين دست على قطع محطمة من علبة هندسة كانت في ذات الزقاق الذي ثقبت فيه إطارات سيارة الشبان الذين كانوا قد ذهبوا. جمعت بعض القطع الحادة والمدببة لأبعدها عن الطريق لئلا تسبب الضرر لأحدهم، ولكن لفت انتباهي شيء ما ..

******

دخلت الفتاتان منزلهن الفاخر تحتضن إحداهما الأخرى وتهمسان لبعضهما إن كان مناسبًا أن يخبرا والديهما؛ ليقطع حيرتهما صريخ والدتهم التي تجاهلتهم لتصب ويلاتها على السائق الذي تأخر، وحاول السائق أن يبرر دون أن تعطيه مجالًا أن يتحدث، واتجهت مسرعة للسيارة طالبة منه أن يتحرك لوجهتها. تأكدت الفتاتان أنه ليس من الحكمة إشراك والدتهم بما يحصل.

******

كانت القطع رغم تناثرها ذات نمط معين وكأنها كانت مرتبة قبل أن تتحطم، ومع التقاطي للفرجار لاحظت أنه رغم تضرره إلا أنه من الواضح أنه جديد تمامًا، وهناك بعض النوابض وقطع أخرى لا تنتمي لعلبة الهندسة.

ليس حدثًا عارضًا .. ليس حدثًا عارضًا .. رددت هذه العبارة في نفسي في الوقت الذي كانت فيه نفسي الأخرى تُتفه الحدث وترفض اعتباره حدثًا هامًا، اشتغل ذهني بالتحليل وبدأت أغرق في دوامة الاستنتاج، فبلا شك هذه القطع هي التي تسببت في ثقب إطارات سيارة الشباب ! انتشلني من دوامة الأفكار تصال من أختي تكرر اعتذارها بشدة وتعلمني أنها جاهزة للخروج.

******

كانت الأخت الكبرى تحاول أن تملأ فراغ الأمومة لدى أختها، وتقوم بدور الأم في السؤال عن تفاصيل يومها واحتياجاتها، وكانت تستجيب بسعادة لهذا الإهتمام وتغدق عليها بتفاصيل حصة الرياضيات التي كانت رائدةً فيها، وإعجاب مدرسة اللغة بخطها الجميل، وتحكي لها عن صداقاتها، وأنها كونت علاقتي صداقة جديدة لم تكن تحلم بها.

******

دخلت أختي السيارة مغدقة اعتذاراتها ومتزايدة أنفاسها، هونت عليها وشكرتها بالمقابل أن أتاحت لي فرصة أن أحرك قدماي. بدأت أخوض معها في السؤال عن تفاصيل يومها حتى استدركت أسألها عن فتاتهم الجديدة في المدرسة، وبدأنا نقارب في أوصافها الشكلية حتى أجابتني: "آآه يبدو أنك تقصد تلك الفتاة اللطيفة من الصفوف الإبتدائية"، وذكرت أيضًا جمعها بين المرح والهدوء بدون أن تلمح لشيء مميز أو اكتراث لأمرها، سألتها: "ما اسْمُهَا؟"، فأجابتني:

اَسْمَهَان

(نهاية الجزء الأول)

٣ يونيو ٢٠١٧



   نشر في 20 يوليوز 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا