ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 28 يناير 2017 .

بلبل في أحضان المحراب

مهما حاول الوصف ، فلن يقدر على وصف الإحساس الذي ينتاب الشخص أيام التوبة الأوائل ، إحساس عجيب ، لا يقدر على معرفة وصفه أحد ، كريح عجيبة ، تأتي فتأخذك ، و تطوف بك في آلاء الله تعالى ، ما شاء الله تعالى لك أن تطوف ! إحساس متميز ، لم يكن على معرفة به من قبل ، ود لو أن كل مسلم سقط لإحساسه أسيرا ، يتلذذ به ، يستمتع به ، يطير و يرفرف في سمائه و جوه !

كانت حياته في ألمانيا بحق ، بداية لحياة جديدة ! رغم أنه في بلاده لم يكن ذلك العاصي الذي يأتي الكبائر ، فجل حياته منذ طفولته حتى شبابه ، قضاها بين الكتب ، و بين التلفاز ، لم تكن تلك شهوة الخروج و الخلان و معاقرة الفتيات لتفرض نفسها عليه ، فلم يكن له وقت أصلا لذلك ، بل كان في أقصى أنواع التمرد في حياته يخرج إلى مقهى تطل على شاطئ البحر ، و يحتسي قهوته الممزوجة ببعض الحليب لوحده ، و مهقلمه و بعضا من ورق ، كانت حياته ، تشبه الروتين في حليته ، و لكنه كان بها مستمتعا ، إلا أنه لم يكن يهتم كثيرا لأمور دينه ، الإسلام ، هذا الدين ال ي فتح عينيه عليه ، و امتزج دمه و لحمه بكلمات آذانه ، كل شيء في بلاده ، يوحي بالإسلام حتى و إن كان الناس أبعد ما يكون عنه ، لم يكن ذلك الباحث في دينه ، كان يصلي لكنه لم يكن يصلي بقلب خاشع ، هي حركات كان يؤديها ، و كلمات يرددها ، لأجل أنها فرض ، و أنه مأمور بآدائها ! لم يتذوق طيلة حياته إلا مرات قلائل ، تلك اللذة الممزوجة بالتقديس ، التي يحسها المؤمنون في صلاتهم ، ذلك الخشوع الذي من شأنه أن يرقي المرء ، و هو ساجد ، تخرج روحه فيه ، هائمة في ملكوت الأرض و السماء ، تعبد و تقدس مالك الأكوان ملك الملوك ! لم يكن هذا همه أبدا في حياته حينما كان في بلاده ، و كان كل همه السعادة ، كان يكتب من أجل إسعاد عيون الآخرين ، ف السعادة ، كلمة شكرا يقرؤها في عيون قرائه ، السعادة بالنسبة إليه ، أن يطوع قلمه بين يديه ، و يخط ما شاء الله له أن يخط ، كانت السعادة بالنسبة إليه إسعاد البشر بكل طريقة ، أن يرى ابتسامات الآخرين تمتزج بابتساماته ، فتضفي على هذا العالم كثيرا من اللين ، كمرهم يكون بلسما شافيا لجراح قديمة ، استفاقت بعد خمول ! هكذا هي الدنيا ، لا معنى لها ، بدون عطاء ، بدون رفق بالآخرين ، بدون وشوشات قطة في أذنك جاءت تشكرك بعد أن أطعمتها بيديك ، بدون دعوات صادقة من قلب عجوز أنهكه علية القوم بنهش قوته ، بدون دمعة فرح ، تستجلبها يداك ، تمدهما ، لانتشال شخص قارب على حافة اليأس فتكون أنت سبب نجاته ، و عودته إلى جادة الدنيا ! و كان متأكدا أن كل من يملك حاسة الإبداع ، لا بد له أن يكون مثله ، مرهف الإحساس ، مستعد لمساعدة الآخرين كيفا كانوا ، و كيفما فكروا ، فجائت الطائرة التي أقلته إلى ألمانيا كحد فاصل بين حياة قديمة و بداية حياة جديدة ! و لم تكنن الحياة الجديدة ، بمختلفة عن القديمة إلا في بدايات اهتمامه بدينه ، و ما يجب عليه هو كمسلم أن يكون

في ألمانيا كانت بدايته مع أيام التوبة الأوائل ، في سعي حثيث للحصول على السعادة ، سعادة الروح ، فجأة و بسرعة رهيبة ، بدأ يغير من طباعه التي شب و ترعرع عليها ، و التي كانت تنافي تعاليم الإسلام الذي به يدين ، بدأ في دحر الوحل الذي يكاد يغرق وجه العالم ، و الذي كان فيه يعيش ، و يصحح مفاهيمه الخاطئة التي ورثها عن عائته الصغيرة ، و محيطه ، و مدرسيه ، و أصدقائه ، قرر فجأة أن يحول تاريخ حياته ، و أن ينقي جسده و روحه ، مستعينا بالله على نفسه و شيطنه و شبهاته أصبح أشد الحرص على عرض أعماله على ضوء الكتاب و السنة ، طالت لحيته بشكل ملفت ، و اصبح لا يرى إلا و هو يلبس الفضفاض من اللباس ، متطيبا ، مبتسما ، يشعر داخله باشياء غريبة عن هذا المجتمع و هذا الزمان ، كأنما توقف الزمان به في زمان معين سيأتي ذكره فيما بعد !

بعد أن كان لا يسمع شيئا خارج منزله ، اقتنى له قارئ أقراص ، و أصبح يتابع دروس محمد حسين يعقوب ، و الحقيقة ، أنه لم يكن يعرف الشيخ قط ، إلا أنه و في يوم كان في سيارة أحد أصدقائه ، و أسمعه شريط لماذا لا تصلي لمحمد حسين يعقوب ، فكان أن تعلق بهذا الشيخ بدون أن يعرفه ، و حيث أن كانت له علاقة بموقع طريق الإسلام، فقد اقتفى أثره ، وأثر دروسه ، و أثر فيه أيما تأثير أسلوبه الدعوي ، و طريقة تأثيره على من يسمعه ، فأصبحت دروسه أول ما يسمعه بعد الفراغ من سماع القرآن ! محمد حسين يعقوب أحس معه بالأمان ، أحسه كصديق حميم ، و كم مرة ناجاه في سره ، بما يجول في خاطره ، مسائلا إياه عن مسائل أعيته تفكيرا ، و كم تمنى من الله أن يقابله و لو قدرا لا مصادفة ، و إنه ليتذكر أنه سمع شريطا له تكلم فيه عن القبر و نعيمه ، و عذابه و العذاب الأكبر ، و مراحل يوم القيامه ، و أنه في ذلك اليوم كان يتمشى في شوارع المدينة ، و دموعه تنساب على خده ، و هو لا يبالي ، و يتابع الإستماع ، و الإستمتاع ... هذا الشيخ الذي أثر في حياته كثيرا ، كان يرسم له في مخيلته صورا مختلفة عن الصورة الحقيقية التي رآها فيما بعد ،و حينما يخرج ليلا كان ، يستلذ بالإستماع إليه كثيرا جدا ، حتى أنه يحس بروحه ترتقي شيئا فشيئا ، لتعانق هام السحاب !

كانت مدينته تحتوي على 8 مساجد ، أو على الأقل ذلك ما كان يعلمه ، يتوسط 6 منها شارعين رئيسييين فيها ، و كان الذهاب إلى المسجد متعة في حد ذاته ، فأن ترتدي جلبابا فضفاضا ، و تلبس شالا على رأسك ، و تتطيب ، ثم تركب بعد ذلك حافلة أو تركب الميترو ، كان ذلك افتخارا له ، و كم كان منظر ذلك النصراني مضحكا للغاية ، حينما صعد هو في إحدى المحطات ، و جلس أمامه ، فبدأ ذلك النصراني الغريب ، و في دهشة و استغراب جل الراكبين ، يصلب على صدره ، و يهمهم بأشياء غير مفهومة ، ليهرول عند المحطة التالية مهرولا خارج الميترو ، تاركا ساقيه للرياح ، هناك فهم أن هناك من الألمان من لا يزال يعيش في ظلمات العصور الوسطى ! و على العموم لم يكن يكترث لنظر الناس له و هو في تلك الملابس قائم ، كان يحس بالسعادة ، و هو يلبس جلبابه المغربي ، أو قميصه الفضفاض ، و يخرج إلى الشارع ، و كان يحس دائما بنظرات الألمان تنخر جسده ، و الحق أنه لم يعب ذلك عليهم ، فمدينة شهدت حياة مفجر البرج الجنوبي من برجي التجارة العالمي و رفاقه ، جدير بأهلها أن يرقبوا مرتدي هذه الملابس بالقلق و الشكوك ، و لكنه كان يؤمن أن من لم يضع يده في عش الأفاعي فلا يجب عليه أن يخشى عضها !

كانت اللحية بالنسبة غليه و هذه الملابس أيضا صماما للأمان ، فالفتيات في ألمانيا ، و أوروبا على العموم ، إذا أعجبن بشخص ما لا يتركنه في حاله حتى يوقعنه في حبائلهن ، حتى أن الواحدة منهن ، لتحاول المرة تلو الأخرى بدون ملل ، حتى لو اضطر بها الأمر أن تدق باب بيتك من أجل الظفر بك ، فلم تكن الفتيات يجرؤن على الحديث إليه إلا فيما ندر و إنه ليذكر في مرة أنه و في داخل الميترو ، كان جالسا مقابلا لفتات ألمانية ، فبادرته بالسؤال :

ـ هل أنت مسلم ؟

رفع بصره إليها ، و لمحها في نظرة خاطفة ثم أردف :

ـ لا بد أنك تدرين أنه لا يلبس مثل هذا اللباس إلا مسلم

ـ نعم صحيح ، و لكن لماذا لديك لحية طويلة نسبيا مثل هؤلاء الإرهابيين ؟

ـ و هل كل من حوى وجهه من الألمان شاربا مقصوصا من الجانبين ، يحق لي أن أصفه بما كان يصنع هتلر ؟

ـ نعم معك حق ، لكن …

ـ لا عليك ، أنا متعود على هذا ، و لك أصابعك ليست كلها متشابهة أيتها الشابة !

ابتسمت ابتسامة خفيفة ، ثم أعادت السؤال :

ـ ما اسمك ؟

ـ اسمي مهدي جيكوب ، جيكوب أسهل نطقا !

ـ نعم صحيح ، أنا ميريام ، تشرفت بمعرفتك ، و أدرس بالجامعة ، لا بد أنك تدرس أيضا !

ـ نعم أنا أدرس بالجامعة أيضا ، أنوي دراسة الصحافة هنا !

ـ شيء جميل ، هل يمكننا أن نلتقي مرة تانية ؟

ـ فلنتركها للقدر ، أعتذر منك ، علي الإستعداد الآن ، سوف أنزل المحطة القادمة !

ـ حسنا ، سأراك في الجامعة بالتأكيد ! و لو أني أحس أنك تتهرب مني !

ـ لماذا يتوجب علي ذلك ؟

ـ لا أعلم ، مجرد إحساس !

ـ فلتبقيه إحساسا فقط ، فأنا لا أنفر من النساء ، و لكني لا أحب أن أقع في الفاحشة بدون زواج !

بهرتها صراحته الصادمة فقالت :

ـ أوه ، فهمت الآن ، لا عليك !

كانت هذه الفتاة أول فتاة تجرأت على توجيه الكلام له ، بدون ان ينتبه لها هو أصلا ، الفتيات في بلدان أوروبا متحررات إلى أبعد حد ، يكرهن التحرش ، و لكن إذا راق الرجل إحداهن ، فعلت المستحيل من أجل الظفر به ، و لم يكن ليتعجب لو أنه سمع طرقاها على باب منزله ، إلا أن ذلك لم يكن ، فعلم أن كلامه أوقفها ، أو أنه لم يرقها اصلا ، و كان حديثها مجرد ضرب من التطفل ليس إلا !

في شارع من شوارع شمال المدينة اصطفت 4 مساجد متقاربة ، مسجد النور الباكستاني ، مسجد المغاربة المغربي ، مسجد الهدى العربي ، و مسجد الأتراك التركي ، و لا تفصل بينهم سوى أمتار قليلة ، الشيء الذي جعله يستغرب من هكذا شيء ، ليعلم فيما بعد أن المساجد تستحوذ عليها لوبيات معينة ، توجهها حسب رغباتها و تطلعاتها ، فمسجد المغاربة مثلا ، تسيطر عليه اغلبية من ريف المغرب الأقصى ، دخله ، و صلى فيه ، و لم يرق له البقاء فيه ، و استغفر الله العظيم في سره ، لأنه بيت من بيوت الله تعالى ، غير أنه لم يتحمل التصرفات التي كانوا يأتون بها ، و كانت العنصرية المقيتة تشم حتى داخل المسجد ، من طرف اناس المفترض فيهم أنهم خدم بيت من بيوت الله ، عنصرية بين عناصر و مواطني البلد الواحد ، فما بالك بمواطنين من جنسيات أخرى ، ترك ذلك المسجد متاسفا ، و عبثا حاول أعضاء من داخل المسجد التقرب إليه ، و معرفة تفاصيل حياته ، لكنه ، كان صموتا ، و لا يفيد المتطفل عليه بشيء يفيده ، خاصة أنه يعلم سلفا ، أن مخبري بلاده ، يملؤون بلدان أوروبا تحريا عن المغاربة ، و كان المسجد ملعبا كبيرا و مفيدا لهؤلاء ، يزرعون حواسيسهم فيه ، و يتحرون بكل راحة و حرية عن كل فرد من المغرب هناك ، و على العموم لم يكن ليتعجب لو أنه علم مثلا أنه مراقب من طرف المخابرات المغربية ، لأن الأمر عاد جدا ، بالنسبة لبلد يسهل تطويع أبنائه ممن لا حصن إيماني لهم للعمل في الشبكات و الجماعات المتطرفة ، فكان حينما يدخل المسجد المغربي ، يكون صموتا إلى أبعد حد من أجل أن لا يحتك بأفراده ، مخافة أن يكون أحدهم مشتغلا في سلك المخابرات العامة !

المسجد الباكستاني ، تسيطر عليه أغلبية باكستانية ، غير أنهم لم يكونوا بالعنصرية التي كان يتعامل بها المغاربة ، كانوا يبعثون لجماعات باكستانية ، للحضور إلى ألمانيا من أجل الدعوة ، فيما يسمونه الخروج ن و يتمثل هذا الخروج ، في خروج مجموعة من الأفراد يرأسهم شخص يأمرونه عليهم ، و يأتمرون باوامره ، و يخرجون ، مسافرين ، يجوبون مختلف البلدان ، و المدن الألمانية ، و الحق أنه لولا بحثه و اطلاعه عن مسألة الخروج هذه و البدع التي فيها ، لكان جرب هذا الشيء الفريد الغريب عليه و على حياته ، في ذلك المسجد الباكستاني ، كان حينما يدخل ، تنزل السكينة على قلبه ، و اختفى إحساس النفور الذي أحسه لدى المغاربة ، حينما كان يدخل ، كان يجد من الراحة ما لا يجده في اي مكان ! كان المكان على بساطته ، تحفه السكينة في كل زاوية من زواياه ، يتولى رعايته ألماني كان نصرانيا و أسلم ، ثم تسلم التكفل بهذا المسجد بأجر ، كان يقيم في بيت له مجاور ، و أسمى نفسه بعبد المالك ، و مسجد الباكستان هذا ، مسجد يحتوي على قاعة أرضية كبيرة ، تستعمل للصلاة في يوم الجمعة حينما يكثر الناس ، و كقاعة للأكل ، حينما يحتفل أحدهم بوليمة زواجه أو عقيقة أحد ابنائه ، أحس بينهم بكل الحب و الراحة ، كان أغلب من يؤمه من الباكستابيين المقيمين في المدينة ، غير أن نسبة لا بأس بها من الجالية العربية تأتي للصلاة فيه …

و كان الباكستانيون أهل ترجاب و كرم ، خاصة حينما يعثرون على حافظ لكتاب الله مسلم عربي ، يلتفون حوله ، و يطلبون منه أن يؤمهم ، و إنك لتسمع بكاءهم ، و تأثرهم الشديد بما يسمعون ، و كانت تلك أول مرة يقابل فيها اشخاصا من بلد ، كان يسمع بها فقط في التلفاز و الإعلام ، و الحقيقة ، أن من رأى ليس كمن سمع ، و التعميم الذي يحاول الإعلام المفبرك فرضه على عقولنا ن يؤدي بنا في الأخير إلى حقد أعمى على الآخر ، خاصة إذا كان ن المسلمين ! الباكستانيون ، كباقي الشعوب الأخرى فيهم الصالح و الطالح ، فيهم المتطرف و الوسطي ، و شهادة الحق التي يشهدها إلى الآن أن جل من قابلهم هناك كانوا على أخلاق عالية جدا و إيثار قلما رآه في بلاده ، أخلاق تقارب أخلاق السلف بكثير !

في المسجد العربي ، كان الأمر اقل وطأة ، و قابل هناك الكثير من الاشخاص من مختلف البلدان العربية ، من سورية ، و لبنان ، و مصر و المغرب ، الكثير الكثير ، حتى أنه قابل مصريا زوج ابنته من مغربي ، و حضر هو وليمته التي أقيمت هناك في المسجد !، أجواء جميلة قضاها بين أولائك الناس في المسجد ، و إنه كان يبتسم فقط ، و لا يتكلم إلا إذا طلب منه أحد أن يتكلم ، و كان في الكثير من الأحيان ، يشتغل بقم البيت ، عسى أن يحضى بجزء من أجل تلك التي كانت تقم المسجد النبوي ، و كان حين يفرغ من الكنس ، و التنقية ، يشعل بخورا من بخور المملكة ، و يطيب جنبات و أركان المسجد ، و هو يذكر الله ، و يساله الرحمة و المغفرة عما منه في الماضي بدر

أما المسجد التركي فقد كان عالما قائما بذاته سيتكلم عنه في حلقة خاصة !

لم يكن تلك الرغبة تسيطر عليه من قبل ، غير أنه تمنى أن يؤذن للصلاة ، و سيطرت عليه تلك الرغبة بشدة ، خاصة حينما سمع في حديث للنبي صلى الله عليه و سلم أن المؤذنين يأتون يوم القيامة أطول أعناقا ، و أن أي مخلوق يسمع نداء المؤذن يشهد له لدى الله تعالى ، و لم يقدر على مصارحة مسؤولي المسجد برغبته ، استحياء منه ، و كان كلما رغب في ذلك انتابته قشعريرة تسري حتى يستشعرها قلبه ، و كان كلما خرج من منزله يقصد المسجد ، يدعو الله أن لا يأتي المؤذن ، حتى يتسنى له أن يؤذن للصلاة ، و بقي على تلك الحال لمدة ، إلى أن أتى اليوم الذي أتى عنده مسؤول في مسجد الهدى ، و طلب منه بكل رفق أن يؤذن لصلاة المغرب و كان المسجد نصف ممتلئ ، و كان الناس الذين تهافتوا على الأذان في ذلك اليوم الذي قدر للمؤذن الأصلى أن يتغيب كثرا ، فلم يترك الفرصة لتردده أن يتحكم فيه ، فوافق على الفور ، و لم يؤثر فيه استعطاف أعين الذين كانوا يريدون الآذان ، فهو لا يؤثر أحدا بالأجر و إن كان أقرب الأقربين إليه !

تقدم إلى المايكروفون ، و قربه من فيه ، و أغمض عينيه ...

فلاش باك :

طلب منه أن يتقدم في برنامج لاكتشاف المواهب في الغناء ، و لم يرد و هو في التاسعة عشر من عمره ، أن يبقي الكنز الذي وهبه الله تعالى قيد الستر و التستر ، فذهب في عز جهله بدينه ، و تقدم لبرنامج مشهور لاكتشاف مواهب الغناء ، و الذي اجتاز دوراته الأولى بنجاح ، و تأهل للغناء في نهائياته ، غير أن شيئا ما كان يؤرقه ، و يحس ، كلما أخد المايكرو للغناء ، بحرقة تعصر قلبه و حلقه ، رغم إعجاب الناس به و مستواه ، و هو الشيء الذي عجل بخروجه من ذلك الميدان بسرعة كما دخله بسرعة ، فلم يتجرع أو يستسغ ذلك بالفطرة ، رغم عدم معرفته بحرمانيته آنذاك ، كمن يأتي شيئا مقيتا ، و هو لا يعلم ، فيحس بمقته رغم جهله ، و الحقيقة ، أنه و في فترة العام التي دخل فيها أغوار ذلك الميدان ، استطاع أن يكتشف فيه الكثير من الخبايا و الأسرار ، و هو الذي سيساعده فيما بعد في كتابة تقريره الأول ، مدخل إلى مداخل النهاية ، فمن هناك كانت البداية ، و صراحة ، ميدان الغناء ميدان كله فضائح ، و هذه الاشياء ، عاشها هو تجربة ، و عاش الوحل الذي كان يقوم به المشاهير في هذا المجال ، متفرجا ، و لولا أن يخاف هتك ستر الله عليه لفضح الكثير و الكثير ، و لكنه يعمل بوصية الستر على المسلم و لو كان عاصيا !

مجال الغناء ، مجال مائع ، و إنه لما عرف حرمانيتها تأكد له ما كان منه يخاف ، و حمد الله على أنه أخرجه منه قبل فوات الأوان ، فالكثير من المغنين اليوم لا لا يستطيعون التوقف عن الغناء ، ليس لأنهم يحبونه ، و لكنه حب الشهرة و الأضواء و الإدمان على الإطراء الذي يودي بصاحبه إلى شرفات الهلاك !

و إنه ليتذكر أنه حينما كان صغيرا ن و بلغ سن التمدرس ، ذهبت به والدته حفظها الله تعالى إلى المدرسة في أول يوم له فيها ، و كان عمره آنذاك 5 سنوات ، و تركته هناك ، و ذهبت ، و عند انتهاء الحصص ، جاءت لتأخذه ، و كلها خوف ، من أنه أمضى الوقت كله في البكاء ، لأنها كانت أول مرة يزور فيها هذا المكان المسمى مدرسة ، دخلت ، فرأت دائرة من التلاميذ ، و جميع الأساتذة و في الوسط وقف الطفل الصغير ، يغني ، و الناس من حوله يصفقون ، و يتعجبون

و إنه ليذكر أنه كان لا يسكت من غناء كل ما يسمعه في البيت ، حتى كان يطلب منه السكوت رغم حلاوة صوته !

قرب المايكروفون من فيه ، و قبله كان يسائل نفسه و هو يخطو نحوه ، كيف لمن كاد أن يحترف الغناء أن يؤذن لصلاة الله في الأرض ، كيف لمن سخر صوته في فتنة الناس أن يؤذن للصلاة من أجل جلب الناس إلى المساجد سبحان الله الذي بنعمه تتم الصالحات !

الله أكبر ، الله أكبر

أحس ما يشبه القشعريرة و البرودة تسري من أخمص قدميه إلى رأسه فدماغه ، و ظهر ذلط جليا على صوته ، فألبست جملة الاذان الأولى رعشة جلية ، ممزوجة بحلاوة الصوت

اللـــــــــــــــــــه اكبر الله أكبر

أشهد أن لا إله إله الله

أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمدا رسول الله

أشهد أن محمدا رسول الله

حي على الصلاة

حي على الصلاة

حي على الفلاح

حي على الفلاح

الله أكبر الله أكبر

لا إله إلا الله

بعد نهايته من الأذان ، ارخى إسداله حتى كاد يخفي وجهه ، حياء و خجلا ، فقد كانت تلك أول مرة يؤذن فيها ، و قد ساد المسجد صمت رهيب ، أخذ مجلسه ، و قام للإقامة ، و أديت الصلاة و خرج ، و في الصلاة الموالية ، طلب منه رسميا أن يصبح مؤذن المسجد ، غير أنه أخبر مسؤوليه أنه ربما لن يقدر على القدوم دائما ، فأخبروه ، أنه حينما يكون متواجدا فالأذان لن يكون إلا من نصيبه !

أخيرا تحقق له مناه ، أخيرا ، أصبح مؤذنا ، و أخيرا ، يجب عليه إخلاص النية ، و استخدام مواهبه في خدمة دين الله ، فقد من الله تعالى عليه بالكثير ، فالأحرف ، و الرسم ، و الصوت ، أشياء امتاز بها عن باقي افراد عائلته الكبيرة ، غير أنه لم يتعالى يوما على أحد ، و لم يخطر في باله إلى الآن أن يظهر أو يشرك أحدا بصوته ، حتى في منتداه الذي أحبه ، و أعطاه جل وقته ، و إنه ليخاف على نفسه الفتنة ، أن يظهر صوته ، فيفتن في دينه و الله المستعان !

و الشيء الذي لا يفهمه في البلدان التي تدين أغلبيتها بدين الإسلام هو لماذا توكل مهمة الأذان في المساجد لأناس ذو أصوات عادية ، ألم يوكل الرسول صلى الله عليه و سلم مهمة الأذان في المدينة لبلال ن لحلاوة صوته ؟

معن ، إن للصوت لتأثرا على القلوب ، فليس أذان عجوز ، كأذان صوت شاب شجي ، لماذا لا تكون لجان على مستوى المساجد ، تبحث و تنقب عن الأصوات الجميلة ، و تسخرها في الآذان من أجل جلب الناس إلى المساجد ، كما يفعل ذلك أهل الفجور في الإتجاه المعاكس ، اتجاه الغناء المحرم !

لماذا نترك المواهب ضائعة ، و نتركها فريسة سهلة لأل المجون و الفساد الأخلاقي ، يجوبون بها أسواق الفتن و الإختلاط !

نحن في حاجة فعلا إلى توضيف كل طاقات الشباب في خدمة هذا الدين ...

كبرت لحيته ، و أصبحت ملحوظة بشكل كاف ، و أخبر أباه و أمه بذلك ، فكانت هذه الأخيرة معارضة شيئا ما ، فيما طلب منه أباه أن يحلقها فأجابه

مرني بأي شيء يا والدي في طاعة الله أطعك فيه إلا أن أحلق لحيتي

فأجابه

بارك الله فيك ، و أعانك

و استطاع أن يقنع اسرته الصغيرة بتحوله الجديد ، و عاش في سعادة قلبية ، قبل أن تتراكم عليه الذنوب ، فينطبق عليه قول القائل

فيا ذلي ، إذا ما قال لي ربي ، أما استحييت تعصيني ، و ما تخشى من العتب !

وا خزياه ، و إن رضيت يا رب

وو الله لدقيقة من ايام التوبة الأوائل خير عنده الآن من الدنيا و ما فيها !



   نشر في 28 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا