قراءة في محاورة جورجياس لأفلاطون - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قراءة في محاورة جورجياس لأفلاطون

البلاغة وقيمتها الأخلاقية والسياسية ...

  نشر في 17 ماي 2016 .


كان فن الخطابة في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد هو السبيل الوحيد للوصول إلى مراتب ومراكز عليا في أثينا، سواء في مجالس الحكم والجمعيات أو مراكز النفوذ والسلطة ، هذا بالإضافة إلى أنه كان وسيلة للثراء والكسب السريع نظراً لرواج مدارسه كنوع جديد وجذاب من التعليم العالي يحظى باحترام الجميع وتقديرهم ....

(فن البيان) أو البلاغة وقيمتها الأخلاقية والسياسية هذا هو الموضوع الذي تتحدث عنه محاورة جورجياس التي كتبها أفلاطون في الفترة التي تقع بين ( 395 -390) ق.م

ما هو البيان؟ وما الفائدة منه ؟ وهل هو حقاً فن الكذب الضار بالدول والأفراد ؟

تلك هي الأفكار الني يناقشها أفلاطون في المحاورة حيث يتقابل المذهب الفكري السقراطي القائم على أهمية حضور الخير والحق والعدل في حياة الإنسان ومدى أثرها على سلوكه ... مع فكر السفسطائيين وأتباعهم وطريقة توظيفهم الفوضوية للبيان لغايات تحقيق مآرب أو منافع شخصية واقناع الشعب واستغلال جهله بخطابات بعيدة كل البعد عن الحق والفضيلة والعدل والمصلحة العامة...

اختار افلاطون أطراف الحوار بحيث تمثل تنوع الطباع في مجتمع أثينا فكانت الشخصية الرئيسية سقراط في مواجهة ثلاثة من السفسطائيين وهم جورجياس أستاذ البيان بقلبه المفتوح لإسئلة الجمهور والذي يعرف بخبرته كيف يجنب نفسه الوقوع في فخ التأكيدات لكنه واثق كل الثقة من أنه منذ أصبح خطيبا لم يوجه له أحد سؤالاً قد يكون مفاجأة له ....

بولوس المتحمس لفكرته وحاله كحال جورجياس يعرف متى يتراجع عنها في حال استشعر ضعفها وتناقضها مع المبادئ والقيم .

أما كالكليس فيختلف عن سابقيه باندفاعه وتسرعه لإثبات فكرته على حساب الأخلاق والقيم،وهو بطبعه هذا نراه ينهي النقاش مع سقراط غاضباً أكثر من مرة لكنه وبإلحاح من جورجياس يكمله على مضض مستمعاً فقط ومجيباً بمجاملات عقيمة تكشف اصراره على البقاء على طباعه وأفكاره متجاهلا كل ما يقوله سقراط !

كان لسقراط أسلوبه المميز في ايصال رسالته أو ما يسمى بـ"الديالكتيك" وبواسطته يستعرض أفلاطون تلميذ سقراط الأكثر شهرة في مؤلفاته أفكاره ونظرياته فهو يبدأ بطرح الأسئلة على خصومه بحيث يختارها بطريقة تجعل خصمه يقع في التناقض حتى إذا ما وصل إلى هذه المرحله التي يؤكد فيها لخصمه بأنه لا يمتلك الحقيقة يعود سقراط لطرح الأسئلة من جديد لكن هذه المرة حول ماهية الموضوع بهدف البحث عن الحقيقة وللوصول إلى نتيجة أو إقرار

ولأن البيان هو أفضل وأجمل الفنون جميعاً على حد قول بولوس فقد رأى سقراط في هذا القول مدحاً لا اجابة على سؤاله ما هو البيان.

فإذا كان البيان هو ذلك الفن الذي يحقق مهمته بالكلام وحده وقد اكتسب بهذه الصفة الأفضليه على غيره من الفنون فماذا سيقول كل من الطبيب والتاجر والفلكي والموسيقيّ وغيرهم عن فنه وهي متصلة أيضا بالبيان لكن لها جانب عملي يشترط فيه سقراط دائما أن تكون غاياته من أجل الخير والفضيلة ...

هذا التساؤل يدفع بجورجياس للقول بأن البيان هو عامل اقناع، ومهمته هي الإقناع وتحقيق السيادة في المجتمع، أي القدرة على اقناع القضاة في المحاكم والمواطنين في مجالسهم وتجمعاتهم، لأن البيان يضمن جميع القوى ويسيطر عليها، فالخطيب قادر على اقناع الناس بفكرته وله سلطة بأن يملي عليهم من يراه هو مناسبا من أصحاب المهن المختلفة وفي الانتخابات ... لكن هذا لا يعني أن يتم استخدام البيان في أمر ينافي العدالة والإستقامة فهو كغيره من فنون القتال لا تستعمل بذات الطريقة مع الأصدقاء والأعداء..

هنا يتساءل سقراط أي نوع من الإقناع فكل أنواع العلوم عوامل إقناع ليس البيان وحده !

 لذا لابد من التفريق بين العلم أو المعرفة والإعتقاد فنقول مثلا هناك اعتقاد حق وآخر باطل لكن          لا يمكن اطلاقاً أن نقول هناك علم باطل وعلم حق وعلى هذا الأساس فإن البيان الذي يدعيه جورجياس هو عامل اقناع عقيدة وليس اقناع علم حيث أنه يُكسب المتلقي رأياً لا علماً ،فهو لا يحتاج إلى معرفة الحقائق حول الأشياء التي يتحدث عنها حسبه أن يجد طريقة يقنع بها الآخرين...

أمّا القوة التي يُحَمِّلها بعض الخطباء للبيان وتجعل الخطيب متفوقا على أصحاب العلم أنفسهم فيخضع لها المتلقي الجاهل الذي لا يملك أي معرفة حول الموضوع المطروح..

هنا وفي نظر الجهلة فقط يكون الخطباء أكثر علماً من العلماء وأصحاب الاختصاص...

أما التناقض الصارخ الذي وقع فيه جورجياس ولم يكن صعباً على رجل مثل سقراط برع في مزج العلم بالعمل وكانت حياته تجسيداً عمليا لأفكاره الإمساك به فجورجياس يفترض أن البيان لا يمكن أن يكون ظالماً وهو فن ينشد العدالة دائما ويُعلِّمها فكيف يقول فيما بعد بأن لا مسؤوليه على أستاذ البيان في حال لم يتصرف أحد تلامذته وفق العدالة وهذا التناقض إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن البيان قد يستخدم استخداما ظالما !!!

أليس من عرف العدالة وتعلَّمها سيتصرف وفقها؟؟؟

يكمل سقراط تعريفه للبيان في محاورته الثانية مع بولوس ونراه في هذا الجزء ينزع رداء المثالية عن البيان فيقول بأنه لا يراه فناً على الإطلاق فهو ليس أكثر من تجربة وممارسة وتدريب شأنه شأن الطهي مثلاً فكلاهما يهدفان إلى انتاج نوع خاص من اللذه والمتعة والسعادة وهذه النقطة تحديدا هي ما دفعت سقراط إلى اعتبار البيان جزء من التملق كما هو جزء من السياسة فالخطيب لا يمانع من أن يضع على فكرته أي قناع كشكل من أشكال الزينة للفوز بالاعتبار ورضا الناس واستحسانهم وهذا سلوك لا يوافق مبادئ العدالة ولا يحقق الخير وهو شيء رديء وضار...

وبدوري أتساءل مع سقراط أي سعادة تلك التي سيحققها لنا هذا النوع من الخطاب حين يُحرَم الناس من قدرتهم على التمييز والتقدير وحقهم في الاختيار ؟؟؟

وكم يطيب لنا التأمل والتفكر والتعلم في اجابات سقراط على تساؤلات بولوس ...

أليس للخطباء سلطان قوي في الدولة يقتلون وينفون من يشاؤون من الناس؟؟

ألا يكون الرجل الذي يمتلك تلك القوة جديراً بالحسد سواء فعل ذلك بعدل أو بظلم ؟

كيف يكون ارتكاب الظلم أفدح الشرور ولا يكون تحمله أسوأ من ارتكابه أي قوة في تحمل الظلم يا سقراط؟؟

ألا يكون المرء سعيداً بارتكاب الشر والعيش في الظلم والهرب قدر الامكان من العقاب ؟؟

يرى سقراط أن الخطباء من هذا النوع كالطغاة هم أقل المواطنين سلطاناً فهم لا يعملون شيئا مما يريدون لكنهم يعملون ما يعتقدون بأنه الأفضل والأحسن بالنسبة لهم .

فإذا كانت القوة المطلقة في الدولة هي الخير ونحن نفعل الأشياء المحايدة التي هي لا حسنة ولا رديئة من أجل تحقيق غاية حسنة وهي الخير فالطاغية الذي يقتل وينفي ويجرد من يشاء من أملاكه لو صادف أن كان فعله هذا متعارضاً مع مصلحته أو غايته فهل تراه يفعل ذات الفعل ؟! بالتاكيد لا

إذن هو لا يملك سلطانا على أفعاله وليس مثار حسد بل هو تعيس يستحق الرحمة.

" إن أفدح الشرور هو ارتكاب الظلم".

إن ارتكاب الظلم أفدح من أن تكون ضحية له كذلك الإفلات من العقاب أفدح من تحمله ثم أن ارتكاب الظلم أكثر ايلاما وضرراً فالذين يرتكبونه يتألمون أكثر مما تتألم ضحاياهم وحتى لو كان ألم التحمل أكبر فمن المؤكد أن ارتكاب الظلم أشد ضرراً..

فهل هناك واحد عاقل يفضل لنفسه الأكثر ضرراً؟؟

إن الإنسان نفس وجسد فكما نهرع إلى الأطباء لمعالجة خلل أو ضعف أو ألم أصاب أجسادنا ونحتمل مرارة الدواء وألم العلاج وهو ليس أمراً مستحباً لكنه ضروري من أجل الشفاء كذلك هو حال النفس مع أمراضها الظلم والجهل والجبن فإن العقاب العادل يطهر النفس من نقائصها وعيوبها ...

إن أسعد الناس إذن هو ذلك الذي تخلو نفسه من الضرر وضرر النفس هو أفدح الأضرار..

في هذه المقارنة تحديدا تتجلَّى معنا الفائدة التي ينشدها سقراط من البيان ألا وهي على البيان أن يستمد محتواه من مفاهيم ومبادئ مستقلة عن ذواتنا وأهوائنا الشخصية فوظيفته تكمن في إلقاء الضوء على نقاط الخلل والضعف فينا وتوجيه النقد لعيوبنا وأخطائنا واقتراح حلول وأفكار لمعالجتها أي أن يعمل على جعل نفوس المواطنين أفضل سواء سرّ الناس ذلك أم لم يسرّهم ...

الجزء الثالث من المحاورة بين سقراط والشاب المندفع كاليكليس الذي يبدأها بذكر أمثلة من التاريخ التوسعي "الاستعماري" للدول ليؤكد صحة نظريته التي تقول بأن مفهوم القوة الذي أثبتته الطبيعة هو القانون الأعلى وأن الطبيعة والقانون يتعارضان فما هو قبيح في نظر القانون قد يكون جميلاً في نظر الطبيعة وعليه فإن الأقبح تبعاً للقانون هو ارتكاب الظلم فيما يكون الأكثر قبحاً من وجهة نظر الطبيعة هو احتماله وذلك لأن احتمال الظلم لا يلائم انساناً حراً .. وما القانون إلا طريقة ابتدعها الضعفاء وهم الأكثرية لكي يخيفوا فيه الأقوياء.. وما الظلم إلا مخالفة قانون الطبيعة الذي يثبت سيادة القوي على الضعيف والاستعلاء عليه فالخير ملك للأكثر قوة وسلطاناً وقيمة وهو حق له..

ثم إن الخير الذي يجلب السعادة هو في أن يحقق المرء لنفسه كل رغباتها أما الشجاعة من وجهة نظره هي في تجاهل الآخرين وأحكامهم وطرقهم وضعفهم الداخلي الذي يمنعهم من تقليده -كونه مثار حسد- في سبيل اشباع رغباته ..

لكن سقراط وفي مقارنة ذكية لا تخلو من حس التهكم يعقد مقارنة يثبت فيها أن القانون والطبيعة لا يتعارضان إذ يقول لو كانت الأكثريه هي التي تضع التشريعات والقوانين لأنها ترى ارتكاب الظلم أكثر ضرراً من احتماله فإن هذا الأمر يتفق مع الطبيعة التي تكون فيها القوة مع العدد الأكبر وهذا يعني أن قوانين العدد الكبير والتي هي قوانين الأكثرية في نظر القانون والعرف هي قوانين الفئة الأفضل والأكثر سلطاناً وقيمة ...

لكن كيف لنا أن نفهم وسط هذا الجدل حول الأكثرية والأقلية والأفضل والأكثر قيمة عبارة سقراط حين يقول : إن العدالة للشجعان وهي تقوم على المساواة ..

تعني أن كل واحد منا هو الأذكى والأفضل في مجاله ونوع اختصاصه إذا كنا في أقوالنا وأفعالنا نبحث عن المستحب من أجل الخير ولا ننشد الخير من أجل المستحب ..

أما الشجاعة فهي أن يكون الإنسان سيد نفسه يحكم نفسه وأهوائها قبل أن يفكر بحكم الآخرين ...

تنتهي المحاورة لتبدأ قصة سقراط وحيداً مع نفسه التوّاقه إلى عالم يسوده العدل والنظام ..إلى عالم الآخرة...

وإني أراه بعين نفسه سعيداً... حراً وقوياً...

فالعدالة نظام سماويّ التكوين وخير القول والعمل صدقها ومعناها...

وهي صديقة نفوسنا الطامحة للاستقرار والسلام ...

إن ارتكاب الظلم يبقى الفعل الأشد ضرراً...

لكن هل احتمال الظلم ومقاومته بالحكمة المنبثقة من مبادئ العدالة وروحها يزيدنا قوة؟؟

نعم، لا شكَّ في ذلك ... لأن كل فعلٍ إراديّ يجعلنا أقوى...

حينها سنعرف كيف نجنب أنفسنا أهوَن الشَّرَّيْن..

وفي جميع الأحوال لا مفرّ من التسليم للقَدَر على أمل النجاة والسلامة ...


  • 7

   نشر في 17 ماي 2016 .

التعليقات

تحية لكي سيدتي على هذا المقال الرائع الذي يحوي الكثير من علوم فن الكتابة و الخطابة و علوم البيان ,,, و تحية لجهودكي ايضا في جمع المعلومات و كيفية تسلسلها في مقالكي الكريم ,,, احتراماتي
1
جميل أرجوا ان تستمري بنشر المقالات الفلسفية
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا