لا تنشر كل ما تسمع قبل أن تتأكد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تنشر كل ما تسمع قبل أن تتأكد

الخدمة المدنية الإجبارية للأطباء

  نشر في 21 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

من أكثر الظواهر التي انتشرت مؤخرا، ظاهرة سرعة تحكيم المشاعر و النطق بالحكم قبل التروي و التحقق من حقيقية الأشياء.

خلال الحملة الإنتخابية عرفت الشبكات الإجتماعية حركة نشيطة، تجلت في التعبير عن مساندة بعض التيارات السياسية عبر التبجيل و التطبيل لها و مهاجمة خصومها، ما يثير الإنتباه أيضا ان معظم رواد العالم الأزرق على الخصوص أطلقوا العنان لمخيلتهم و جادوا علينا بإبداعات تنوعت من مقالات طويلة و متوسطة إلى رسوم ساخرة و مرورا بفيديوهات بعضها حديث و بعضها قديم و بعضها معد بعناية بأجود أدوات القص و اللصق.

كل هاته الأمور منطقية حتى الآن، لكن ما أثار استغرابي هو الظاهرة التالية : أحدهم يجتهد و يضع منشورا تستغرق قراءته أو مشاهدة كل دقائقه فقط عدة دقائق، و تجد عدد المشاركات يفوق المئات خلال ثوان، كيف ؟ على علمي نسبة صغيرة من المغاربة هم من يتقنون القراءة السريعة، كما أنه قبل مشاركة أي منشور يجب التأكد من كل محتوياته و تحليلها لمعرفة مدى انسجامها مع رسالتنا.

التفسير بسيط، هو أن عنوان هاته المنشورات تصادف هوى في نفس المستخدم و بالتالي فهو يشاركها، و لا يريد أن يعرف تفاصيل أكثر ربما تفسد نشوته بالإنتصار الكبير الذي حققه بمشاركته،و انتصارا للشخص الذي يتابعه، و يتجلى ذلك عبر تجاهله لتعليقات أصدقائه الذين يخالفونه الرأي و يحاولون تنبيهه، لن اضرب أمثلة هنا فالغرض ليس تصحيح الأمثلة و لكن وضع الظاهرة تحت المجهر.

بعد أن مرت سحابة الإنتخابات و تبعاتها من تأويل و تحليل للفائز و الخاسر و ظهور نتائج التحالفات و ما إلى ذلك، طفا على السطح موضوع إضراب طلبة الطب تعبيرا عن رفضهم لمجموعة من الإجراءات و التدابير أهمها الخدمة المدنية الإجبارية.

رأيي الشخصي في موضوع الخدمة المدنية هو واضح و صريح : أنا لست ضد هاته الخدمة سواءا كانت سنتين أو عشر سنوات، سواءا كانت في البوادي أو في جزر الوقواق، لكنني لست مع تطبيقها على الطلبة الذين سوف يتخرجون هاته السنة و لا السنة القادمة، يجب تطبيقها على الطلبة الذي سوف يختارون دراسة الطب و هم يعلمون ما ينتظرهم، حتى يكون مسؤولا عن قراراته.

عندما تقرر الوزارة أن تطبق أي مشروع جديد، فأظن أنها درست كل الجوانب، و لا أظن أنه في السنوات القادمة سوف يستمر إقبال الطلبة المتفوقين بهاته الدرجة على الطب.

ليس معنى هذا أنني متفق مع الإضراب الذي يقوم به الطلبة - خاصة الطريقة الغير مفهومة التي خرج بها بعضهم في الدار البيضاء من بيع للمناديل و غسل للسيارات، شخصيا لم أفهم المغزى - ، فأكبر متضرر هم الطلبة نفسهم، فمقرر الطب طويل جدا، و لن يؤخد بعين الإعتبار هذا التوقف الناتج عن الإضراب. كيف يعبرون عن احتجاجهم إذن ؟ الله أعلم، لست طبيبا لكي أجيب عن هذا السؤال.

ما لم يعجبني في الموضوع هو اتفاق معظم سكان الكوكب الأزرق على أصحاب البذلات البيضاء، حيث أنهم أغرقوا العالم الإفتراضي بقصاصات مملوءة بالإستهزاء و السخرية و الإتهام في الوطنية و قلة الإنسانية، و الأبشع من ذلك هم المشاركة و المشاركة و المشاركة لنفس المنشورات، ما أود توضيحه هو إبداء رأيي عن الظاهرة في النقاط التالية :

حقد دفين و شماتة :

البعض أعلنها صراحة، و جاهر بحقده نحو هاته الفئة من المجتمع، كونهم عانوا طوال فترة شبابهم من مقارنة أهلهم بهم بأقربائهم و أصدقائهم الذين تفوقوا و قبلوا في كلية الطب.

البعض الآخر يحسدهم على الراتب الذي ينالونه و يقارنه بالدخل العام المتوسط.

جهل عميق :

المنشور الأخير الذي يتداول هاته الأيام هو عبارة عن حوار بين الوردي و الطلبة مفاده أنه الأطباء يرفضون العمل في البوادي، و يريدون فقط الرباط و الدار البيضاء و طنجة، أظن أن كل من شارك هذا المنشور أن يخجل من نفسه، فالأطباء لم يرفضوا يوما الذهاب للمناطق النائية، و هم فعلا يعملون الآن هناك، و إن كانوا يفضلون طبعا العمل و الإستقرار بالمدن الكبرى شأنهم شأن عامة الناس، فلم أسمع يوما عن أستاذ أو مهندس أو صحافي يحب الإستقرار مع عائلته بالبادية بعيدا عن رفاهية المدينة.

و لا يخفى على الجميع أن الحياة في البادية قاسية خاصة لمن لم يعتد عليها، و أن ما شاهده البعض في مسلسل "دار الغزلان" لا يبث للواقع بصلة، فليس كل طبيب سوف يجد مستشفى نظيفا مجهزا بتجهيزات أفضل من مستوصفات العاصمة- كما أن الكثير من المشتسفيات الإقليمية تتواجد في أماكن بعيدة عن الحضارة و تخلو من أي احترازات أمنية، و قد سمعنا كثيرا عن تهديدات للأطباء و الممرضين بالسلاح الأبيض، و البعض نال نصيبه من الضرب و الجرح -، و لن يجد كل طبيب ابنة رئيس الجماعة الحسناء تنتظره للزواج بها، و لن يجد بيتا به الماء و الكهرباء ليلعب "البلايستايشين"، كما أنه لن يجد أيضا طريقا يمشي عليها بحذائه البرتقالي الأنيق آخر صيحة الذي يصل ثمنه إلى نصف راتب الطبيب.

دراسة مجانية على نفقة الدولة :

يرى البعض أن الدولة صرفت على تكوين الأطباء مبالغ كبيرة خلال السبع سنوات - معظم الأطباء يحتاج 8 سنوات لنيل شهادته بسبب تأخر الإمتحانات التطبيقية، و تحديد معاد المناقشة الذي يؤجل أحين الأحوال لشهر مارس أو أبريل - فمن حقها أن تستعملهم سنتين إضافيتين قبل أن يخرجوا كناس عاديين لرحلة البحث عن العمل.

هاته المعلومة صحيحة، لكن هل الأطباء هم الوحيدين الذين يستفيدون من التعليم المجاني ؟ ماذا عن المهندسين ؟ و المحامين ؟ و الأساتذة ؟

بصفة عامة لا زالت الدولة توفر التعليم العالي بشكل مجاني ، فلماذا يجب استغلال الأطباء وحدهم؟

اتهام بالفساد

من بين الأسباب التي اخترعها الناس لتفضيل الأطباء العمل بالمدن الكبرى ، تواجد فرص للعمل الإضافي بالمصحات الخاصة المتواجدة هناك، للإستفادة من دخل إضافي، و البعض تمادي أيضا في اتهامهم بالرشوة و بالتغيب عن عملهم الرئيسي بسبب تواجدهم في عمل إضافي بالمصحات و العيادات الخاصة.

ما لا يعرفه ربما هؤلاء الأشخاص، أن الأطباء يفنون عمرهم في الدارسة و لا يتخرجون إلا بعد سن ال27، و أن معظمهم يكون متزوجا عنده أسرة مستقرة في المدينة الكبيرة التي درس فيها، فمن الطبيعي أن يفضل البقاء بالقرب منهم، و أغرب جواب سمعته من مسؤولة في القطاع مدافعة عن التعيينات البعيدة : " الطبيبة المختصة توفر لها الدولة أجرة محترمة، تستطيع أن تصرف بها على أبنائها في حالة تشتت بيتها و طلاقها جراء بعدها عن أسرتها"، لكم التعليق.

أما بخصوص الإتهام بالفساد و تعاطي الرشوة، فلا يجب التمادي في ذلك ما لم يقرن بدلائل و أرقام و حقائق، و نحن نعلم أن كل قطاع فيه الصالح و الطالح، فلماذا وضع المجهر فقط على فئة من الأطباء و تعميم الإستنتاج على الجميع.

الإنسانية

لم يتوان أيضا الكثير في اتهام الأطباء في إنسانيتهم، ما ليخفى عليهم هو أن الطبيب يبدأ في العمل الإنساني المباشر منذ السنة الثالثة للدراسة، بعد سنتين من الدروس النظرية القديمة، و سوط حق التكرار مرة واحدة.

يبدأ الطالب في دخول العالم الحقيقي للطب مبكرا حيث يُعتَمَد عليه في الحراسات النهارية و الليلة على حد سواء، و هو من يبقى بعطل نهاية الأسبوع و العطل الدينية حيث يستمتع جميع المواطنين الغيورين على الإنسانية بما لذ و طاب مع أهلهم و ذويهم، هذا الطالب إن كان يدرس مجانا ، فهو أيضا يعمل مجانا في ظروف جد صعبة لا يقوى عليها أصحابنا الذين يجلسون في مكان هادئ و كل ما يقومون به هو النقر على زر الإعجاب و إتباعه برابط المشاركة.

مقارنة بدول أخرى

كعادتنا، لا نعطي الشيء قيمة حتى يأتي من الآخر، فلم يتوان الكثير من الغيورين و المحبين للوطن في البحث عن أمثلة من الخارج مثل "أطباء بلا حدود"، و الأم ميركل و غيرها ، في استعمال خطير للمقص و تلصيق للأحداث و الوقائع، هؤلاء الأشخصا لم يبحثوا عما قدمه الطبيب المغربي لبلده، و تناسوا القوافل الطبية التي فضل اصباحها العمل في صمت و التضحية بأوقاتهم و أعمالهم - الكثير منهم يعمل في عيادته الخاصة - للخروج و مساعدة الغير.

في نهاية الأمر و بغض النظر عن موضوع الأطباء، فالمرجو التأكد من محتوى أي منشور قبل مشاركته حتى لا يصبح عالمنا عبارة عن فقاعات من الأخبار الفارغة. 


  • 5

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مهم بالتنمية الذاتية و طالب في الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. مؤسس مشارك في منصة www.scorify.me المختصة في توطيف المطورين المعلوماتي ...
   نشر في 21 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم










عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا