هشام سراي يكتب : الإنسان و الحمار ... قصة النكران - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هشام سراي يكتب : الإنسان و الحمار ... قصة النكران

هشام سراي

  نشر في 28 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أكتوبر 2016 .

" إن أبشع صور الظلم هي تلك التي يتصدرها الإنسان وهو يصب جام غضبه على حمار قضى عمرا في خدمته و التذليل صعاب الحياة له و حمل أثقاله في صمت وقور و قلب جسور ، و إن الحياة لا تبدوا حزينة كئيبة و قد عاث فيها البشر حقدا وغيلا فلا سلم الحجر و لا الشجر و لا البشر وأضحت الأرض بفعلهم غثاءا وحطب ...

ومن أبلغ صور نكران الجميل البشر و تعاليهم هي تشبيه كل بشاعة وغباء و انحطاط بالحمار و هو الذي حمل أسفارهم و أعانهم على أثقالهم و تحمل كل بذائاتهم و عنفهم و لم يجاريهم في حيوانيتهم بل كان حيوانا نقيا وكانوا هم دون ذلك ، ولكنهم تعودوا التطاول و التبلد على العاملين بالصبر و الحالمين عند كل أذى فهم لا يحترمون بني جلدتهم و لا يتوانون على تعذيبهم و الإساءة إليهم لولا وازع الدين و سلطان القانون ، فمابلك بالحمار هذا المسكين في بلاءه و محنه من بني البشر ورغم ذلك خلق الحمار صبورا و كذا كانت سلالته و أحفاده من بعده ، لا يحملون في قلوبهم لا حقد ولا بغضا و شيمتهم الإخلاص في العمل و الوفاء بعد العشرة و اللقاء ، وإني سمعت في ما يحكى بين الرواة و القصاصين أن رجلا من القصيم في المملكة باع حمار الى راعي في منطقة بريدة و هي تبعدها بحوالي 90 كم ، مضت يومين على بيع الحمار و في اليوم الثالث و إذا بالحمار يعود الى صاحبه في مدينة القصيم فهاهنا بشر يبيع و حمار خالجه الحنان والوفاء فعاد ، فأين البشر من صفات الحمار الذي يعير يإسمه كل صاحب نقيصة أو غباء أو جهالة و كأن الحمار عنوان لكل هذا ، و الحمار ليس سببا في تعاسة البشر و انحطاط أخلاقهم و ليس سببا في قتلهم بعضهم بعض و لا الحروب التي أوقدوا نارها ، و ليس سببا في الاصنام و الأبقار و الأشجار التي عبدوها و لكنه كان سببا في ما وصلوا اليه من حضارة و استراحة و لو عدنا الى الصحيح من القول و ابتعدنا عن الطحيح لكان الحمار هو الذي يفرد تعليقاته عن بني البشر و قد قيل أنه كان لحكيم حمار و قيل ان الحكيم ورث وصية من أبيه يقول له فيها عن وصفة سحرية تصلح شفاء لكل داء ففرح الحكيم توما وراح يقلب في دفاتر الأب التعيس ، فوجد ورقة كتب فيها " الحية السوداء داء لكل دواء " و الأصل في القول " الحبة السوداء " فيقال انه بحث عنها فلما وجدها لدغته فمات ويقال انه تسبب في موت خلق كثير ، فعلق حماره قائلا :

لو أنصف الدهر كنت أركب لأني جاهل بسيط و صاحبي جاهل مركب ، فكان الأمر مدعاة لسخرية الحمار من صاحبه ، و إنه لمن الفرية الشائعة و التهم الكاذية رمي الحمار هذا الأنيس الصبور بتهمة الغباء الفطري و قد اثبت العلماء من خلال تجارب كثيرة ان الحمار يملك قدرا كبيرا من الذكاء يتفوق فيه على كثير من الأنعام و ربما صنفه بعظهم بثلاث الحيوانات ذكاءا بعد القرد و الحصان أكرمكم الله ، و مما قيل في نوادر و الطرائف في مدح الحمار قال الدميري في حياة الحيوان الكبرى: إن خالد بن عيسى الرقاشي كان يختار ركوب الحمير, فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار فقال: ما هذا يا ابن صفوان فقال: عير على نسل الكدار,يحمل الرحلة ويبلغني العقبة ويقل داؤه ويخف دواؤه ويمنعني من أن أكون جباراً في الأرض وأن أكون من المفسدين ، وإن أشهر حمار عرفه الأدب العربي الحديث هو حمار الكاتب المصري توفيق الحكيم و الذي ألف فيه كتاب سنة 1940 بعنوان " حماري قال لي " و يقول في دباجته كلاما مؤثرا " الحمار له في حياتي شأن ، إنه عندي كائن مقدس كما كان الجعران عند المصريين ، لقد عرفته منذ صغري في صورة جحش جميل اشتراه لي اهلي بثلاثين قرشا و جعلوه لنزهتي في الريف ، وكانت له برذعه صغيرة حمراء لا أنساها ,, وكنا خير رفيقين لا نفترق الا للنوم فقد كان في مثل سني أي في طور الطفولة في فصيلته ، كما كنت انا في الطفولة في جنسي .

 و إن الشاهد من تبرأتنا لمقام الحمار و إتهامنا لمخالب الإنسان التي تزداد ضراوة ووحشية على أخيه الإنسان فما بالك بالحيوان و أنك لتنظر من حولك فتجد المعاني النبيلة التي رسمت لحياتنا كبشر صورا مشرقة قد اندثرت كأوراق الخريف ذابلة منتحبة و استبدلت ببيادق الحرب و غربان الظلمة فتجد منا من يفضل حمارا كتوفيق الحكيم على الأقران أو من يكتب في عناوين الكتب " فضل الكلاب على من لبس الثياب " فهل نحن منتهون عن نعت الحيوان بما نحن مبتلون به ؟ 



   نشر في 28 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا