فنجاني قهوة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فنجاني قهوة

خواطر صديقين باءسين

  نشر في 17 فبراير 2017 .

كان ينتظرها في المقهي ذاته يتساءل كيف ستربكه اليوم بما يحويه عقلها من أفكار . لم يعرف قط تفسيرا لتلك العلاقة بينهما كانا كصديقين حميمين و لكن لا يضيرهما طول الغياب أحيانا و ربما وصلا في أحاديثهما إلي حدود العشق دون أن يدريا بل يخيل إليه أحيانا أنهما حبيبين بالفعل لكن حادا عن كل مراسم الحب المعهودة. كل ما كان يعرفه أنها سبب دائم في ابتسامته و أحيانا أخري في حيرته.

أتت متأخرة كعادتها و استقبلها بابتسامته الدائمة .

طلبا فنجاني قهوة كعادتهما و كأن الله تعالى لم يخلق حديثا في هذه الدنيا إلا ليبدؤه أو ينهيه فنجان القهوة .....لم تمهله كثيرا و بدأت في إرباكه كعادتها

قالت: أتعرف ما هو أكبر معذب للبشر ؟!

قال: ما هو

إنها تلك الأنفس التي أودعها إياهم و التي قد تضنيهم كما لا يفعل أي شيء آخر و المؤلم أن ليس لهم عنها انفصام و ليس لهم منها بد إنها رغم كل شيء علةوجودهم إنها مستقر روحهم فماذا يفعلون ....

ابتسم قائلا : أخبريني إذا كيف تعذبك هذه النفس التي احترت في أمرها؟

تنهدت قائلة : تعذبني حقا ...أجد نفسي أرغب في الشيء و أزهده في آن واحد ...أسعي لمرادي و أقدامي تسير في الاتجاه المعاكس . دائما ما تقف أهواءي في مفترق طرق و أجد نفسي ممزقة بين التمسك و التخلي . قد أصرخ في حدة و أنا أطلب الهدوء! و قد أعشق بجنون لا يكبحه جماح بينما أعيش كراهبة في صومعة . أراها منافية للطبيعة تلك النفس....ترهقني حقا أشعر بأنني أتنقل و بداخلي كون بأكمله بكل تناقضاته ...بكل شعوبه و أوطانه كأن الفصول الأربعة قد اجتمعوا بداخلي و في آن واحد فالربيع و الخريف قد أعلنا حربا علي أضلعي و ما أحس وجودا لأمطار الشتاء حتي يحرقني لهيب الشمس في صدري.سئمت كل ذلك التناقض المؤلم

استطردت قائلة :ليتني كنت كتلك الطبيعة التي خلقها الله بتوازن دقيق .... أتعلم لم لا يسمح الله تعالي بوجود الشيء و نقيضه في آن واحد ؟!

قال :لم؟!

قالت: حتي لا نصاب بالجنون !! حتي يظل بداخلنا شيء من الإيمان . لنجد سببا يجعلنا نصدق في الوجود و نؤمن بأننا أحياء. حتي لا يلتبس بداخلنا كل ما أمناه يوما علي أنه "يقين" . لا يمكن للشمس و القمر أن يقتسما السماء و لا لليل و النهار أن يختلطا .حتي لدينا نحن البشر ...فالقبور أسوار بين الوجود و العدم و الوقت سيف بين الحب و الكراهية . لو تسللت التناقضات لحياتنا لأرتبنا في أمرها لظننا النجوم عيونا تترصدنا و لأصبح إبليس ملاكا بأجنحة. و لما تأكدنا من شيء حتي لو رأيناه بأم عيننا. ...

قال : لو كانت أنفسنا بهذا الوضوح و تلك البساطة التي يبدو فيها كل شيء آخر لم نكن لنحتج لحروف و كلمات.. إن هذه المعاناة هي سر وجودنا في الحياة وإلا ما كان للبشر بصمات . فلم الشعر إذن و لم الروايات بل لم الصلوات و الابتهالات؟ ! علينا أن نكون ممتنين لكل تلك الأسئلة التي ترهق أذهاننا و تذيقنا من صنوف العذاب ما تهوي فلولاها لما كان لعقولنا قيمة و لولا ما كان لقلوبنا طريق تلتمس فيه الحب و ما رأينا دليلا واحدا علي إنسانيتنا ...

ثم ابتسم في خبث و أضاف: و لولاها ما احتجنا لهذه القهوة تشاركنا همومنا و تستمع لشكوانا المملة

ضحكا و أكملا حديثهما اللامنتهي في محاولة جديدة منهما لفهم هذا العالم بغرابته و الأهم فهم ما أودعا من نفسين ليس لهما شغل سوي إرهاق صاحبيهما الباءسين....


  • 6

   نشر في 17 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا