"قصة صوفيا" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"قصة صوفيا"

قصة قصيرة

  نشر في 10 ديسمبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2019 .

لا يكاد يخلوأحدنا في لحظات ما من حالة هذيان يكون فيها صادقا في كل ما يقول..فهي حالة لا شعورية،يجتر فيها ما هو مكنون في اللاوعي واللاشعور..

حسنا, أقص عليكم قصة أحد أصدقاء الجامعة..كان من بلدعربي , وكانت تجمعني به علاقة صداقة من نوع فريد..كان أهله يعولون عليه كثيرا, نظرا للفقر المدقع الذي كانوا يعيشونه..كان يقرؤني كل رسائل اهله من أب وأم وحتى اخوته واخواته.

فتاة في العقد الثاني من عمرها كانت، تنبض بالنشاط والحيوية،حافظة لقرآنها، حجابها كان عنوانها..سنها لم يكن يرى..هي ابتسامة خفيفة فقط عند الضرورة، لم يحدث أن رفعت صوتها،ولم يحدث أن خضعت بالقول، لكنتها مختلفة..عائلتها من علية القوم..في شخصيتها مزيج من الذكاء والعفوية..تلك كانت صوفيا.
كان رجلا شاحبا، يابسا جافا ناشفا..الزمن قسى عليه..من عائلة فقيرة ..شخصيته مزيج من الذكاء والحمل الثقيل على عاتقه ..ملتزما قارئاً لكتاب الله..لم ينتبه لأمور الشباب..ولم يعش مراهقته..مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه..كان هذا صديقي.

صوفيا, طالبة زميلة له في القسم..كانت آية في الجمال من كل النواحي..ولكن تدينها وحفظها للقرآن طغوا على كل جمال ممكن ..حجابها أسبغ عليها هالة من الاحترام والتقدير والاكبار من كل من عرفها..زملاء واساتذة وحتى موظفين..كانت تصلي فرضها..وتصوم شهرها..وتقرأ قرآنها..أما حجابها فكان عنوانها.. صغيرة كانت بخطى متعثرة مقبلة على الحياة,ترتسم على وجنتيها ابتسامة ساحرة , صوتها الشجي حير الأوتار في لحنها..فرحتها ملأت الدنيا طربا وشوقا وأملا..صغيرة كانت بصوت عذب ,تتدفق فيها الحياة,تعزف مقطوعة عجزت الطيور عن قراءة ألحانها

صديقي أيضا كان ملتزما.."القلوب منها ما اختلف, ومنها ما ائتلف"..اختارته من بين الآف الزملاء, وكأي انثى, فقد لزمت الصمت مع ارسال بعض الاشارات لصاحبنا ليفهم..في تلك الفترة كان الغباء يطفو على عقله..لكنه ليس بغباء فعلا , بل كان يدعي ذلك..ظروفه لا تسمح..فقر, ضيق عيش..صديقي لم يكن يخرج مع اصدقائه حتى في عطلة نهاية الاسبوع..لانه لا يملك المال..فيحاول ان يبقي ما معه ليكمل به مصروف شهره..لهذا كان يتجاهلها..بالرغم انها كانتمحط انظار الجميع..وكما يقولون " لا تعوض"..جمال وتدين وعائلة..

في أحد ايام شهر مايو..ولا زلت اذكر هذا التاريخ تماما..أخبرته أنها ستسافر في رحلة بعيدة..قد تطول رحلتها كثيرا..قهقه , صاحبنا ببلاهة ساخر من كلامها..ولم يفهم ما ترمي اليه..سقطت دمعتها في تلك اللحظة وغادرت.. بعد أيام, جاء خبر رحيلها اثناء اجراء عملية لها رحلت صوفيا..كانت تعاني من مرض خطير ظهر فجأة في تلك الايام..ولأول مرة أرى صديقي يبكيها بحرقة..فهو لم يجاملها بكلمة طيبة..حتى اثناء وداعها..تذكرت هذه الحادثة هذا المساء..فاجتمع فيه ما تفرق في غيره من باقي الأيام والمساءات.... كل شيء فيه يستعد للانعتاق من سطوة البرد القارس.... و من تكشيرة غمام اسود اطبق علي الأرواح و الأنفاس.... كل شيء في هذا المساء ثقيل ... و اثقل ما فيه تمرد البشر و الحجر و الشجر على مظاهر الكمون و الانكماش و الانحباس..... تمردت الابتسامة على وجوه جامدة عابسة ..تكبل أسارير الفرح خلف تجاعيد يابسة ... و تمردت خضرة الشجر على اصفرار جمد الاحساس بمتعة اللون و تعاسة الشكل ... وتمردت زقزقة عصفور على غصة في حلق عطلها حفيف شجر يتألم من وخزة ريح معربدة في ازقة باردة....سامحك الله يا صديقي, جعلتني أهذو..لكني لا أريد الشفاء من حالة الهذيان أبدا..الهذيان يجعلني أكثر سعادة..ويا ليتك تجد لي طريقا لأصحب الهذيان بحالة زهايمر..عندها سأكون في أفضل حالاتي...أريد مسح ذاكرتي علني أولد من جديد!!.. إن اصدق العبارات تخرج عندما نكون في حالة من اللاوعي!!..هذا مسائي هذا اليوم كما وجدته و انا احتسي فنجان قهوة برفقتي وكنت خير جليس في الزمان لي!!

ماهرباكير


  • 3

  • Dallash
    لا إله إلا الله محمد رسول الله
   نشر في 10 ديسمبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2019 .

التعليقات

هدوء الليل منذ 4 شهر
إن اصدق العبارات تخرج عندما نكون في حالة من اللاوعي!!
صدقت .. !! . أحسنت
تحياتي لك
0
Dallash
ابهجني مرورك العطر اختي الفاضلة الكريمة
Ahmed Mahmoud منذ 4 شهر
قصة جميلة.... و تبقى الاقدار وحدها من تقول كلمتها الاخيرة.
تحياتي أستاذ ماهر
1
Dallash
فعلا القدر دوما يقول كلمته ...اشكر مرورك العطر

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا