نحو الجنوب؛ قصة مؤلمة. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نحو الجنوب؛ قصة مؤلمة.

  نشر في 13 فبراير 2017 .

على الواجهة الجنوبية تفتح كل المداخل، لكل عابر سبيل و زائر، المداخل دائما ما يكون على وضعية الاستقبال مفتوحة للكل؛ كذلك الصغار يخرجون بسلامة دون أن يقع عليهم أي مصيبة أو نوع من المكروه، قطف فاكهة المانجو والباباي من خيرات بلادي على أطراف الطرقات ، المداخل مصلى مقدساً متجهاً نحو الكعبة هي جزء من إرثنا جهة الجنوب، فالجنوب ضاعت مثل قطع حبل المسبحة والحبات تسقط واحد تلو الآخر ، يبلغ عدد حباتها 30 مليون حبة الآن ضاعت منها مجموعة من الحبات من ضمنها المنارة.

خفق رجل متسللاً بقدميه الحافيتين نحو بيت المال، مشيته أشبه بالسلاحف أصمت، حتى عزيف الرمال كاد أن يختفي عن سماع الأشخاص الذين يجلسون في فجج البيوت ليلاً في سهرةً. إنه رجل ليس بسارق الأموال والمجوهرات الثمينة، بل هو لص يعزف سكون الليل بهدوء يفتح طبلات أذنه و نبضات قلبه يتسارع في الخفقان؛ حتى يستشعر ويستنشق أنفاس تلك الفتاة التي حرم عليه بالزواج؛ رغم توافقا معاً في الحب، لكن تضارب الأسباب لأنه رجل ينحدر من أسرة فقيرة و قبيلته يفترق من حيث الحيثيات كالنسب و الدم و العرق واللون.

المداخل أشياء عجيبة أبوابه مفتوحة والنسيم عابر.. الناس يتحدثون بأصوات مسموعة، بنكهة الهمهمة؛ بينما يستقله هذا الرجل نحيف الجسم؛ مربك الأفكار؛ أن يقاوم كل صوت و زفير عندما يخرج من خلف ذلك الباب الذي دائماً يصلي ويسبح نحو الجهة الجنوبية عسى ولعلا يستجيب له القبول حتى يغفر ذنب الصلة و التراحم.

كذلك فإن معظم الأوقات تتغير إلا وقت واحد بنسبة لهذا الرجل عندما ينام جميع سكان المدينة انه الوحيد لا ينام صاحي يظل يسبح بالدعوات، بل يزل يمشي في نفس الطريق، وجهه يشير نحو الأرض مثل شخص ضاع منه قطعة نقدية في رمال الصحراء،.. هو تخلي عن كل شئ في حياته فقط ظل يبحث عن آثار أقدامها في تلك الأوقات من الليل المظلم.

في صباح يوم أسود يتقلب فيه الطقس رأى هذا الرجل وهو عائد من الكهف الذي كان يعبد فيه بين هذه الأوقات "بدءا من منتصف الليل حتى ساعة وقت الضحى"، بينما هو عائد من ذلك المكان رأى كل سكان المدينة خرجوا إلى الشوارع، وصوت الصراخ عالية،.. دار في ذهنه تساؤلات والكوابيس لازم أفكاره.. يتردد ماذا حصل بحق السماء هنا؟! يتساءل مع نفسه عدة مرات. أنه محروم من كل الأشياء حتى النشاطات اليومية وسط المدينة.. ممنوع الذهاب في ذاك الطريق «الجزء الجنوب» كان الرجل يتسلل مع غروب الشمس حتى يتمكن من الوصول قريب من بيت عشيقته؛ يتسلل متخفياً في كل الطرقات.

ما به من سيدة عجوزة يحمل على رأسها قدح مغطى بقماش أسود و بقايا الخبز في يدها اليسرى أنها قد مرت بنفس الأوقات الصعبة مثل ذلك الرجل النحيف، قصص و دلالة الحب مبتور الأطراف، أنها سمعت ذلك الخبر عند خروجها من المدينة وهي ذاهبة إلى مزرعتها تقع طرف المدينة، أوقف هذا الرجل تلك العجوزة وسألتها عن ما يحدث هناك، ثم رد قائلاً له: لقد توفت أبنوسية الجنوب » نالت استقلالها«.. إنها فلانة بنت العمده! صمت هذا الرجل في دهشة يكاد أن يقف ضربات قلبه قليلاً، ثم ركع بركبتيه علي الأرض ووضع يديه فوق رأسه وبكى شديداً.

مات الجنوب، انقلب الأرض.. الجنوب؛ الجنوب راح إلي عرش السموات، تركني لوحدي اليوم.. أنا لقد أحببتها كثيراً يا سادة لكن رفضوني من دون مقدمات أو اجتماع للشورى كانت في أيادي الساسة ورجال المدينة يقررون ؛ يفصلون؛ يقسون هم كذلك منتفخين البطون، أنا فقير؛ أنا ابن المزارع الفلاح؛ أنا الوحيد بين أبناء الأمراء.. أنتمي إلى عالم الأحراش رفضوني، فصلوني، منعوني حتى الطريق أصبح يكرهني؛ لماذا؟! لأن رفضوا لي أن أعبر الحدود ولو بتأشيرة.

ديلورا فتاة أتت من أقاصي غابات السافنا الغنية تتحدث بلكنة تمتزج مع البخور أثناء شرب القهوة التي كنا نتذوقها معاً علي أرصفة النيل، ثم تقرأ لنا فنجان قهوة بملامحها رسمت فيها خرائط وأماكن تصف حضارة كوش ومعالم السافنا ..

هي تعلم أين غرقت سفينة نوح، بل آل فرعون..

النيل فاض من كثرة تدفق دموع الكنداكات وهن يبكين على فراق الأحبة؛ كحال هذا الرجل وصف عندما يفقد حبيبته هي الجزء الجنوبي من الإرث.. لا توصيني يا جدتي السيول تجرف الكنوز ثم يدفنها هو في آن واحد، لذا دعينا نموت من أجل ملائكة الأرض هي روث الأبقار، ضفاف النيل و رمال الصحاري، غابات الاستوائية.

عندما حكم الحياة لهذا الرجل بالإعدام، لا شئ الآن يجعله أن يكون حريصاً.. ظل يتردد ما بين الشوارع ويسأل عن المستحيلات؛ سأل عن أجود نبيذ في هذا البلد، رد له الأطفال بصوت واحد قائلين: حرام في هذا البلد، تجلد و تدفع غرامة ثم تسجن.

رد بصوت مشبع باليأس وملامح وجهه يدل مابين الابتسامة و الغضب؛ مثل الشخص الذي فقد عقله قائلاً: أنا مسجون في الواقع يا أبنائي لا أخاف من السجون أموت لحظة ثم، أبعث مرة ثانية. الطيور تغرد ساعة الرحيل نحو المحيطات البعيدة.. كحالي أنا يا صغاري.. أنا الحكم والجلاد؛ أنا التمثال في وسط المدينة؛ أنا المحرم من أرث أبي أنه ارث أجدادي مليون ميل مربع؛ فالجنوب رحل ومعه أشجار المانجو والباباي ضاع.. ضاعت عشيقتي.

بنت العمدة ضاعت أمام عيني، أنا لا سارق؛ لا لص الأوطان؛ أنا ما زلت أسكن في بيت المال. عفوا ديلورا هي من أصل البيت. 

أحمد أبشر. 



  • Ahmed Absher Tokab
    يقال ان الحب، والسلام كلاهما مفتاح القلب، إذن قبلي مفتوح للجميع. انا أحمد أبشر تكاب، سوداني الجنسية.
   نشر في 13 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا