توت أم طلعت - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

توت أم طلعت

  نشر في 20 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 09 فبراير 2018 .

في نهاية حارة التمبكشية وبداية شارع الجمالية، تستند أم طلعت بملابسها الريفية على الحائط العتيق لمسجد جمال الدين الإستادار، مُلقى أمامها مِشنة من الخوص يتغير ما تحتويه بتغير الفصول، في الشتاء تمتلئ بالفراولة وفي الصيف يحل محلها ثمار التوت.

وأم طلعت من النساء اللاتي لا نعرف لها أصل ولا بلد، فهي تظهر في الصباح الباكر وتختفي مع المغيب، فلا ندري من أين تأتي أو إلى أين تذهب، وعند سؤالها عن قريتها أو أين تُقيم، فتجيب "جنب بير العسل وشجرة التوت"

ورغم الغموض الذي يكتنف أصلها فقد استحسنها أهل الحي وقبل بها بائعة تفترش أرضهم نظرا لطيبة معشرها وحلاوة لسانها كما يقولون، أو لأن أحدا منهم لا يتذكر متى بدأت أم طلعت تنصب فرشتها هنا من الأصل، فلا يدري أحد عمرها على وجه التحديد، قيل تندرا أنها هنا من قبل بناء المسجد العتيق، أو من قبل بناء الحي كله، كانت تفترش الصحراء وتبيع التوت للثعالب والجن بلسانها المعسول، إنها حقا طاعنة في السن، لكن بصحة جيدة وإن كان "عقلها خف" كما يقول البعض فيما بينهم عندما رأوها يوما تحدث ثمرة توت عن ضرورة حب أخواتها الثمرات في المِشنة، وعلى كل حال، فقد صارت من معالم الحي كالمسجد العتيق ودكانة الفول والوكالة وكلب جورج العلاف الذي لا ينبح أبدا.

وفي ظهيرة يوم قائظ من تلك الأيام التي يتحول فيها الهواء إلى يد غليظة تلتف على العنق حتى تكاد تختنق الروح في الجوف، فيفزع الناس ويهربون إلى منازلهم فتستريح الشوارع من آذاهم وضجيجهم، كنت مارا بالشارع وكانت أم طلعت في جلستها المعتادة منذ رؤيتي للشارع أول مرة، قلت لها محييا: "سلام عليكم يا أم طلعت" لكنها لم تلتفت إلي، كانت ممسكة ببعض ثمار التوت في كف يدها، تنظر لهم بحدة وتحدثهم بصوت خفيض، وعندما لاحظتني قالت في أسف: "لا مؤاخذة يا بني أصلهم كانوا بيتعاركوا ولازم أصالحهم"

نظرت لها نظرة عطف لا تخلو من شفقة العاقل المعافى على المجنون وقلت لها مسايرا: ويا ترى كانوا بيتخانقوا ليه يا أم طلعت؟

قالت في حزن: على مين فيهم السبب.

قلت: السبب في إيه؟

فقالت في استنكار من يسرد أمرا بديهيا: أنهم وقعوا من على الشجرة!

قالت ذلك ثم انكبت على كف يدها تهمس إلى ثمار التوت مرة أخرى، ولم أجد جدوى من الوقوف هكذا في ذلك الجو الخانق.

ومر عدد من الأيام لم انتبه له، حتى جاء يوم خلا فيه مكان أم طلعت بجوار الحائط العتيق، قلقت لذلك قلقا لا أعرف مبعثه، كيف يحدث ذلك؟ وكيف يختفي ما اعتادت أعيننا على رؤيته كل يوم؟ فهل يمكن يوما أن استيقظ من النوم فأجد المسجد العتيق قد أختفي وخلا مكانه؟ توجهت إلى جورج العلاف لاتبين حقيقة الموضوع، فوضح لي أنها جاءت في الصباح كالمعتاد وما إن جلست فترة قصيرة من الوقت حتى بدأت بالبكاء الشديد، وعندما استفسر منها عن ما الذي يبكيها، أشارت إلى المِشنة وقالت: التوتة دي قتلت أخواتها.

فعاد جورج إلى دكانه ضاربا كفا بكف، ولم يمر برهة من الزمن حتى جاءته أم طلعت وأعطته المِشنة وقالت له "خليها عندك هقضي مشوار وأرجع أخدها" وقال لي في تأثر واضح وهو يشير إلى المِشنة الملاقاة على أرض الدكان: "ولحد دلوقتي لسه مرجعتش"

نظرت إلى ثمار التوت التي تركها من يهتم بها ويرعاها داخل المِشنة وحيدة، وغمرني فجأة إحساس بالوحشة والخوف، فذهبت.

ومر اليوم في أثر اليوم، ولم تعود أم طلعت، فصارت الأيام أسابيع، والأسابيع شهورا، وتعجب الجميع لاختفائها، وصارت حكايتها نادِرَة يتندر بها الأطفال والكبار، فقال البعض "تلاقي شوية توت ولاد حرم قتلوها وسرقوا صيغتها"، وقال آخرون: "أو يمكن عجبها كيلو توت فطفشت معاه"، وقيل الكثير غير ذلك، حتى نساها الناس أو كادوا، ثم جاء اليوم الذي عادت فيه أم طلعت حاملة مِشنة الفراولة وجلست.

فور أن علمت بالخبر ذهبت إليها، وجدتها في نفس المكان وبنفس الهيئة التي عهدتها، عدا بعض التجاعيد الواضحة حول الفم والعينين، وسقوط بعض الأسنان وصمت مطبق وحزن بادي، قلت لها: إيه أخرك يا أم طلعت؟

قالت في اقتضاب: كنت تعبانة شوية

فقلت محاولا جذبها للحديث: وإيه أخبار التوت والشجرة؟

قالت بنبرة من يريد إنهاء الحوار: قطعت الشجرة كلها، فسدت ومبقتش نافعة. أوزن لك كام كيلو فراولة؟

صمت لبرهة ثم طلبت منها أن تزن لي كيلو واحد، اعطيتها النقود ووضعتها في فتحة صدرها وظلت صامتة ساهمة، فذهبت


  • 3

   نشر في 20 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 09 فبراير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا