أقصوصة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أقصوصة

قوة لا.

  نشر في 29 يناير 2019 .

وقف امامي فجأة، منتصب القامة، سائلا اياي بكل ثقة:

-عندك درهم؟

اجبته مترددا ومستغربا، وانا جالس على مكتبي:

-نعم

قال بثقة وكأني مدين له بكنوز الدنيا:

-اعطيني إياه.

اختلط على الامر، هو يأمرني، ام يسألني؟ وقفت مرتبكا من طريقته الغريبة في طلب الدرهم. وكأني انا السائل وهو المسؤول.

فتشت في جيبي عن درهم يتيم، أضحى به لكي اتخلص من هذا الموقف المحرج، فلو انا رفضت إعطائه. فانا إذا بخيل، لئيم...

أخد الدرهم، وانصرف دون شكر، او بالأحرى دون اسمع شكره، لانشغالي بالحوار مع نفسي:

- ضاع الدرهم.

- في سبيل الله

- لقد ولى الدرهم دون رجعة...وانت تقول في سبيل الله.

- الله سيخلفه .... المهم نيتي انه في سبيل الله

- هههه غبي، غر. كن على يقين انها ستصبح درهمين.

قاطعت حوارها، فواصلت عملي، محاولا نسيان الدرهم، وانا أقول لها إذا لم يعده لي فقد احتسبته صدقة في سبيل الله.

*****

بعد اكتمال عدد الركاب، بدأ السائق باستخلاص أجرته، مددت له ورقة من فئة المائة درهم متأسفا له من عدم امتلاكي "لفكة"، لم يعر تأسفي اهتماما، بدأ في ارجاع الباقي من النقود بعد اقتطاع أجرته، بقيت انا وغلام يلبس سروالا ممزق الركبتين، ذو حلاقة غريبة مقرفة، تظهر على دراعيه وعلى رقبته اوشام ...- كأنه الشيطان- قال له السائق:

كم اعطيتني؟

- عشرون درهما.

- هكذا إذا... الحساب الان مضبوط...اجرتي يا بابا 22 درهما.

- ليس عندي سواها

- اممم...سفرك معنا في يد صاحب ال 100 درهم.

فاجأني السائق، بل انه صدمني بتلميحه الخبيث، فارتبكت واحرجت. عذت بنفسي وعدت اليها:

- ما هذا اليوم!!!!! هل انا خيرية حسنية؟

- ألم أقل لك .... إن وجهك البريء ومظهرك المسالم يجرأهم عليك.

- ماذا افعل لأردعهم؟

- قوة لا السحرية.

- ماذا؟

- قل لا .... ترتاح.

- وماذا سيقولون عني؟

- فليقولوا ما يشاؤون ... الصواب ما يريحك.

اخرجتني من غيبوبتي النفسية، يد السائق الممدودة نحوي:

- سيدي تفضل الباقي.

- سيدك!!!! سيدي وسيدك رسول الله.

- صدقت.

- اين الباقي؟ هناك درهمين ناقصتين.

لم يجبني السائق الخب، وتجاهل سؤالي، عند إذ سألته زاهقا.

- اين الباقي؟ هناك درهمين ناقصتين.

- حسنا، حسنا ...انها فقط درهمين.

- إذا هاتها ...وتفاهم مع صاحب ال 20 درهم بعيدا عني وعن نقودي.

- انا فقط اردت ان ابسط الأمور وأسرعها.

- وما دخلي انا؟ لقد حاولت إستغفالي يا هذا. لست بالخب ولا الخب يخدعني.

- ماذا تقول؟ ماذا تقصد؟

- لو أنك طلبت مني مباشرة، ودون تحايل ومكر، لكان الامر بسيط.

- اسمح لي ...خد دراهمك.

- لا اربح بها .... هي في سبيل الله لا في سبيل الشيطان أبو ركبتين بارزتين.

ضحك السائق الصدأة اسنانه، شاكرا اياي، أخيرا احسست بحلاوة النصر بعدما ان بهته و كشفت مكره، و الطعم الرائق للا ، و قوتها و عزتها .كان إحساسا لم شتات نفسي ،و اشبعها . وجعل مدة السفر تقصر. انها نسبية انشتاين.

******

توجهت نحو محطة الترام لاستقله، فهو ارحم وسائل النقل داخل المدينة واجودها حاليا، بحثت عن مخدع التذاكر، فوجدته مغلقا، ولاح امامي جهاز التذاكر الرقمي، قصدته فلم يقبل مني النقود الورقية، لعنته ولعنت هذا اليوم. فجأة سمعت صوتا يخاطبني برقة.

- هل بإمكانك يا سيدي أن تحجز لي معك تذكرة.

- انا اسف، لم يقبل مني هاته ال 20 درهم.

- حسنا ...كم ثمن التذكرة الواحدة؟ وكم عندك من النقود المعدنية؟

- ثمنها 6 دراهم وعندي 3 درهم.

- إذا خد ها هي ذي 9 دراهم وأضف اليها 3 دراهم واحجز لكلينا تذكرتين.

- حسنا.

- تفضلي تذكرتك، واسمحي لي بالذهاب كي ابحث عن فكة، فانا مدين لك ب 3 دراهم.

- لا والله هي في سبيل الله.

صعقني جوابها وأحرجني قسمها، فطأطأت رأسي شاكرا إياها.

- ارفع رأسك ولا تخجل ...انت من المأكد كنت ستتصرف مثلي لو كنت مكاني.

- نعم ...وبالفعل لقد حدث معي...

قاطع كلامي صوت منبه الترام القادم. فودعتني متبسمتا، حسبتها ملاكا مرسلا، ظللت اتفكر طويلا فيها، وفي قصتي مع الدرهم والدرهمين والثلاث ما هذه المصادفة العددية العجيبة!!؟ سبحان الواحد الرزاق الهادي. غصت في بحر الخواطر والتأمل فحرت في سر القوة التي تمنحه لا لصاحبها، فرغم ثقلها على اللسان القويم وعدم استساغة طعمها المر، الا انها دواء يقي من كل داء، وسيف بتار يقضي على التردد والخجل والغفلة. لا إله الا الله القائل في محكم التنزيل: ) وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ(....



   نشر في 29 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا