(خرجتُ كاسياً فرجعتُ عارياً) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

(خرجتُ كاسياً فرجعتُ عارياً)

  نشر في 04 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

                                             ( خرجتُ كاسياً فرجعتُ عارياً )

في صيف 2012  بضواحي مدينة أكادير ..

و على حدّ تعبير المغنّي المصري الشهير (عدويّة) :" زحمة يا دنيا زحمة .. زحمة ولا فيها رحمة "

ارتأيتُ أن أبتعد قليلاً عن شاطئ المدينة.. حيث ومن المعتاد كلّ يوم سبت من أيّام حلول الصيف..

يعلو ضجيج غريب وهرج مريب في هذا الشاطئ بعدما تحجّه الآلاف قصد السباحة والاستجمام ..

واستجابة ًلعزلتي المستعصية والتي لمْ أجد معها دواء .. امتطيتُ سيارتي للبحث عن شاطئ هادئ

في أرض الله الواسعة.. حيث وفي غضون أربعين دقيقة استطعتُ أن أقتنص مكاناً ساحراً مطلاّ

على البحر.. يجمع بين تلك الظلال الوارفة للشجر وخشونة الصخور المتصلبة .. و سلاسة تلك الرمال

الذهبيّة .. ممّا جعلني أركن سيارتي على عجل بين شجرتين .. مترجّلاً على الفور نحو هدير البحر حيث

كانت المسافة لا تتعدّى خمسمائة متر..وبينما أنا أغرس الساق الحديدي للمظلّة الشمسيّة في الرمل كنتُ

أحدّق مرّة عن اليمين ومرّة عن اليسار فلم أجدْ منْ مؤنسٍ سوى طيور النورس التي كانتْ أصواتها تتداخل

مع أصوات الموج المتلاطم مع بعض الصخور ذات الثقوب المسنّنة .. لحظات قليلة وأنا أجلس تحت

مظلتي .. أخذني على حين بغثة منظر ذلك الأفق الربّاني الفاتن .. وهو يلامس بزرقته الفاتحة زرقة البحر

الدّاكنة .. بينما كانتْ أشعّة الشمس تحاول معانقتهما على استحياء وهي لم تتعدّى بعد كبد السماء..

وأنا بين هذا التّأمل في ملكوت الله و ذاك التدبّر في بديع صنعه.. كنتُ أشعر و كأنّي سيّدٌ لهذا المكان

بدون منازع .. حيث كنت أتصرّف فيه ، تصرّفَ المالك في أملاكه.. إذْ و بتلقائيّة غير مألوفة ..

وجدتُ نفسي أتمرّغ في الرمل يمنة ً ويسرة ً.. فربّما هو سلوكٌ إراديّ للخروج من طوق الرتابة البغيض ..

أو ربّما هو سلوكٌ لا إرادي يريد محاكاة بعضاً من سلوكيّات طفولتنا البريئة المُختزَلة في خانة اللاشعور ..

وبين هذا وذاك كانتْ هذه الحالة من التلقائيّة تأخذني إلى نوعٍ متوازنٍ من التفاعل الفكري و الذّاتي

مع واقعٍ ثلاثيِّ الأبعاد :

- البعد الأول .. سماءٌ فوق رأسي لها سلطان الرقابة والتدبير

- البعد الثاني .. أرضٌ تحت قدمي لها عنوان النشأة والمصير

-البعد الثالث .. بحرٌ أمام عيني يحمل أسراراً عجيبة في مدِّه وأسراراً غريبة في جزره .. وبين هذا وذاك

يحمل عنفوان العطاء والتسخير .

الآن وقت الظهيرة .. بدأتِ الحرارة تغْريني لدخول البحر ومعانقة العباب .. وبالفعل وبعد القيام ببعض

التمارين الرياضيّة .. بدأتُ بمحاولة القفز على أولى الأمواج الآتية أمامي.. لأجد نفسي بعد الاستئناس

ببرودة الماء أغوص مرّة ثمّ أطفو مرّة أخرى ..وكم كانت نشْوتي عارمة وأنا أستلقي بظهري كلوحة

خشبيّة وناظري نحو السماء.. ليأتي موج على حين غفلة ويقلبني رأساً على عقب .. ثم ّأعيد الكرّة

مرات عديدة..نعم ربما ربع ساعة تقريباً من السباحة كانت كافية للشوط الأول .. لأخرج منهوك الكتفين ..

متثاقل القدمين .. وما إن وصلتُ إلى مكان المظلة الشمسيّة حتّى فاجأني أمر خطير ..

نعم لم أجد حقيبتي الريّاضية حيث بداخلها ملابسي ومفاتيحي وهاتفي النّقال .. وكمْ كانت مفاجأتي

أكبرْ وأمرّ ..عندما وجدتُ سيّارتي هي الأخرى قد تبخّرتْ ..نعم تبخّرتْ ..

بدأتِ الوساوس تنتابني والغضب يتملّكني .. لقد أخذوا مني كلّ شيء ولم يتركوا إلاّ المظلة الشمسيّة

التي حملتها على كتفي وخرجتُ كالمجذوب إلى الطريق حافي القدمين .. عاري البدن إلاّ من مئزر

حمدتُ الله عليه كثيراً.. نعم و لم أدخل إلى بيتي ..إلا بعد مرور عدة ساعات توزّعتْ بين مخفر

الدرك الملكي حيث سجّلتُ شكاية بالسرقة ضدّ مجهول.. وبين البحث عن أحد المختصّين في صناعة

المفاتيح كي أتمكّن من الدخول إلى شقّتي ..وبالفعل وأنا تحت رشاش الماء أزيل آثار الملح العالق ببدني ..

انتابني حدسٌ مثير وهو يقارع نفسي قائلاً لها :

- اخرسي أيّتها النّفس الأمّارة بالسوء .. تضيع منكِ سيّارة فتنقلبي على عقبيكِ !..

أين الصبر على الابتلاء .. ماذا ضاع منكِ؟ عرَضُ الدّنيا.. واليَكُنْ ..

أتتجاهلين المئات وقد اقتلعتْ أظافرهم تعذيباً وتنكيلاً وما زادهم ذلك إلا إيماناً واحتساباً..

والآلاف ممّن شرّدتهم السيول والزّلازل بعد أن خسروا الأهل والأحباب ..

والملايين ممّن لا يجدون لقمة العيش تقيهم لسعة الجوع المهلك ..

اخرسي أيّتها النفس الأمّارة بالسوء .. فما تعرّضتِ إليه اليوم ما هو إلاّ ابتلاء في أدنى سُلّم الترتيب .

نعم شعرتُ أن حدسي انتصر على نفسي .. ممّا جعلني أخجل من كياني .. وهذا ما دفعني للوضوء

استعدادا لما فاتني اليوم من صلوات بعدما خرجتُ من بيتي كاسيا فرجعتُ إليه عاريا والحمد لله على كلّ حال .


في صيف 2012 بضواحي أكادير ..بقلم : تاجموعتي نورالدين .



  • تاج .. نورالدين .
    محام سابق- دراسات في الفلسفة والأدب - متفرغ الآن في التأليف والكتابة .- محنك في التحليل النفسي- متمرس في التحليل السياسي- عصامي حتى النخاع- من مؤلفاته :( ترى من هذا الحكيم ؟ )- ( من وحي القوافي ) في ستة أبواب وهو تحت الطبع .- ( علم ...
   نشر في 04 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا