الرصاصة الثانية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرصاصة الثانية

أن الرصاص لا يقتل .. لكنه حجة القاتل، فالرصاص صامت، لكنه يتكلم في أحشاء المصابين، يصرخ في وجه من استغل ضعفه وسكوته فجنده ليكون كذلك! ليكون قاتلاً قذراً قبيحاً ..!

  نشر في 26 أكتوبر 2018 .

يقولون بأن الرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها .. 

لكن ماذا عن تلك الرصاصة التي لن تقتلك لكنها ستقتل أقرب وأحب شخص إليك في هذه الحياة؟! كيف سيكون صوتها، وبأي لونٍ يا ترى ستكون، كم هي مؤلمة ؟؟ .. إنها مؤلمة جداً فهي تقتل شخصاً واحداً لكنها تبقي على الآخر حياً يتمنى الموت ولا يجده!

لماذا الحرب؟! ولماذا أخي .. لماذا يا تموز، لماذا كنت قاسياً إلى هذه الدرجة؟! لماذا يا من أطلقت الرصاص لم تطلق رصاصتين؟!

كان أخي الذي يصغرني بثلاثة أعوام يقف بجانبي على الشرفة نراقب النجوم، فجأة احتد القتال في الشارع، كانت لحـظة غير مدركة، قطعت صمت الليل وسكونه، لم يكن لها نهاية ولم أكن واعياً كيف انتهت .. فجأة علا صوت الرصاص وبدأ ينزل علينا كزخ المطر، رأيت جثة أخي المغطاة بالدماء وهي تنهار أمامي على الأرض، وبعدها توقف كل شيء .. 

صراخ ونحيب، "أبو حمد" الذي ربانا يدفعني وهو يصيح على أخي كي يستيقظ، عويل "أم حمد" وصراخ أولادهم، ودوي الرصاص الذي ابتعد صوته عنا ..

حملت جثة أخي على كتفي والدمع تجمد في عيني، دخلت بها إلى فناء المنزل، وضعته برفق على الأرض .. رحت أتأمل ملامحه النائمة، لطالما اتهمته بإدمان النوم، وكان يقول لي بأنه في الأحلام هناك أشياء رائعة .. اليوم يمكنك أن تنام ولن أزعجك، لن يوقظك صراخ "أم حمد" على أولادها، ولا صوت مشاجرتها هي و"أبو حمد" أو الأولاد، لن يوقظك صياحي بعد هذا، لن توقظك أصوات المدفعيات .. بالنسبة لك انتهت الحرب، لكن بالنسبة لي الحرب باتت أبدية!

خرجت إلى الساحة ودم أخي مايزال على ثيابي، وبدأت أصيح بصوت مرتفع :" أين هي الرصاصة الثانية يا الله ؟ .. أين هي الرصاصة الثانية يا الله ..".. أصيح وأصيح حتى انفجرت عيوني رغماً عني باكيةً. سجدت داعياً الله أن يعود القتال، أن يعود القتلة فيقتلوني في تلك اللحظة، لأنني لم أكن قادراً بعدها على أن أتخيل الحياة دون أخي. لم أكن قادراً على تخيل فكرة أن أخي مات.. أن شقيقي تحول إلى ذكريات.. أنني لن أراه مجدداً، لن أسمع صوته، لن أحدثه، لن أضمه، أنه لن يكون موجوداً وحسب !!

يمسكني "أبو حمد" من ذراعي، الشر يتطاير من عيوني، يزيد من ضغط يده على ذراعي، ثم يقول لي بصوت حازم :" لا تكن مثلهم يا بني .. أنت لستَ  مثلهم .. أنا ربيتك يا محمد مذ كنت طفلاً، وأنا لم أربي مجرماً ..!".

نظراته إلي لم تسعفني أن أقول له بأنني لم أصبح مجرماً، لكن الوحش الذي ربته فينا الحرب كبر، وأصبح شاباً يريد أن يتغذى .. وأن غذاؤه الوحيد هو الانتقام، هو السلاح، هو القتل .. 

خرجت إلى ساحة القتال، لم يكن هناك ما أخسره بعد، كنت أبحث عن الرصاصة الثانية وليس عن الانتقام، كنت ابحث عن أحدٍ يهديني موتي ويرسل روحي بسلام إلى حيث انتقل شقيقي. أخي الذي كان كل عائلتي بعد أن انفصل والداي وراح كل منهما في طريق وبلد. 

يحاول كلاهما بعد كل تلك الأعوام أن يواسيني، يتوسلونني أن أسافر إليهم، لكن كان الأوان قد فات، فما كان يعنني حقاً في تلك الحياة هو أخي .. وأخي رحل!

تشرين الأول، الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، ظلام دامس وزخات من المطر، بدأت المعركة بيننا، أمرني قائد الفصيل أن أبقى بعيداً لأنني ما أزال مبتدئاً ولا أجيد استخدام السلاح بشكل فعال .. لم أدرِ كم مر من الوقت، حتى هدأ القتال، خرجنا نتفقد الجرحى والجثث على ضوء النار وبعض المصابيح اليدوية .. 

لم أسمع صوتها .. لكنني سمعت صوت أخي وهو يناديني "محمد تعال ..". لم أشعر بألم ها لكنني شعرت بيد أخي وهي تلتقط يدي وأنا أهوي، سمعته يقول لي "اشتقتلك أخي" .. ثم صدى ..... 

كانت الرصاصة الثانية التي دخلت أحشائي، والظلام الذي كان يمتد شيئاً فشيء، شعرت بالبلل، كان جسدي مغطىً بالدماء .. كانت الرصاصة الثانية لكنها لم تكن نهايتي، بل كانت بدايتي الحقيقية .. البداية التي أدركت فيها أن أخي أصبح ماضياً، أن الإنسان خلق ليتعايش مع الألم ومع الذكريات، أن الحرب قذرة وقبيحة .. أن الموت ليس نهاية .. بل هو بداية .. وأنني لم أكن يوماً مجرماً، لكن المجرمون كثر .. والمجرم ليس من يقتل، بل هو كل من يساهم في الحرب .. ويعمل على ألا تنتهي، هو من يتاجر بالسلاح، هو من يطلق النار، هو من يشرد الناس، ويخطف الأرواح .. 

أن الرصاص لا يقتل .. لكنه حجة القاتل، فالرصاص صامت، لكنه يتكلم في أحشاء المصابين، يصرخ في وجه من استغل ضعفه وسكوته فجنده ليكون كذلك! ليكون قاتلاً قذراً قبيحاً ..!



  • 4

   نشر في 26 أكتوبر 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 3 أسبوع
بسم الله الرحمن الرحيم الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون صدق الله ، بسم الله الرحمن الرحيم : كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور صدق الله الله يصبركم ، ربما عليك قراءة مقالتي القاتل لمعرفة الصراع .
0
Rim atassi
- صدق الله العظيم-
سوف اقرؤها بكل تأكيد..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا