الشروط النظرية وغير النظرية لظهور الفلسفة الحديثة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الشروط النظرية وغير النظرية لظهور الفلسفة الحديثة

  نشر في 01 يونيو 2018 .

إذا كان المبدأ الأساسي للحديث عن الفلسفة والعلم هو وجود عدة مفاهيم وقضايا ومناهج… منتظمة ضمن نظرية الهدف منها البحث عن الحقيقة استنادا إلى منطق صارم ومنهج رصين، إن النظرية بهذا المعنى عملية تقتضي وضع تصورات وفرضيات حول الواقع، عبر جملة من الإشكالات ومحاولة توضيحها من خلال بناء شبكة من الأسئلة، ثم محاولة الإجابة عليها والبحث في الحلول الممكنة لها. لكن في الحالة التي تعجز فيها النظرية السائدة عن الوفاء بمبدأ المعقولية العامة، ما هو المنطق المحرك لأجل تطوير هذه النظرية، من أجل تقديم تأويل جديد تنسجم فيه المعطيات القائمة ضمن نسق أشمل وأبسط ؟ وبتعبير آخر؛ ماهي الأصول النظرية وغير النظرية لظهور نظرية جديدة تضم أكبر عدد من الحصائل النظرية الخاصة وغير المتجانسة والمتباعدة ما أمكن في نسق نظري ذا قواعد منطقية صارمة ؟ هذا ما سنراه في عرضنا التالي حول الأصول النظرية وغير النظرية لظهور الفلسفة الحديثة.

أثرت الرياضيات في الحضارة اليونانية بفكرة المتناهي لانها رأت الكمال في الاشياء المنتهية والمحدودة بينما الانهائية تفتقر الى الكمال، ولذا حاولت استبعاد فكرة الانهائية التي ما لبتت أن ظهرت بشكل جلي لدى فيتاغورس في حساب طول الوتر في مثلث قائم الزاوية، طول كل من ضلعيه القائمتين واحد، كما ظهرت اللانهائية في حساب محيط الدائرة، إذ ان حاصل قسمة محيط الدائرة وهو محدود على طول قطرها وهو محدود ايضا يساوي عددا لا متناه.هذه المفارقة شكلت عقبة ابستمولوجية لم يستطع العلم الرياضي الفيتاغوري تجاوزها .فالعدد عند الفيتاغوريين هو الاصل لتفسير الوجود،إلا أن ان الواحد ليس من الاعداد بل هو مساو للوجود " الاعداد عندهم مادة الكون مهما اختلفت اشياؤه وصره ولما كانت الاعداد كلها متفرعة عن الواحد لانها مهما بلغت من الكثرة فهي واحد متكرر ،كان الواحد اصل الوجود وعنه نشا وتكون ".

وعليه فإن أول مفهوم سيتم أشكلته بناءا على ما وقعت فيه الفيتاغورية من مفارقات على مستوى الرياضيات التي كانت اساس كل معرفة ( الفلك-الحساب –الهندسة -الموسيقى )هو العالم .وبالتالي كيف يمككنا معرفة هذا العالم ؟ وما هي الادوات الممكنة لتحقيق ذلك ؟

اعتمد أرسطو على المنطق من أجل تقديم تأويل منسجم للمعطيات و المبادئ والفرضيات المتباينة حول اصل الكون. فالكون حسبه ناشئ عن مادة أولية بسيطة ليست متعينة في شكل ما، وليس لها صورة محددة، ولما تحركت محاكاتا وتشوقا للمحرك الذي لا يتحرك اتخذت صورا متمايزة ونشأت عنها الموجودات المختلفة، فالحركة عند أرسطو تحتاج إلى محرك هو سبب وعلة الحركة؛ اي أنها معلولة له. وبذلك تكون العلة والمعلول متساوقين، فإذا كان المحرك الأول ازلي فالحركة ازلية ولا يمكن أن تكون هناك حركة بمعزل عن الزمان الذي هو أيضا لصيق بالحركة وبالتالي فالكون حسب أرسطو ازلي.

سعى أرسطو إلى تفسير التغير على سطح الأرض بالحركة التي تأتي تدريجيا من فلك التدوير الذي يحرك زحل بحركة ثابتة ثم يحرك هذا الاخير المشتري بسرعة أقل وهلم جرى وصولا إلى الأرض التي هي مركز الكون. بهذا الأمر كان أرسطو يقول بأن الكواكب توجد على مسافات متساوية وثابتة من الأرض. الشيء الذي تكذبه نظرة متفحصة بالعين المجردة. فالزهرة و المريخ يظهران أكثر لمعانا في بعض الأحيان وهو ما يفسر كونهما قريبان من الأرض، بل حتى القمر نفسه لا يوجد على مسافات واحدة من الأرض. ولتجاوز هفوات نظام أرسطو سيظهر بطليموس عاملا على تقديم نظريته '' افلاك التدوير" التي تأخد بعين الاعتبار مسألة تغير مسافة الكواكب في دائرة هي فلك التدوير. ومع ذلك بقي الواقع يعاند، فأحيانا تظهر في تراجع أكبر مما يحدد نظام افلاك التدوير. الأمر الذي دفع فطليموس - لحل المشكلة - بالقول إن الأرض هي مركز الكون وتدور الكواكب حولها ولكن ليست في مسار دائري كما كان يقول أرسطو ولكن في مسار يسمى وهذا يعني أن كل كوكب يدور حول مركز معين ما وهذه المراكز هي التي تدور حول الأرض، فالأرض إذن هي مركز المراكز،وبذلك تمكن هذا التصور من توضيح لماذا تبدو الكواكب كأنها تتحرك في اتجاه معين ثم تنقلب لتتحرك في الاتجاه الآخر.

يتضح مما سبق أن كل من الإشكالات التي اثارتها الرياضات الفيتاغورية وكذا الهفوات التي سقطت فيها نظرية أرسطو لتليها بعد ذلك نظرية بطليموس من أهم الأسباب النظرية لتطور العلم إبان الفترة القديمة. في مقابل ذلك هناك عوامل أخرى ساعدت ولو من خارج هذا النسق في تسريع وتيرة الأفكار ولو في جزئياتها. فنجد مثلا فكرة الخلق التي أتى بها اللاهوت، ساعدت في قلب الاستدلال على تاريخ العالم. بالسابق كان الاستدلال يبدأ من المحرك الذي لا يتحرك وصولا الى الارض التي كانت تعتبر مركز الكون.

إن بطليموس قال بمركز طبيعي وهو الأرض ومركز ذهني وهو معدل المسير، وهذا تناقض؛ بحيث لا يمكن للجسم أن يدور حول الأرض وهذه النقطة الخيالية في الان نفسه، إذ يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد بديل لإنقاذ الظواهر كما فعل أفلاطون.

شكلت نضرية بطليموس بؤرة نقد من طرف علماء الهيئة - ابن الهيثم مثلا -،فوضع بطليموس مسلمات لمشروعه النظري ثم التخلي عنها بحدس لهيئة رياضية تتعارض مع المعطيات الارسطية التي اخذ بها كأوليات. فقد انتقل من وصف كرة العالم الطبيعية إلى وصف كرة خيالية لا علاقة لها بالطبيعة، مكتفيا بالنضري، مهملا التطابق مع الواقع،وهو ما أثار إشكالية عند الفلكيين الذين بدأوا ينشدون الانسجام ما بين النضرية والواقع؛ اي خلق التوافق بين النماذج الذهنية والطبيعية. في هذا السياق نجد ابن الهيثم الذي يذكر مجموعة من المتناقضات في كتابه "الشكوك على بطليموس" والأمر الذي يزيد من حدة نقد ودحض نظرية بطليموس هو نظرية الأبصار - عند ابن الهيثم - فلم تعد عملية الإبصار عملية انعكاس الموضوع على الذات كما كان في السابق بل صارت عملية بناء للموضوع؛ اي ان الاشياء مجرد أشعة وفق قوانين الضوء. فإذا كان الإبصار هو انكسار للضوء فإن قوانين الإبصار هي قوانين الضوء وبالتالي أصبحت قوانين الضوء مع اب الهيثم قوانينا رياضية.وهنا يمكننا القول بإمكانية قيام علم المحسوسات كعلم يقيني بعكس الشرخ الذي كان مع بطليموس الذي لم يؤلف بين ما هو نظري وما هو حسي. نخلص مع ابن الهيثم الى استحالة وجود إدراك حسي محض دون تشابك بين المعقول والمحسوس. وهناك أيضا فكرة ثالثة يقول بها ابن الهيثم ساعدت في تطور العلم وهي القول باستحالة وجود بديهي؛ فالبديهيات هي نتيجة لاستدلالات خفية نسيت هذه الاستدلالات وبقيت النتائج فأصبحت مقدمات اي بديهيات.. هذه الفكرة سيستثمرها كوبرنيك ليمتنع عن قبول المسلمات التي حالت دون تطور الفلك البطليمي، والمتمثلة اولا في مركزية الأرض وثانيا التقسيم الثنائي إلى عالمين :عالم مافوق القمر وعالم ماتحت القمر ثم القول بضرورة الحركة الدائرية، باعتبارها الحركة الوحيدة الممكنة للأجرام السماوية وكان بديله عن ذلك أن افترض أن الكواكب تدور حول الشمس في الوقت الذي تدور فيه حول محورها يوميا. وعليه فإنه من الممكن الاستغناء عن بعض أفلاك التدوير الصغيرة التي افترضها بطليموس، الأمر الذي أدى إلى تبسيط حسابات الفلك تبسيطا عظيما وهو ما أدى إلى تقليل عدد افلاك التدوير من ثمانين إلى أربعة وثلاثين فقط، وبهذا التبسيط أصبح نظام كوبرنيك أسمى من نظام بطليموس، تماشيا مع القناعة التي كانت سائدة آنذاك التي مفادها أن الطبيعة يجب أن تكون بسيطة. فتنظيم الوقائع المعروفة في توليفة متناسقة وأكثر بساطة هو ماجعل نظرية مركزية الشمس أكثر نفعا من سابقتها نظرية مركزية الأرض؛ فهي سهلة التناول وتخلصنا من بعض الحسابات المعقدة للنظام القديم. كان هدف كوبرنيك من قلب موقع الأرض بالشمس هو حل مشكل الكواكب المتحيرة وإصلاح التقويم الميلادي، وتسهيل التنبؤ بمواقع الكواكب والحصول على نموذج ابسط للطبيعة.

وعليه يكون كوبرنيك نهاية براديغم قديم لأنه خلخل النظرية البطليمية التي كانت سائدة ومنعطفا جديدا وانقلابا أوليا نحو براديغم جديد له ميتافيزيقا تخصه وفيزيقا جديدة مترتبة عن منطق هذا النسق.

ظهرت مع غاليلي فيزيقا جديدة، فمفهوم الحركة عنده يتاسس على مبدأ التجريد، اي تأكيده على أهمية الاعتماد على القواعد الرياضية، كان قوله في هذا الصدد أن المنهج الذي يجب اتباعه لمعرفة قوانين الطبيعة هو المنهج الرياضي لأن لغة وحروف الطبيعة هي المتلثات والدوائر والأشكال الهندسة الأخرى. اي بالتمكن من هذه اللغة يمكننا بعدها عمل تجربة للتحقق من صحة ما يمكن التوصل إليه عن طريق التجريد، نحن هنا أمام منهج لتحصيل المعرفة الفيزيقية، لكن هل القواعد الرياضية والقوانين المنطقية تمكننا من تحصيل معارف يقينية في الجانب الميتافيزيقي؟ بعبارة أخرى هل هي قادة على تحقيق معرفة منطقية في الميتافيزيقا كما حققته في الفيزياء والفلك مثلا؟ إن هذه الإشكالية في صميمها تشكيك في قدرة العقل على بناء المعرفة. وهو الأمر الذي اخد بديكارت للقول بمحدودية العقل الانساني، ففي عدم قدرة العقل على معرفة غايات الخلق نتمكن من معرفة ما يمكن للعقل معرفته لكي يقوم الإنسان بعذ ذلك بفعل ما يقدر على معرفته بعقله. فالعلم مع ديكارت يقوم على علة واحدة وهي العلة الفاعلة والتامة دون الحاجة إلى العلل الأربع، وبالتالي يصبح الإنسان فاعلا في الكون، اي ان الانسان سيصير قادرا على الفعل الذي كان حكرا على الإله وحده. اي انه صار بمقدوره استنادا إلى العلة الفاعلة أن يعيد تكوين العالم بالطريقة الإنسانية فيصبح مسيطرا على ما أعاد تكوينه اي السيطرة على الطبيعة. وبهذا التسلسل المنطقي داخل النسق أصبحت العلة الفاعلة اساس النزعة الآلية والتي هي أساس الفيزياء الحديثة.

بناءا على ما سبق، يتضح انه لولا وجود إشكاليات جديدة كل الجدة ما برز موضوع للبحث وما تمت بلورة علم جديد، فكل نظرية تخطأ أو بالأحرى تبين مكامن خطأ النظرية السابقة عليها تؤدي إلى التصحيح والتقدم، إذن فالتكذيب يخدمنا أكثر من التحقق. وعليه فإن النسق (الفلسفة +العلم) يولد بهذه الكيفية نظريات جديدة أكثر اتساقا، بحيث تضم أكبر عدد ممكن من الحصائل النظرية الخالصة الغير متجانسة والمتباعدة ما أمكن، دون الوقوف عند الواقع الحقيقي والاكتفاء بالواقع النظري. أما ما يأتي من خارج هذا النسق من مفاهيم واشكالات يمكن أن تساعد على تطوره أو توقفه دون شيء آخر؛ اي ان هذا الخارجي مجرد عامل لا يدخل ضمن المنظومة النظرية ليفرض عليها غير ما يوجهه منطق العلم والفلسفة.

وفي الأخير نخلص إلى أن منطق تاريخ الفكر النظري كما أشرنا سابقا من بدايته لا يخضع لأي ضرورة سوى ضرورات النسق الداخلية، لأجل البلوغ للحقيقة في ذاتها، وهو بذلك تاريخ إشكالات وأسئلة ومبادئ أكثر منه تاريخ حلول وأجوبة ونتائج.


  • 2

  • أيوب بوهراوة
    أيوب بوهراوة أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي وباحث في الأديان متخصص في مجال الفن التشكيلي
   نشر في 01 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا